المعاطف

كريم بلاد*
ينهمر المطر في قلبي..
وفي الخارج زخات أشد وأقوى..
إذا اجتمع المطران، سأصير لا محالة رجلا محمولا في فيضان جارف، سيغير سحنتي، ويملأ ساعة معصمي بالماء، حينها ستتعطل، ويقف الزمن، ثم يتدحرج هو الآخر بعيدا عني، في مجرى الأمطار من حولي. فَيَبْتَلُّ، ويثَّاقل محاولا الخروج من المجرى، من دون جدوى.
حملتُ نفسي على الخروج من البيت، منذ عشرين عاما لم أجاوز العتبة القديمة، كلما هممت بذلك ردني صوت قديم، غارق في الكبر، وطاعن في الوهن. لم أستطع أن أتجاهله يوما، عملت على التنكر، والتخفي، استبدلت زِيِّي بأقنعة مسرحية مزيفة، ولكنَّ الصوتَ في كل مرة يعرفني، فيشتعل في رأسي، وأعود لا أُجاوز العتبة.
مرت السنون، وكبرتُ، وتعقلتُ، وصار سماع الصوت أمرا عاديا، ولكني مع ذلك، لم أخرجْ. لماذا؟ لأني ألفت نبرته المخيفة، وقانونه الغريب. وقفت بالعتبة سنواتٍ.. أفكر فقط في القرار الأخير، قرار وحيد سأتخذه، وسأكون رجلا جديدا، أو لنقل حقلا يانعا، لن يستنبت غير الزيتون والرمان وبعض الفراولة. فكرتُ سنينَ عددا، ولم أترك المذكرة، وكتبتُ، حتى يكون القرار نافذا، فما يخطُّه القلم ينفذ، وما نفكر فيه يطير بلا أجنحة، ويحلق فوق رؤوسنا هنيهة، ثم يستقر عليها، كأن على رؤوسهم الطير.
هذا الصباح الماطر، غادرت البيت وتجاوزت العتبة، والمطر ينهمر، في الخارج وفي قلبي.
نزلت الدرجات مسرعا، سمعت صوتا آخر من طبيعة أخرى لم أألفها، يقول لي: ” التفتْ، سترى الصوت القديم قد تجسد، واستحال امرأة من تكوين الشر”. توقفت هل ألتفتُ كما قال الصوت الجديد أم أستمر في النزول؟ فكرت، إذا التفتْتُ لا محالةَ أصيرُ أسيرَ الصوت الجديد، وربما حبسني في هذا السلم عشرين عاما أخرى أو يزيد. إذن، لن ألتفت، لا أريد الحبس، ولا الرهن، ولا القيد، ولا السلطة، ولا الأمر، ولا النهي… أريدها هي.
لم ألتفت.
كم مر من عمري؟ أربعون..
كم سيصير إذا التفتت؟ ستون..
كم سيبقى إذا صرت؟ سويعات..
إذا ارتقيتها سلما باردا، تحولت لحظات فقط..
أضيع أنا.
لن ألتفت، ومشيتُ، وبدوتُ في العالم من حولي رجلا غريبا، معطف قديم، وطراز متقادم، لا أحدَ في الشارع يرتدي مثله. لا بأس الناس أذواق في ما يرتدون. ولكني غريب، وهذا العالم الذي تركته منذ عقدين تحول كثيرا. لا أحد يعرفني، لا حياة تنادي، ولا سلام يبث، وجوه صارمة تعبر الشارع تحت المطر، غريب.. أجساد تتبلل، ولا تحتمي بالمطر، هل جن البشر؟ هل يغتسلون من كل نَفْثٍ وكل سحر؟ تباطأت في الخطو، لا داعيَ للعجلة، فاليوم في صباحه، وأنا قد تجاوزت العتبة، بالرغم من رسوخ الصوت في جمجمتي، أقصد الصوت القديم. ركنت نفسي إلى عمود كهرباء، رفعت رأسي أنظر في الزخات تهطل متسارعة، مائلة، كأنها سهام فضية في حرب قديمة. رمشت بأهدابي اتّقاءَ السِّهام. المطرُ قويّ، لكني قاومت. لم أشعر بالمطر من فوقي وفي قلبي لأكثر من عشرين عاما. أحسست بالحركة من حولي تخف. قلَّ المشاة في الشارع، وتوقفت السيارات عن العبور، التفتت أبحث عنها، غير أني لم أعثر لها على أثر.
تتبعت خريطة الماضي في رأسي.
هنا شارع الإذاعة الوطنية..
وثَمَّ منتزه أنزا الوطني..
وفي مقابله بناية البريد الصفراء..
وعند قُنَّة الشارع مسجد لبنان..
والمدينة تشغل بقية الأماكن، وكافة الزوايا.
تذكرتُ الطريق إلى الحانة. لا أنساها أبدا، فقد ترنَّحت خارجا منها عندما كنت في العشرين، يسندني العمود إذا سقطت، وتحملني ذراعها، تلك التي لا تقدر على حمل ثقلي من تخمة النبيذ.
عندما وصلتُ إلى الباب، توقفتُ.
لقد تغير كل شيء..
لا رائحة تنبعث منها، ولا أصوات، ولا موسيقى، وحدها تنهدات متضامنة، تنفلت في دفء وحرية. في قلبي بدأ المطر يخفّ. وفي الشارع، صارت تندف ثلجا.
دفعت الباب، فنظرت..
كانت الأجساد في معاطف تشبه معطفي.
وبينها امرأة لا تسقي أحدا، توجهت نحوي، ومدت يدها إليّ بقنينة نبيذ، ومفتاح.
أزلت معطفي، ووضعته على كتفيها.
تنهدتْ..
وقفلتْ آيبة، وهي تلتفت إليّ.
عندما صارت بعيدة في عمق الحانة، أفرغت القنينة في جوفي دفعة واحدة، ونظرت إلى المفتاح. رفعته. وقلت في حياتها ألملم ما تبقى فيّ من رجولة ورعونة وفحولة، وقبّلت المفتاح، وكأني أرتشف ماء مقطّرا من سماء.
أكادير 21 مارس 2022
قاص من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي