الرئيسية / الأعداد / إنتاجية المعرفة التاريخية في الخطاب النقدي عند إدريس الخضراوي: قراءة في المرجعيات والآليات الإجرائية –  محمد وسطاني

إنتاجية المعرفة التاريخية في الخطاب النقدي عند إدريس الخضراوي: قراءة في المرجعيات والآليات الإجرائية –  محمد وسطاني

إنتاجية المعرفة التاريخية في الخطاب النقدي عند إدريس الخضراوي: قراءة في المرجعيات والآليات الإجرائية

 محمد وسطاني *

 

ملخص

نتوخى في هذه الورقة البحثية مقاربة المنجز النقدي للباحث إدريس الخضراوي من خلال كتابه من التاريخ إلى الرواية: دراسة في آليات إنتاج المعرفة التاريخية عبر السرد“، وذلك ضمن أفق “نقد النقد” الذي يتخذ من الخطاب النقدي موضوعاً للمساءلة والتحليل.

تتمحور إشكالية الدراسة حول كيفية بناء إدريس الخضراوي لتصورٍ يرى في الرواية أداةً لإنتاج المعرفة التاريخية. وتتفرع عنها أسئلة تسعى إلى مساءلة آليات إعادة بناء العلاقة بين الحقيقة والتخييل، ومدى جدارة المتخيل الروائي في استعادة الذاكرة ومقاومة النسيان، مع الكشف عن المرجعيات الفكرية والآليات الإجرائية الحاضنة لهذا المشروع النقدي.

وتستند ورقتنا إلى فرضية أساسية ترى أن مشروع الخضراوي يمثل نقلة نوعية في النقد العربي المعاصر، حيث يتجاوز القراءات الشكلانية المغلقة للنصوص نحو نقد ثقافي يستنطق المسكوت عنه في الذاكرة الجمعية. ومن أجل فحص هذه الفرضية تبنينا منهجاً تحليلياً يفكك المرجعيات الفلسفية والسردية التي استند إليها الناقد، مع التركيز المباشر على “آليات الإجراء” المعتمَدة في تشريح نماذج روائية بعينها (شربل داغر ومحمد المعزوز).

نستهل ورقتنا بتحليل العتبات النصية للكتاب، بوصفها مؤشرات دالة على الرؤية الفكرية للمؤلف، ثم ننتقل لمناقشة المفاهيم المفتاحية التي يشتغل عليها، مثل “سرد الذاكرة” و”تفكيك المزيج الاستعماري”، لنخلص إلى أن جهد الخضراوي النقدي فلح في إثبات أن الرواية تمتلك قدرة تفوق التاريخ الرسمي في استعادة أصوات المهمشين وإعادة بناء الهوية الوطنية، وهو يقدم -من خلال كتابه موضوع الدراسة-نموذجاً نقدياً رصيناً يجمع بين عمق التنظير وصرامة التطبيق، مما يجعله مرجعاً أساسياً في دراسات التداخل الأجناسي بين الأدب والتاريخ.

  • الكلمات المفاتيح:

السردية العربية، المعرفة التاريخية، التداخل الأجناسي، الذاكرة الجمعية، التخييل الروائي.

أولاً: المنطلقات الفلسفية وخصوصية المقاربة الإبستمولوجية.

  • سيمائيات العتبات النصية وإستراتيجية التلقي.

تتبدى العتبات المحيطة بكتاب إدريس الخضراوي بوصفها إستراتيجيات نصية موجهة لوعي القارئ، وشبكة من المؤشرات السيميائية التي تختزل الأفق المعرفي للمؤلَّف وتحدد مسبقاً ميثاق التلقي. فالعنوان الرئيسي الموسوم بـ “من التاريخ إلى الرواية” يعلن عن حركية عبور إبستمولوجية تتجاوز الحدود الأجناسية التقليدية، لتكشف عتبته الفرعية المتمثلة في عبارة: “دراسة في آليات إنتاج المعرفة التاريخية عبر السرد” عن جوهر الإشكالية الثاوية في صلب الكتاب. وهي إشكالية ترتقي بالسرد من رتبة الترف التخييلي السكوني لتعيد بناءه كقناة وثائقية ومعرفية سيادية تشارك علم التاريخ في صياغة الوعي بالماضي وصيانة الذاكرة الجماعية، وتتآزر هذه التسمية مع اللوحة البصرية الجاحظة على الغلاف، والتي تُظهّر رسماً تعبيرياً باللونين الأبيض والأسود يمتزج فيه الفارس بجواده المشدود العنان في حالة وثوب، بما يرمز سيميائياً إلى حركية المتخيل الروائي المندفع نحو زحزحة السرديات الرسمية الجافة وإعادة بعث الوقائع الساكنة.

وتكتمل هذه الهندسة الإشهارية بالانتقال إلى ظهر الغلاف، حيث ينهض النص الموازي المقتضب بوظيفة التوجيه الإجرائي عبر حصر فرضيات المنجز وتحديد غاياته المتمثلة في استقصاء تحولات المفهومين الأدبي والتاريخي منذ النصف الثاني من القرن العشرين. يضع هذا النص الخلفي القارئ مباشرة أمام معالم المختبر التطبيقي للكتاب، معلناً اتكاء الناقد على نموذجين روائيين مغربيين وعربيين هما: رواية “ابنة بونابرت المصرية” لشربل داغر، ورواية “حرب الكوم” لمحمد المعزوز. ويظهر هذا التقديم كيف يسعى الباحث إلى استنطاق المسكوت عنه في حقبة الحملة الفرنسية على مصر وعصر الاستعمار في المغرب، جاعلاً من الفئات المهمشة ركيزةً فارقة لإعادة بناء تاريخ المغرب والمشرق المعاصر.

ولا تقف حركية العتبات عند الأبعاد المفاهيمية الصرفة، بل تنفتح حوارياً وثقافياً في صفحة “شكر وامتنان”، إذ يفصح الخضراوي من خلالها عن حفرية المقالات المكونة لكتابه، والتي تضرب بجذورها في منابر نقدية رصينة مثل مجلة “تبين للدراسات الفلسفية والنظرية النقدية” (العدد 33، المجلد9، صيف 2020)، وموقع “العربي الجديد” (أغسطس 2023). إن هذا الإفصاح يمنح المادة العلمية مصداقية جماعية واكبت بالتحليل والتشريح لحظة صدور المتون الروائية موضوع الدراسة. ويتوج الناقد هذا الانفتاح بلفظة اعتراف وجداني حميم يربط فيها استواء عمله الفكري بظلال السند الأسري، حيث تتكتم اللوحة الورقية وراء “بصمات خفية” لزوجته ذة. حليمة الهاشمي، وأبنائه أديب، عدنان، وغسان، ليعكس هذا المزيج خصوصية الخطاب النقدي عند الخضراوي بوصفه ممارسة إنسانية حية لا تنفصل فيها صرامة المرجعية المعرفية عن حيوية العلاقات الوجودية المحيطة بها، ليعكس هذا المزيج خصوصية الخطاب النقدي عند الخضراوي بوصفه ممارسة إنسانية حية لا تنفصل فيها صرامة المرجعية المعرفية عن حيوية العلاقات الوجودية المحيطة بها.

إن هذا التلاحم الحي بين البعد الإنساني والعمق المنهجي الذي كشفت عنه العتبات النصية، يمثل المدخل الطبيعي لفحص الجوهر المعرفي لمشروع الخضراوي النقدي، ومساءلة مرجعياته الإبستيمولوجية التي نقلت السرد من جلباب الوصف الساكن إلى رحاب المثاقفة الكونية المتسعة

1.1. إبستمولوجيا التداخل الأجناسي: مساءلة الحدود بين التاريخ والسرد.

ينبثق الوعي الإبستمولوجي المعاصر عند إدريس الخضراوي من رؤية حركية باكرة تعيد ترتيب أولويات الفكر النقدي، إذ لم يعد يرى في السرديات مجرد عُدّة واصفة أو جهاز تقني سكوني، بل ينظر إليها بوصفها مجالاً معرفياً منفتحاً على تاريخ الأفكار، والأنظمة الفكرية، والخطابات الثقافية بصفة عامة[1]، ويتجلى هذا المنظور التوليدي بوضوح في رصده للتحولات الجوهرية التي مست درس الأدب منذ النصف الثاني من القرن العشرين، حيث انتقل الاهتمام من تحديد ماهية النص وبنيته الداخلية، إلى رحاب ممارسة بينية تستثمر الفكر السردي في تفكيك الأنساق الإيديولوجية والجمالية والثقافية، إنها خطوة إجرائية تعيد صياغة صلات الأدب بالتاريخ، وتمنح الذاكرة الإنسانية قوة حيوية قادرة على خلخلة الأنماط الوثائقية الجاهزة، إذ يرى الخضراوي أن السرديات قد فتحت أمام دراسة الأدب والسرد آفاقاً رحبة وواسعة، محوّلةً النظرة إلى الدراسة الأدبية التزاماً واقتراباً مما يتفاعل على أرض الواقع من توترات واضطرابات وتحيزات[2]، ليغدو الأدب في منظوره نمطاً إنسانياً مركزياً للمعرفة يتقاطع كلياً مع قضايا الثقافة والعالم والمجتمع.

وتتأسس هذه المرجعية الإبستيمولوجية للخطاب النقدي عند إدريس الخضراوي وتصل ذروة نضجها في كتابه من التاريخ إلى الرواية، حيث تقوم على صيرورة مراجعةٍ واعية للتقاطعات الحيوية القائمة بين حقول السرديات، والتاريخ، وفلسفة التأويل. ويتجلى هذا الثراء المعرفي في تمثُّل الباحث للنظرية الغربية الحديثة. إذ تتقاطع أطروحات توماس بافل  Tomas Pavelحول المنعطفات الجوهرية للأدب ووظائفه الوجودية، مع جهود بول ريكور Paul Ricoeur  الصارمة في تتبع مسارات الزمن والذاكرة، وتنفتح في الآن ذاته على السجال النقدي المغربي والعربي المعاصر المعني بأسئلة التداخل الأجناسي. إن هذه المرجعيات المتضافرة تعيد الاعتبار لـ “سيرة الفرد” والمادة الحكائية بوصفها مختبراً سوسيولوجياً مصغراً، وفضاءً نموذجياً يتيح للباحث النقدي تتبع شبكات العلاقات المعقدة، واستكشاف استراتيجيات الأفراد في نسج خيوط حيواتهم، فضلاً عن رصد التحولات الحرفية والاقتصادية ودراسة الحراك الاجتماعي عموماً ضمن سيرورة جماعية ممتدة لا تنفصل عن سياقها التاريخي المحيط بها[3]، ويتجاوز السرد الروائي في هذا المنظور حدود التوصيف الخارجي الجاف، ليسير بالبحث نحو أفق “الأنثروبولوجيا التاريخية”[4]، وهي زاوية معالجة جديدة تسعى حثيثاً إلى بلوغ صورة “الإنسان الكلي” في أبعاده المتعددة والمتشابكة، حيث تتحول عودة التاريخ إلى الذات الإنسانية وعوالمها الصغرى إلى محاولة علمية لاستكشاف الحيز الوجودي الذي تنكشف فيه حقيقة الوعي البشري وتفاعله الحي مع صدمات الوجود وتحولات المجتمع[5].

وتتضاعف القيمة العلمية لهذا الطرح عند النظر إلى الأدب بوصفه مصدراً حيوياً ومستقلاً لإنتاج المعرفة، وقناةً نصية تنهض بوظائف بالغة الأهمية في صيانة الذاكرة الجماعية وحمايتها من التلاشي أو الانكفاء تحت وطأة التصورات الشمولية الجاهزة[6]. إنها ممارسة بينية تستوعب النص كبنية جمالية مشحونة بالأسئلة الثقافية والسياسية والوجودية للمجتمع، مما يمنح المتخيل الروائي طاقة استكشافية قادرة على ملامسة جراح الذاكرة الجمعية واستنطاق المسكوت عنه في السرديات الرسمية. ويثير هذا التمازج إشكالية التعقيد البنيوي الذي يربط الرواية والتاريخ بالتمثيل السردي، وهو تمثيل يتكئ بالضرورة على الذاكرة الجماعية وصناعة الوعي بالعالم، ليتوج هذا التلاحم بتطابق بنيوي أصلت له النظرية النقدية المعاصرة عبر إثبات اشتراك السرد والتاريخ في “بنية الحبكة”[7]، لتنبثق المعرفة التاريخية والسردية من مشكاة بنائية واحدة.

وتأسيساً على هذا المشهد المعرفي يتشكل التركيب المنهجي الإجرائي في كتاب “من التاريخ إلى الرواية” ليعلن حقيقةً إبستمولوجية كبرى، مفادها أن العلاقة بين الحقلين التاريخي والأدبي قد بلغت في الممارسات النقدية المعاصرة درجةً من التداخل والتعقيد أصبحت معها كل المفاهيم التقليدية السابقة متجاوزة بالكامل، وتحديداً تلك الأطروحات الكلاسيكية التي كانت تؤسس لفصل ميكانيكي حاد بين هذين المبحثين المعرفيين وتتعامل معهما كجزر معزولة[8]، مؤشرةً على تداخل الحدود الإبستيمولوجية بين السرد والتاريخ؛ إذ يتجلى هذا التحول في ظهور نصوص أدبية تسهم بنيتها الخطابية في إنتاج معرفة تاريخية موازية، وهي معرفة تعمد إلى تفعيل “الذاكرة” بوصفها حركية حية تختزل ما تبقى من أثر الماضي في عصب الحاضر المشهود، متجاوزة الرصد الوثائقي الجامد لما حدث[9]، ويقود هذا التفكيك التكاملي إلى رصد انعطاف بالغ الأهمية داخل حقل العلوم الإنسانية وفي طليعتها علم التاريخ نفسه؛ إذ يلاحظ الناقد أن المؤرخين والمتخصصين في الدراسات التاريخية قد بدأوا في مراجعة المقتربات التقليدية التي كانت تصنف المعرفة الأدبية بوصفها خطاباً تخييلياً يفتقر إلى الموضوعية والشرعية الإجرائية[10]، إن مغادرة هذه المنطقة جاءت استجابةً لتحول معرفي وطيد أثبتت من خلاله كتابات “هايدن وايت” و”بول ريكور” اشتراك السرد والتاريخ في “بنية الحبكة”، مثلما تكرست الذاكرة بفضل مجهودات “بيير نورا” بوصفها حقلاً رصيناً للدراسة العلمية، مما دفع بالمؤرخين الجدد إلى الجهر علانيةً بأهمية الأدب كقناة وثائقية ومعرفية لا غنى عنها[11]، حيث يلتقي وعي المؤرخ بخيال السارد.

2.1. حوارية الأطروحات الغربية والنقد العربي المعاصر.

إن فحص أبعاد هذا الوعي الإبستمولوجي والتداخل الأجناسي في مشروع الخضراوي، يتطلب الكشف عن المرجعيات الفكرية الحاكمة لطروحاته؛ إذ يتقاطع منجزه مع السرديات الحديثة وفلسفات التأويل والنقد العربي المعاصر. ويمثل استثمار هذه المقتربات البينية ركيزة فكرية في هذا المشروع؛ حيث تتجاوز الرواية في منظوره المقاربات الشكلانية المغلقة نحو أفق “النقد الثقافي”، بوصفه إطاراً يسعى إلى إنتاج معرفة تاريخية موازية تعيد الاعتبار للمسكوت عنه في الذاكرة الجمعية. ويغدو هذا التداخل معرفياً هو الآلية الإجرائية الصارمة التي سيتكئ عليها الناقد لتشريح النماذج الروائية المختارة، إذ يتجاوز النص الروائي في هذا المنظور رتبة المحاكاة السلبية للماضي، ليعيد بناء الواقعة التاريخية من خلال أدوات التخييل وشعرية الحبكة، وهو ما يسمح بمساءلة السرديات الرسمية واستحضار الخطابات الهامشية. ويستدعي فحص المرجعيات النظرية الكامنة وراء هذه الأدوات، رصد لائحة المصادر والمراجع المعتمدة في كتاب إدريس الخضراوي، حيث يتقاطع منجزه مع السرديات الحديثة وفلسفات التأويل والنقد العربي المعاصر، ويظهر هذا التعدد المرجعي في استناد الناقد إلى أطروحات السردي توماس بافل (Thomas Pavel) وتحديداً في أطروحاته حول مسارات الفكر الروائي ووظائفه الوجودية[12]، والتي يتقاطع عبرها مع مجهودات إيفان جابلونكا I Jablonka المعنية بمساءلة الأجناس والبحث عن التاريخ بوصفه ممارسة أدبية ممتدة[13]. إن هذا الانفتاح المعرفي يمنح الخطاب النقدي عند الخضراوي طاقة تركيبية تستوعب الرؤى الفلسفية لـ “هايدن وايت” (Hayden White) في تفكيكه لشعريات الخطاب التاريخي وآليات اشتغال الحبكة[14]، بالتوازي مع استثمار المقتربات المفاهيمية لفينومينولوجيا الذاكرة والزمن عند بول ريكور P Ricœur، حيث تتقاطع هذه المرجعية الغربية مع طروحات النقد العربي المعاصر المعني بأسئلة التمثيل السردي والذاكرة. ويتجلى هذا التناص النقدي في التقاء أبحاث الخضراوي مع إسهامات محمد برادة، التي تبحث في طاقات الرواية وقدرتها على استدعاء الذاكرة وإعادة صياغة أسئلة الوجود والمستقبل.[15]، إلى جانب استحضار أطروحات صبري حافظ المتعلقة بالسياقات الاجتماعية والثقافية الناظمة لتطور الخطاب الروائي العربي[16]، وهو ما يعكس اعتماد هذا المشروع على مرجعيات متعددة تتجاوز الحدود المنهجية التقليدية.

تأسيساً على ما تقدم من فحص لمعالم المحور الأول تبين أن مشروع الخضراوي يسعى إلى بلورة منظور إبستمولوجي يتخذ من “سيميائيات العتبات” منطلقاً لتوجيه أفق التلقي، ومن “التداخل الأجناسي” مدخلاً لمساءلة الأنماط الوثائقية التقليدية، ليلتقي هذا الطرح حوارياً مع بعض الأنساق الفكرية المعاصرة. ويقود رصد هذه الخلفيات المرجعية إلى استخلاص الفرضية الأساسية للكتاب؛ ومفادها أن الرواية في إبستمولوجيا السرد المعاصر لا تُختزل في كونها صدى تخييلياً هامشياً، بل تُطرح بوصفها خطاباً موازياً لعلم التاريخ في تنظيم الزمن وصيانة الذاكرة الجمعية. ومن منظور قراءة “نقد النقد”” فإن انتقال هذه الخيارات المنهجية من رتبة التنظير الفلسفي إلى سياق الإجراء التطبيقي يمثل المحك المنهجي الذي تختبره الدراسة في المحور الموالي؛ حيث نتقصى الكيفية الإجرائية التي قارب بها الناقد المتون الروائية المختارة، ومدى جدارة أدواته في فحص طاقات المتخيل الروائي ومساءلة السرديات الرسمية، واستحضار خطابات الهامش، وتفكيك البنى الكولونيالية، في سياق مقاربتها لأسئلة الوجود والذاكرة والهوية.

ثانياً: آليات الإجراء الإستراتيجي ومسارات التفكيك الميتانقدي.

تنخرط هذه المحطة الإجرائية في تتبع انتقال الناقد بمفاهيمه من رتبة التجريد النظري نحو فضاء التفكيك والممارسة التطبيقية داخل روايتي “ابنة بونابرت المصرية” لشربل داغر و”حرب الكوم” لمحمد المعزوز. وتأسيساً على هذا العبور، نتقصى عملياً مدى فاعلية هذه الخيارات المنهجية في صياغة معرفة تاريخية بديلة، عبر ثلاثة مسارات متكاملة: يبتدئ أولها برصد آليات “المتخيل التاريخي” وإستراتيجياته في مساءلة السرديات الرسمية، ويمر ثانيها عبر استنطاق حفرية “الذاكرة” في سعيها لاستحضار الأصوات الهامشية، ليتوج ثالثها بمساءلة شعرية “الخطاب”، وعقد الحبكة الاستكشافية في مقاربتها لأسئلة الهوية.

1.2. المتخيل التاريخي واستراتيجيات زحزحة السرديات الرسمية.

تتأسس الممارسة النقدية في الأفق الفكري للباحث إدريس الخضراوي على مقترب معرفي يسعى إلى تجاوز التوصيف السطحي نحو المساءلة الإبستمولوجية؛ حيث ينطلق من فرضية مفادها أن “فعل الكتابة في جوهرها هو بحث دائم عن إمكانات فهم الذات الإنسانية ومواجهة واقعها” [17]وبموجب هذا الطرح الإبستمولوجي التأسيسي، يعيد الخطاب النقدي عند إدريس الخضراوي صياغة العلاقة بين الحقيقة التاريخية والتخييل السردي انطلاقاً من مراجعة إبستمولوجية عميقة للمفاهيم التقليدية التي كانت تفصل بين الأدب والتاريخ فصلاً حاداً، إذ لم يعد التاريخ في تصوره خطاباً يمتلك سلطة الحقيقة المطلقة، كما لم تعد الرواية مجرد بنية تخييلية منفصلة عن الواقع، بل غدت ـ ضمن أفق السرديات المعاصرة ـ شكلاً معرفياً قادراً على مساءلة الماضي وإعادة بناء الذاكرة الجماعية عبر آليات التمثيل السردي والتخييل النقدي والاشتباك مع إكراهات الواقع وشروطه السوسيولوجية والتاريخية المعقدة والمأزومة.

وينطلق الخضراوي في هذا التصور من وعيٍ نقدي متأثر بالتحولات التي شهدتها العلوم الإنسانية منذ النصف الثاني من القرن العشرين، وخاصة مع صعود السرديات وفلسفات التأويل والتاريخ الجديد، حيث تزعزعت الحدود الصارمة بين الوثيقة التاريخية والمتخيل الأدبي. لذلك فإن الحقيقة التاريخية في مشروعه لا تُفهم بوصفها معطى جاهزاً ونهائياً، بل باعتبارها بناءً خطابياً يخضع بدوره لعمليات الانتقاء والترتيب والحبك والتأويل؛ وهي الفكرة التي بلورها هايدن وايت (Hayden White) حين أكد أن الكتابة التاريخية نفسها تقوم على بنية سردية لا تختلف جذرياً عن بنية الخطاب الروائي. ومن هنا يغدو التاريخ شكلاً من أشكال السرد، لا مجرد انعكاس محايد للوقائع. وتكتسب هذه الدينامية التحليلية شرعيتها المنهجية عند الخضراوي من خلال التزامها الأكيد بـ”أخلاقيات قراءة” صارمة ومسؤولة، ترفض لدرجة المقاومة اتخاذ النص الروائي مجرد “ذريعة باردة” أو وثيقة محايدة لإسقاط مرجعيات أيديولوجية، أو حسابات سياسية، أو قوالب عقائدية مسبقة ومسيّجة بـ(السياسي أو الديني)، والتي لا تنتج في نهاية المطاف سوى معرفة خارج-نصية مشوهة ومبتورة.

إن الوفاء للنص في المنهج النقدي التفكيكي عند الخضراوي لا يعني بأي حال من الأحوال الامتثال الآلي للمادة الوثائقية الجافة، أو الاستنساخ الفوتوغرافي الصامت للوقائع الرسمية المقررة من قِبل سلطة التدوين، بل يعني الوفاء المطلق لروح التجربة الإنسانية وحقيقتها الوجودية والاجتماعية الكامنة في منطقة “البرزخ” والتقاطع المتبادل بين متخيل النص وسياقه الحضاري الزاخر. وفي ضوء هذا التحول المعرفي، يمنح الخضراوي للرواية وظيفةً تتجاوز المحاكاة والتخييل الجمالي، لتصبح أداةً لإنتاج معرفة موازية بالتاريخ، خصوصاً في المناطق التي يعجز فيها التاريخ الرسمي عن استيعاب التجارب الإنسانية الهامشية أو المسكوت عنها. فالرواية-في منظوره-تمتلك قدرة استثنائية على استعادة الأصوات المقصية، واستنطاق ذاكرة الجماعات المهمشة، والكشف عن التوترات الثقافية والاجتماعية التي غالباً ما تُقصيها السرديات السلطوية الكبرى. ولهذا لا يتعامل مع النص الروائي باعتباره وثيقةً بديلة عن التاريخ، بل باعتباره ممارسةً تأويلية تعيد مساءلة الوقائع من الداخل، وتكشف البعد الإنساني والنفسي والرمزي الذي تعجز الوثيقة التاريخية التقليدية عن احتوائه، ومن ثَمَّ ينتصر لإنتاج معرفة تاريخية بديلة تعيد صياغة الذاكرة والمجتمع من الأسفل، وعبر استغلال الخصوصية الخطابية والجمالية للشكل الروائي.

وعليه، ينبثق مفهوم “المتخيل التاريخي” في القراءة التطبيقية للخضراوي بوصفه آلية سيادية، اختراقية، وتفكيكية، تسعى بالأساس إلى زحزحة البنى الساكنة وصهر السرديات الشمولية الجافة التي طالما ادعت احتكار الحقيقة التاريخية الكبرى؛ فالرواية التاريخية المتميزة بحسب الخضراوي لا ترهن قيمتها المعرفية بمحاكاة التاريخ النمطي وإعادة صياغة أحداثه الكبرى دون استثمار طاقات الشكل الروائي ووعيه النظري الباني[18]. إن الجدارة الإبستيمولوجية للمتخيل الروائي تكمن تكمناً حاسماً في التسلل الذكي عبر الفجوات المعتمة، والمنافذ المغلقة، والمجهولات الثاوية في طيات التجارب الإنسانية المنسية[19] ويتجلى هذا التصور بوضوح في قراءاته التطبيقية لروايتي “ابنة بونابرت المصرية” لـشربل داغر و”حرب الكوم” لـمحمد المعزوز؛ إذ يبرز كيف يتحول السرد الروائي إلى فضاء لإعادة كتابة التاريخ من زاوية المهمشين لا المنتصرين، ومن منظور الذاكرة لا الوثيقة فقط. فالتخييل هنا لا يزور الحقيقة التاريخية أو ينفيها، وإنما يعيد تأويلها وتفكيكها عبر مساءلة البياضات والثغرات التي تركها الخطاب التاريخي الرسمي. لذلك فإن العلاقة بين التاريخ والرواية عند الخضراوي ليست علاقة تناقض، بل علاقة تكامل جدلي، حيث يمدّ التاريخ الرواية بالمادة المرجعية، بينما تمنح الرواية التاريخ عمقه الإنساني والتأويلي.

يتضح هذا التوجه الإجرائي بجلاء في تفكيك الخضراوي لواقعة “الحملة الفرنسية على مصر” عبر رواية “ابنة بونابرت المصرية” لشربل داغر؛ حيث لم يكن اختيار الناقد لهذه المحطة الاستكشافية عشوائياً أو معزولاً، بل نبع من وعيه الحاد بضرورة اختراق جدار “الصمت المعرفي” المريب الذي لفّ المرحلة الوجودية والتاريخية التي عقبت الحملة[20]، فبينما يكتفي التاريخ الرسمي والمدونات السائدة بتدوين الخطاب الكولونيالي المنتصر أو الخطاب النخبوي الجاف، تأتي رواية شربل داغر لتخلخل هذا اليقين المرجعي المطمئن؛ إذ تعمد بفضل طاقات المتخيل إلى إعادة سرد الأحداث المؤلمة والمأساوية التي شهدتها مدينة مرسيليا، ملقيةً الضوء على المصائر التراجعية للمهمشين والمنسيين الذين جرفتهم عجلات الصدام الحضاري، وتحديداً فئة “المماليك” والوافدين الذين رافقوا بونابرت في رحلة عودته إلى فرنسا، فجوبهوا هناك بالتنكيل والاقصاء والقمع والتصفية الجسدية والمعنوية[21] إن المتخيل التاريخي في قراءة الخضراوي لرواية داغر لا يكتفي بإعادة قراءة الوثيقة، بل يمارس نوعاً من “تخريب الأسطورة الكولونيالية”؛ إنه ينزع الأسطرة الرمزية عن شخصية نابليون بونابرت وحملته التنويرية المدعاة، ليعيد الكلمة والفاعلية للأصوات المكمّمة والضحايا المنسيين، ويمنحهم حق التذكر والانتصار لذاكرة بديلة ومغايرة، تضخ الحياة الإنسانية في جسد الماضي العليل والبارد[22].

وفي المقابل، وعلى نفس السكة التفكيكية التي تفك شيفرة السرد المرجعي المهيمن، ترتسم إستراتيجيات زحزحة السردية الرسمية بقوة وزخم في قراءة الباحث إدريس الخضراوي لواقعة تاريخية مغربية وعربية محورية هي واقعة “حرب تطوان” (1859-1860م)، والمجسدة نصياً في رواية “حرب الكوم” للروائي محمد المعزوز، هنا يتجاوز المتخيل التاريخي رتبة التأثيث الفني ليستحيل أداة حفرية إبستمولوجية تسعى لتفكيك شروط “الهزيمة النكراء” والاشتباك الحاد مع السياقات السوسيوسياسية، الوجودية، والنفسية المريرة التي رافقتها وتلتها. فالخضراوي ومن خلال عدته المفهومية المتماسكة، يلاحق الكيفية المنهجية التي عبر بها محمد المعزوز من رتبة التوثيق التاريخي الجاف والسكوني لواقعة مواجهة الاحتلال الإسباني، إلى تشييد بنية تخييلية مركبة، دافئة، ومقاومة في الآن ذاته، وهي بنية تحتفي بالفنون، والآداب، واللغات، والتجارب الإنسانية المتباينة والمتشظية، بهدف تفجير حواجز الوثيقة الصارمة وسلطتها المعرفية الأحادية والشمولية[23]. تتحول واقعة حرب الكوم في المنظور النقدي التطبيقي للخضراوي إلى مختبر حي لتفكيك بنية “المجزرة” بتعبيراتها المختلفة، ورصد تداعياتها الصدمية الحارقة على مستويات متعددة: نفسية، اجتماعية، وهوياتية تمس صميم الإنسان المغربي في تلك اللحظة المفصلية من تاريخه الحديث. فالتحليل الحفري عند الخضراوي لا يقف عند رصد الحدث الحربي في دلالته العسكرية أو السياسية المباشرة، بل يتعداه ليتتبع كيف تنعكس الأزمة العميقة لتلك الهزيمة على قضايا “الذاكرة والمواطنة والهوية”، ومساءلة انكسار موجة الأمل العظيم لـ “الكوم” (الجنود النظاميين وغير النظاميين، والمطوعين، والفئات الهامشية الوافدة) الذين سحقتهم عجلات التاريخ السائد وحرمتهم الروايات الرسمية الجافة من حق الحضور، والاعتراف، والتأصيل الفاعل في متن التاريخ الوطني[24] .

كما يتقاطع هذا التصور بشكل نسقي ثري مع أطروحات بول ريكور P Ricœur حول الزمن السردي والهوية الحكائية، حيث يصبح السرد وسيلةً لتنظيم التجربة الإنسانية وفهم الزمن التاريخي عبر الحبكة. فالحقيقة التاريخية لا تُدرك ـ في هذا الأفق ـ خارج التمثيل السردي الذي يمنح الأحداث معناها وقابليتها للفهم. ومن هنا تتأسس القيمة المعرفية للرواية بوصفها خطاباً قادرًا على بناء وعي نقدي بالتاريخ، لا مجرد إعادة إنتاجه. إن هذا الكشف النقدي الغزير عند الخضراوي يبرز كيف تعمد رواية المعزوز-وبالتوازي مع رواية داغر-إلى تخريب هيمنة السردية الكولونيالية أو الرسمية الجاهزة، عبر إحلال “معرفة تاريخية بديلة” تشيدها طاقات المتخيل الروائي وممكناته اللامحدودة؛ وهي معرفة لا تتأسس على النقل الحرفي المحايد أو الاستجابة لبلادة الوثيقة، بل تنبثق حية ونابضة من تضافر البعدين الإنساني والجمالي، البعد الإنساني الذي يعيد الاعتبار لضحايا الصدمة التاريخية الأولى وجغرافيا معاناتهم، والبعد الجمالي الذي يستغل مرونة التخييل ولغة الرواية لاستنطاق المسكوت عنه. وبذلك يخلص مشروع الخضراوي إلى إعادة الاعتبار للرواية باعتبارها شكلاً من أشكال “المعرفة التاريخية المضادة”، أي المعرفة التي تواجه اختزال التاريخ في الوثيقة الرسمية، وتعيد فتح الماضي على احتمالات التأويل والذاكرة والأسئلة الإنسانية المؤجلة.

ومن ثم فإن التخييل السردي لا يظهر عنده نقيضاً للحقيقة التاريخية، بل أفقاً مكملاً لها، يكشف ما عجز التاريخ الوضعي عن قوله، ويعيد للإنسان حضوره داخل حركة الزمن، مظهرين جدارة “المتخيل التاريخي” بوصفه آلية سيادية قادرة على خلخلة السرديات الشمولية، وزحزحة اليقينيات الرسمية، واستنهاض الذاكرة الجماعية لتعرض آلامها، وجراحها، وانكساراتها الكامنة التي غيبها طويلاً صمت المدونات التاريخية الجافة.[25]

  1. 2. ثقافة الذاكرة وحفرية استعادة الأصوات الهامشية

يؤسس الباحث إدريس الخضراوي منظوره للعلاقة الجدلية بين الرواية والتاريخ انطلاقاً من مفهوم “ثقافة الذاكرة” بوصفه أفقاً معرفياً لمساءلة السرديات الرسمية، وحسب هذا الطرح لا تُختزل الذاكرة في كونها وعاءً ميكانيكياً لاستعادة الوقائع، بل تُمثل ممارسة تأويلية تعيد بناء الحدث التاريخي من منظور الجماعات الهامشية والأصوات الإقصائية، وفي هذا السياق يتجه رهان الخضراوي نحو الرواية بوصفها خطاباً يسعى إلى ملء البياضات والثغرات التي يخلفها التاريخ الرسمي، واسترجاع التجارب الإنسانية التي تعرضت للتهميش داخل المدونات التقليدية. ويربط الباحث هذا التحول بالمتغيرات التي شهدتها العلوم الإنسانية المعاصرة-لا سيما مع صعود التاريخ الجديد وفلسفات التأويل-والتي أسهمت في إعادة الاعتبار للأدب بوصفه حيزاً معرفياً قادراً على تمثيل الذاكرة الجماعية، وإعادة مساءلة الماضي خارج الأنماط التدوينية النمطية.[26]

وتنبثق هذه الرؤية المنهجية التفكيكية من وعي إبستمولوجي متأثر بأطروحات السرديات المعاصرة، وخاصة مع صعود التصورات التي دعت إلى تجاوز القطيعة التقليدية والحدود المصطنعة بين التاريخ والتخييل. لذا لا يتعامل الخضراوي مع الرواية بوصفها مجرد انعكاس تخييلي أو هروب جمالي من الوقائع، بل باعتبارها آلية حفرية واعية لإنتاج معرفة تاريخية بديلة وموازية، تمتلك من المرونة والأدوات ما يجعلها قادرة على استنطاق ما يسميه النقد الثقافي بـ “المسكوت عنه” داخل الذاكرة الجماعية المشتركة. ومن ثَمَّ فإن المتخيل الروائي يستحيل بموجب هذه القراءة أداة ونبشاً للكشف عن التجارب المنسية، وإعادة تركيب بنية المجتمع من خلال استحضار التفاصيل اليومية، والهويات الهامشية، التي غالباً ما يتجاوزها التاريخ الرسمي المعني بمدونات النخب والمنظورات المؤسساتية، ويتقاطع هذا الطرح نسقياً مع أطروحات بول ريكور (Paul Ricœur) حول “الذاكرة العادلة” و”الهوية الحكائية”[27]، التي تصبح عبرها الحبكة السردية وسيلة تنظيمية لفهم الزمن التاريخي المنسي، والتزاماً أخلاقياً بوفاء نقدي يرفض التزييف ويداوي شروخ الذات الجماعية.[28] وتأخذ هذه الحفرية عمقها السوسيوسياسي عند الخضراوي من خلال تقاطعها الإجرائي مع أطروحات النقد الثقافي وما بعد الكولونيالي حول مفهوم “سرديات الأمة”، لا سيما عند هومي بابا (Homi Bhabha) الذي يفكك في أطروحته النقدية بنية الخطاب القومي، مبيناً أن الأمة تعيش صراعاً خطابياً مزمناً بين لغة تعليمية شمولية تحاول فرض التجانس، وبين أداء تخييلي وتعددي تفرضه فئات الهامش التي تعيد كتابة جغرافيا الوعي من مناطق البرزخ والتهجين الثقافي[29]. هذا التقاطع النظري يسمح للخضراوي بمساءلة الكيفية التي يتشكل بها الوعي القومي والوطني خارج الأنساق الاحتفالية الجافة، بالاعتماد على ما يسميه بندكت أندرسن (Benedict Anderson) بـ “الجماعات المتخيلة”، حيث تلعب الرواية دور الحاضنة الأنثروبولوجية التي تعيد صياغة الهوية الجماعية وبنائها من خلال تمثيل فئات الهامش والمناطق المنسية التي أسقطتها مدونات المركز[30].

يتجلى هذا المنظور الأنثروبولوجي والحفري بوضوح ساطع في قراءة الخضراوي التطبيقية لرواية “ابنة بونابرت المصرية” لشربل داغر إذ يبرز كيف يعمد السرد الروائي إلى إعادة تمثيل حقبة الحملة الفرنسية على مصر من زاوية المهمشين لا من منظور المركز الاستعماري أو الرواية التاريخية المنتصرة. فالرواية-في تصور الخضراوي-لا تكتفي بإعادة سرد الحدث التاريخي تزامناً مع سياقه، وإنما تعيد تأويله جذرياً عبر كشف أثره النفسي، الثقافي، والوجودي في الذوات المنسية. وتتبدى جماليات الذاكرة هنا وهي تلاحق تلك المصائر التراجعية والشديدة الألم لفئة “المماليك” والوافدين الذين جرفتهم الحملة الفرنسية في تيارها، وعادوا برفقة نابليون بونابرت إلى مرسيليا، ليجدوا أنفسهم وجهاً لوجه أمام واقع الإقصاء، والاضطهاد، والتصفية الجسدية والمعنوية العنيفة؛ وهي تفاصيل يلتزم التاريخ الرسمي تجاهها صمتاً معرفياً مريباً[31]، لتدخل الذاكرة الروائية عند داغر كـ “معرفة مضادة” تفك شيفرة هذا الصمت المعرفي، محولةً السرد الروائي إلى ممارسة مقاومة للنسيان، تحفظ أثر الجماعات الصغيرة وتمنحها حق الحضور والاعتراف والخلود الرمزي داخل متخيل النص.[32]

وفي السياق ذاته-وعلى نفس السكة التفكيكية الحفرية-تشرح القراءة النقدية للخضراوي كيف تنهض ثقافة الذاكرة في رواية “حرب الكوم” لمحمد المعزوز لتدمير سلطة الوثيقة الأحادية الجافة التي لفّت واقعة “حرب تطوان” (1859-1860م) وشروط الهزيمة النكراء التي صاحبتها، إذ يتحول مفهوم الذاكرة في رواية المعزوز من منظور الخضراوي النقدي إلى فضاءٍ يتتبع الشروخ النفسية والاجتماعية التي خلفتها مأساة “المجزرة” في الوجدان المغربي، حيث يتجاوز التحليل الأبعاد العسكرية الجافة للمعارك، ليتجه صوب استنطاق سير وحيوات “الكوم”. تلك الفئة الهامشية من مجندي القبائل الذين طالهم نسيان المدونات التاريخية الرسمية، فأعادت الرواية الاعتبار لجراحهم وسياقاتهم الإنسانية المغيبة[33].

وتتعزز هذه الحفرية النقدية من خلال استثمار الخضراوي لمفهوم “سرديات الأمة”، حيث تتحول الرواية عبر جماليات الذاكرة إلى فضاء ترميمي وإجرائي لإعادة بناء الهوية الوطنية عبر استعادة الذاكرة الثقافية والاجتماعية للمجتمع من الأسفل، معتمداً على تضافر الأبعاد الإنسانية والجمالية للاحتفاء بالفنون، واللغات، والآداب، والتعبيرات الشعبية كآليات دفاعية قاومت التزييف ومحت وطأة الهزيمة والانكسار الوجودي[34]، وهو ما ينسجم مع أطروحات النقد الثقافي في المغرب حول تاريخ الهوامش واستنطاق المتخيل الشعبي ضد خطابات الاختزال النمطي[35].

إن الذاكرة عند المعزوز -كما يقرر الخضراوي- لا تزور الحقيقة التاريخية أو تنفيها، بل تمنح التاريخ عمقه الإنساني والتأويلي المؤجل، معيدةً صياغة الماضي كأفق مفتوح على احتمالات الأسئلة الوجودية المكبوتة. وهكذا تتجاوز الرواية وظيفة التسلية أو المحاكاة الجمالية المحايدة، لتصبح شكلاً من أشكال “المعرفة المضادة” التي تواجه اختزال التاريخ في الوثيقة الرسمية، وتعيد للإنسان حضوره الفاعل داخل حركة الزمن التاريخي، ومن ثم، فإن ثقافة الذاكرة في مشروع الخضراوي لا تنفصل عن رهانه النقدي على استعادة الأصوات الهامشية، تكتسب الذاكرة-في أبعادها الحفرية-صبغة ديناميكية تتجاوز حدود الاسترجاع الآلي للوقائع، وتتجه نحو إعادة كتابة واعية للتاريخ من منظور إنساني يمنح الهامش حيزاً حيوياً للحضور والتعبير.

ومن خلال هذه المقاربة النقدية، يغدو النص الروائي وثيقة أنثروبولوجية مضادة، ووساطة جمالية ومعرفية تسعى إلى حماية الذاكرة الجماعية من عوارض النسيان والتزييف الكولونيالي [36]

3.2.  بنية الحبكة الروائية وتعدد الأصوات كآلية لاستكشاف الهوية.

يتسع أفق الممارسة النقدية عند الباحث إدريس الخضراوي ليتجاوز مجرد رصد الأبعاد المعرفية والثقافية المحيطة بالمتخيل والذاكرة، متجهاً بنظرٍ تحليلي فاحص نحو مساءلة “الخطاب” في بنيته البلاغية والسردية المشتركة بين حقل الرواية وحقل التاريخ. وينفتح الوعي النقدي في هذا المسار على شعرية الخطاب بوصفها فضاءً حيوياً للالتقاء والتأويل بين الممارستين حيث يُقارب الخطاب باعتباره بنية رمزية، بلاغية، وجمالية قائمة بذاتها، تملك القدرة على إنتاج المعنى وإعادة تنظيم التجربة الإنسانية داخل الزمن السردي.

ومن هذا المنطلق المعرفي، يرتكز اشتغال الخضراوي على تفكيك “بنية الحبكة” بوصفها الآلية المركزية والمنطلق الإبستمولوجي الذي يتقاطع داخله وعي المؤرخ بخيال السارد. وهو ما يسمح بالنظر إلى الكتابة التاريخية نفسها-في أبعادها التدوينية-باعتبارها شكلاً من أشكال البناء السردي المركب القائم على خيارات الانتقاء، والترتيب، والتأويل، بما يسهم في مراجعة الفصل التقليدي الحاد بين جفاف التوثيق وحيوية الأدب؛ وهي الدينامية الخطابية التي تتيح في نهاية المطاف مساءلة مجالات الكينونة والزمن والمجتمع خارج سطوة السرديات النموذجية الكبرى، وبما يخدم إعادة بناء الوعي الجماعي برؤية نقدية بينية متجددة، وهنا يستثمر الناقد أطروحات هايدن وايت  H White  في شعرية التاريخ، والتي أكدت بكثير من الحصافة الإبستيمولوجية أن التاريخ لا يتحقق ولا يكتسب دلالته الإنسانية خارج التمثيل الخطابي، وأن المؤرخ مثل الروائي، يعمد حتماً إلى حبك الوقائع وشحنها داخل بنية حكائية منسجمة تمنحها الدلالة والقبول التأويلي[37].

وتبعاً لهذا التصور الخطابي، يتعامل الخضراوي مع الرواية بوصفها فضاءً حوارياً تتشابك داخله الأصوات، والرؤى، والمنظورات، والتمثلات الاجتماعية المتباينة، مما يمنح الخطاب الروائي أبعاداً بوليفونية تُسهم في مراجعة مركزية السرد الأحادي المنغلق الذي يطبع الوثيقة الرسمية وخطاب النخب المهيمنة. وتتشكل الحقيقة التاريخية داخل النص الروائي المعاصر من خلال تعدد وجهات النظر، وتنازع الذاكرات، واختلاف المواقع الاجتماعية والثقافية للشخصيات؛ حيث تظهر الأطروحة الروائية بوصفها بناءً حركياً يعتمد التعدد والتقاطع، بعيداً عن صيغ المعطيات الجاهزة أو التفسيرات النهائية المغلقة، ومن هنا تتجلى الأهمية القصوى لمفهوم “الحوارية” عند ميخائيل باختين M Bakhtin الذي يشكل خلفيةً معرفية ونقدية حاسمة في المقاربة الحفرية للخضراوي، إذ يغدو النص الروائي مجالاً حياً لتجاور الخطابات وتصارع الرؤى الوجودية، بما يسمح بإعادة مساءلة التاريخ من الداخل وتفكيك سلطته الأحادية الفوقية، مفسحاً المجال لبروز وعي نقدي يستنطق البياضات والثغرات المتروكة في المتون التاريخية السائدة، معيداً صياغة أسئلة الكينونة والزمن من منظور الهوامش الممانعة[38].

ويبرز هذا التداخل البنيوي، السوسيولوجي، والأنثروبولوجي بوضوح ساطع ونَفَس تفكيكي ممتد في قراءات الخضراوي التطبيقية لروايتي “ابنة بونابرت المصرية” لـشربل داغر و”حرب الكوم” لـمحمد المعزوز، حيث يرصد بكثير من الدقة كيف تتحول الحبكة السردية من مجرد ترف تقني فني إلى مختبر حقيقي لاستكشاف الهوية الفردية والجماعية في لحظات التوتر التاريخي المفصلية والصدمية. وتكتسب الرواية-في هذا الأفق النقدي- وظيفة إبستمولوجية تتجاوز حدود استرجاع الوقائع الماضية باعتبارها أحداثاً منتهية، لتكشف عن استمرارية أثر الحدث التاريخي وحركيته في تشكيل الوعي المعاصر، وتأويل تجلياته النفسية والثقافية داخل بنيات الذات الجماعية، وهو ما يمنح المتخيل السردي قدرة على ربط الذاكرة التاريخية بأسئلة الحاضر وامتداداته المعرفية. ومن ثمَّ، تتحدد الحبكة بوصفها آلية إجرائية لاستنطاق تحولات الذات في علاقتها بالبنيات السلطوية، والسياقات الاستعمارية، وتجليات الذاكرة، والمجتمع، ويتجه التخييل السردي في هذا السياق نحو إعادة ترتيب عناصر المرجع التاريخي ومفرداته ضمن بناء جمالي مرن، يُتيح استيعاب الأبعاد المنهجية التي تجاوزها الخطاب التاريخي الوضعي، لا سيما ما يتصل بتفاصيل الحياة اليومية، وتمزقات الهوية، وهشاشة الذات الإنسانية في مواجهة التحولات الكبرى والمنعطفات التاريخية العنيفة

يتضح هذا التلاحم البنيوي المعماري بوضوح في تفكيك الخضراوي لشعرية الخطاب وعقدة الحبكة في رواية “ابنة بونابرت المصرية” لشربل داغر؛ إذ يعمد السرد الروائي إلى تخريب وتفتيت المركزية الاستعمارية الكولونيالية من منظور المهمشين والبسطاء لا من منظور المركز الفرنسي المنتصر؛ حيث يلاحق الخضراوي التعقيد المعماري وتعدد الأصوات (البوليفونية) في رواية داغر، كاشفاً كيف يستعرض النص المصائر المأساوية والتراجعية الحارقة لفئة “المماليك” والوافدين الذين جرفتهم الحملة في تيارها إلى مرسيليا، مانحاً إياهم سلطة التعبير، والبوح، والحضور السردي المتوازن داخل بنية الحكاية. لتدخل الذاكرة الروائية هنا كـ “معرفة مضادة” تفك شيفرة الصمت المريب والتعتيم المعرفي الذي فرضه التاريخ الرسمي تجاه هذه الفئة المنسية، محولة السرد إلى ممارسة مقاومة للنسيان تنزع الأسطرة الزائفة عن نابليون بونابرت وحملته الكولونيالية، وتنتصر لحق الهوامش في صياغة هويتها البديلة[39].

وفي المقابل، وعلى نفس السكة التفكيكية الحفرية، تشرح القراءة النقدية للخضراوي كيف تنهض لغة السرد والتعقيد البنيوي وعقدة الحبكة الاستكشافية في رواية “حرب الكوم” لمحمد المعزوز لتدمير وإبادة سلطة الوثيقة الأحادية الجافة التي لفت واقعة “حرب تطوان” (1859-1860م) وشروط الهزيمة النكراء التي صاحبتها. يستقرئ الخضراوي بنية الحبكة عند المعزوز باعتبارها مختبراً سيكولوجياً واجتماعياً لتفكيك بنية “المجزرة” وتتبع شروخها الصدمية الحارقة في وجدان الإنسان المغربي؛ حيث لا يقف التحليل عند الأبعاد العسكرية الباردة للمعركة، بل يغوص عميقاً لينبش سير وحيوات وفضاءات “الكوم” (الجنود النظاميين وغير النظاميين، والمطوعين، والبسطاء من أبناء القبائل المغربية) الذين سحقتهم عجلات التاريخ السلطوي وغيبت جراحهم وتضحياتهم المدونات الرسمية. وتتعمد الحبكة الاستكشافية هنا إلى استثمار الفنون، واللغات، والآداب، والتعبيرات الشعبية كآليات دفاعية وثقافية داخل النص، محولة الرواية إلى قوة ترميمية تعيد صياغة مفاهيم “المواطنة، والهوية، والذاكرة الجماعية من الأسفل”، وبناء وعي نقدي متجدد بأسئلة الكينونة والوجود ضد كل أشكال الاختزال والتشويه التدويني النمطي.[40]

كما تتعزز شعرية الخطاب في مشروع الخضراوي النقدي من خلال اهتمامه البالغ بالبنية الزمنية للنص، حيث يتجاوز الزمن الروائي الخطية الكرونولوجية التقليدية والترتيب التصاعدي الساكن ليصبح زمناً متشظياً، متعدداً، وتأويلياً، تتداخل فيه الاسترجاعات، والاستباقات وفضاءات الذاكرة الحية؛ وهو ما يمنح السرد بعداً تأويلياً عميقاً ينسجم تماماً مع تصورات الفيلسوف بول ريكور P Ricœur  حول الزمن الحكائي والتشابك المتين بين الهوية السردية والهوية الحكائية. فالحبكة عند الخضراوي ليست مجرد تنظيم آلي أو فني للأحداث الروائية، بل هي إعادة تشكيل واعية للزمن الإنساني المعيش داخل أفق المعنى والدلالة، ولذلك تغدو الرواية أداةً معرفية طليعية لفهم الكيفية التي تبني بها الجماعات والمجتمعات ذاكرتها، وتمثل تاريخها، وتُعيد إنتاج وعيها بذاتها وبمحيطها المأزوم[41]،  ومن هذا المنطلق، تتحول الرواية في صلب هذا المشروع النقدي إلى مختبر سوسيولوجي وأنثروبولوجي بامتياز، قادر على استكشاف البنيات العميقة للمجتمع وتفكيك أنساقه الثاوية؛ لأنها لا تكتفي بعرض الوقائع الجافة، بل تنفذ عميقاً إلى تمثلات الأفراد والجماعات، وتكشف أنماط السلطة، والهيمنة، والكبح، وصوت الهامش داخل النسيج الاجتماعي.

إن شعرية الخطاب في هذا الأفق التفكيكي لا تنفصل أبداً عن وظيفتها المعرفية والإبستيمولوجية السيادية، حيث يغدو السرد الروائي ممارسةً نقدية وثقافية واعية تعيد بناء الهوية الوطنية عبر مساءلة الذاكرة الجماعية وتفكيك السرديات الرسمية المغلقة والمحاطة بأسوار اليقين الزائف. وبهذا المعنى الحفري، ينجح الخضراوي نجاحاً باهراً في نقل الرواية التاريخية من دائرة التخييل الجمالي المحض، والتأثيث الفني، أو الترف الفكري البارد، إلى فضاء إنتاج المعرفة التاريخية والثقافية المضادة والبديلة، مؤكداً بكل قوة وعزم أن الحبكة السردية ليست مجرد تقنية فنية مفرغة من محتواها الوجودي، بل هي أفقٌ استكشافي وحفري يعيد للإنسان الفرد البسيط والمهمش حضوره الفاعل والنابض داخل حركة الزمن التاريخي، ويمنح الهوية الوطنية إمكانية التجدد، والتشكل، والانبعاث المتجدد عبر الحوار المستمر والمسؤول مع الذاكرة، والاختلاف، والزمن[42].

4.2. حدود التوازن بين سلطة الوثيقة وسيادة المتخيل.

تقتضي القراءة الميتانقدية الواصفة، في إطار تتبع المنجز النقدي للباحث إدريس الخضراوي، الانتقال من رتبة التوصيف الإجرائي لآلياته إلى فضاء المساءلة المعرفية للحدود النظرية والمنهجية التي تحكم تصوره، إذ يتكشف من خلال التتبع الفاحص لشبكته التحليلية ملمح يتصل بطبيعة الرهان القوي الذي عقده على “إنتاجية المعرفة الروائية”، وهو رهان يميل في بعض التمفصلات نحو تضخيم سلطة المتخيل السردي إزاء الوثيقة التاريخية، عبر منح الرواية مكانة معرفية تكاد تكون سيادية في اختراق الثغرات، واستنطاق المسكوت عنه، وإعادة بناء الحقيقة الإنسانية الكلية والبديلة للتاريخ الرسمي. ورغم استناد هذا المنظور إلى أسس مرجعية صلبة تستمد مشروعيتها من تحولات السرديات المعاصرة وفلسفات التأويل (لا سيما أطروحات هايدن وايت وبول ريكور)، إلا أنه يؤدي في التطبيق الإجرائي إلى إضعاف المسافة المنهجية الفاصلة بين إعادة تأويل التاريخ، وبديل إحلال المتخيل السردي محل الوثيقة الأرشيفية، مما قد يوجه وعي المتلقي نحو استقبال الخطاب الروائي بوصفه بديلاً معرفياً تعويضياً ومكتملاً، يتجاوز رتبة الخطاب الموازي والمكمل لعلم التاريخ.

والواقع أن الإنصاف المعرفي يستدعي رصد محاولات التوازن الجدلي التي يحرص الخضراوي على تفعيلها في محطات مختلفة من قراءته. حيث يؤكد صراحة أن الرواية لا تلغي الوثيقة ولا تعدم المرجع التاريخي، بل تتجه نحو مساءلتهما وتأويلهما من الداخل بواسطة مداد التجربة الإنسانية المغيبة. ومع ذلك فإن هذا التوازن المعرفي يواجه تفاوتات إجرائية في مستوى الصرامة العلمية داخل الممارسة التطبيقية إذ تظهر بعض المقاطع التحليلية-خصوصاً أثناء تشريح المصائر الإنسانية للمماليك في رواية شربل داغر، أو سياقات الكوم والمطوعين في رواية محمد المعزوز-مشدودةً بالكامل إلى خلفية “النقد الثقافي المقاوم”، وهو منحى يجعل المقاربة تقترب أحياناً من تبني منطلقات نظرية مضادة للأنساق السلطوية والكولونيالية، مما يفضي إلى نوع من الانحياز التأويلي القبلي لفائدة خطاب الهامش وحقوق الذاكرة الجماعية المشتركة على حساب برود الوثيقة.

وتكشف هذه التفاوتات الإجرائية طبيعة الشروط المنهجية الناظمة لخطاب نقد النقد عند مقاربة العلاقة بين حركية المتخيل ووثائقية الأرشيف؛ حيث يتبدى كتاب “من التاريخ إلى الرواية” بوصفه نموذجاً للممارسة النقدية البينية التي تتأرجح مساراتها التطبيقية بين متطلبات الالتزام بخصوصية المرجع التاريخي وسياقاته، وبين رهانات الانفتاح على طاقات الشكل السردي وأبعاده التأويلية الثقافية. وهو تأرجح يضع المنجز النقدي أمام مساءلة مستمرة حول مدى قدرة آلياته الإجرائية على صيانة المسافة المنهجية الفاصلة بين رصد تداخل الحقول المعرفية، وبين السقوط في الانحياز القبلي لفائدة سلطة التخييل.

غير أن هذه النزعة الحجاجية لا تُفقد مشروع الخضراوي قيمته الإبستيمولوجية الرائدة، بل تعكس انخراطه الواعي في مقاربة أسئلة الوعي والذاكرة والهوية الوطنية ضمن السياقات التاريخية المحكومة بالأزمات والمنعطفات الصدمية الكبرى، وهو ما يجعل خطابه النقدي ممارسة تأويلية تفكيكية تسعى إلى إعادة التوازن الإبستمولوجي بين صوت المركز وصوت الهامش، بعيداً عن صيغ الانحياز الأيديولوجي المنغلق أو القراءات الاختزالية الصرفة لعلاقة التاريخ بالمتخيل.

تركيب.

تخلص ورقتنا البحثية في مسارها التحليلي إلى جملة من النتائج التركيبية والإبستيمولوجية، والتي تشكل إجابات نسقية عن الأسئلة النظرية التي انطلقنا منها، وتأكيداً لفرضيتها الأساسية القائلة بأن منجز إدريس الخضراوي يمثل انتقالاً ميتا نقديا يتجاوز الانغلاق الشكلاني نحو آفاق النقد الثقافي والأنثروبولوجيا التاريخية.

ويمكن إجمال هذه الخلاصة المعرفية في المحاور والتمفصلات التالية:

  • أولاً: إنتاجية المعرفة التاريخية وزحزحة الأحادية التدوينية: أثبتت الدراسة أن منجز إدريس الخضراوي يُعيد تأسيس العلاقة الجدلية بين الحقيقة التاريخية والتخييل السردي؛ حيث تكتسب الرواية في هذا الأفق قيمة إبستمولوجية صانعة لـمعرفة مضادة وبديلة. وهي معرفة تمتلك من المرونة والأدوات المنهجية ما يتيح لها ملء الفراغات والثغرات التي يخلفها خطاب النخب، متجاوزة في الآن نفسه الفصل الميكانيكي الحاد بين جفاف التوثيق وحيوية المتخيل الجمالي.
  • ثانياً: جدارة المتخيل في حماية الذاكرة واستعادة الهوامش: أبرزت الممارسة التطبيقية للورقة كيف يغدو النص الروائي في المقاربة النقدية للخضراوي وثيقة أنثروبولوجية مضادة، ووساطة جمالية ومعرفية تسعى إلى حماية الذاكرة الجماعية من عوارض النسيان والتزييف الكولونيالي. وقد تجسد هذا المنحى إجرائياً في تفكيكه لرواية “ابنة بونابرت المصرية” لشربل داغر عبر رصد مصائر فئة “المماليك والوافدين” بمرسيليا، وفي تشريحه لرواية “حرب الكوم” لمحمد المعزوز التي استقرأت السياقات الإنسانية والاجتماعية لفئة “الكوم والمطوعين ومجندي القبائل” إبان حرب تطوان (1859-1860م)؛ مما أتاح منح هذه الذوات حيزاً للتعبير والاعتراف الرمزي الذي تجاوزته المدونات التاريخية الرسمية.
  • ثالثاً: شعرية الخطاب والتشكيل التأويلي لزمن الحبكة: أظهر البحث صرامة العدة المفاهيمية الموظفة، إذ تلتقي الرواية والتاريخ في “بنية الحبكة” بوصفها آلية تنظيمية تُحوّل الزمن الإنساني من خطيته الكرونولوجية الرتيبة إلى زمن تأويلي تتداخل فيه الاسترجاعات، والاستباقات، وفضاءات الذاكرة. وينسجم هذا التداخل البنيوي مع أطروحات شعرية التاريخ وفينومينولوجيا الذاكرة، مبرزاً كيف يتجه النص الروائي نحو استثمار التعبيرات الثقافية والشعبية لتقصي تحولات الذات وأبعاد الهوية الجماعية إبان المنعطفات التاريخية الكبرى.
  • رابعاً: حوارية المرجعيات وتكامل الأنساق الكونية والعربية: كشفت الورقة عن المرجعيات النظرية المؤسسة لخطاب النقدي عند الخضراوي، حيث تتقاطع في منجزه أطروحات الفكر النقدي الغربي (هايدن وايت، ميخائيل باختين، بول ريكور، توماس بافل، وإيفان جابلونكا) مع أسئلة النقد العربي المعاصر (محمد برادة وصبري حافظ)، لينتج خطاباً نقدياً يتخذ من سيميائيات العتبات منطلقاً، ومن التداخل الأجناسي مَعْبراً، ومن النقد الثقافي غايةً لاستنطاق تفاصيل الحياة اليومية وتحولات الهوية في مواجهة المنعطفات التاريخية الكبرى.

وتأسيساً على هذه الخلاصة، تفتح الدراسة آفاقاً أمام القراءات الميتانقدية والسردية، مؤكدة أن الكتابة الروائية والممارسة النقدية الموازية لها، تُمثلان ممارسة معرفية وإنسانية تعيد بناء حضور الذات داخل حركة التاريخ، وتمنح الهوية الوطنية إمكانية التشكل الحركي عبر الحوار المستمر مع أبعاد الذاكرة والاختلاف والزمن.”

لائحة المصادر والمراجع المعتمدة في الورقة البحثية

أولاً: المصدر والكتب المرجعية للباحث (موضوع الدراسة):

  1. إدريس الخضراوي،
  • – من التاريخ إلى الرواية: دراسة في آليات إنتاج المعرفة التاريخية عبر السرد، خطوط وظلال للنشر والتوزيع، عمان، الأردن، الطبعة الأولى، 2026.
  • – سرديات الأمة: بناء الهوية في الرواية المغربية المعاصرة، إفريقيا الشرق، المغرب.
  • – السرديات أو تحولات الوعي بالخطاب الأدبي، مجلة ثقافات، العدد21، يناير 2008.
  • – السرد موضوعا للدراسات الثقافية، تبين للدراسات الفكرية والثقافية، فبراير2014.
  1. بندكت أندرسن، الجماعات المتخيلة: تأملات في أصل القومية وانتشارها، ترجمة: ثائر ديب، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، بيروت،
  2. ريكور بول، الزمان والسرد: الحبكة والزمان الحكائي (الجزء الأول)، ترجمة: سعيد الغانمي، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، 2006.
  3. باختين ميخائيل، شعرية دويستويفسكي، ترجمة: جميل نصيف التكريتي، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى، 1986.
  4. هايدن وايت، محتوى الشكل: الخطاب السردي والتمثيل التاريخي، ترجمة: عاصم الدسوقي، الجمعية المصرية للدراسات التاريخية، القاهرة، مصر، الطبعة الأولى، 2008.
  5. هومي بابا، موقع الثقافة، ترجمة: ثائر ديب، المشروع القومي للترجمة، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، الطبعة الأولى، 2004.
  6. صبري حافظ، تكوين الخطاب الروائي العربي: دراسة سوسيولوجية وبنيوية في سياق التحول الثقافي، دار شرقيات للنشر والتوزيع، القاهرة، مصر، الطبعة الأولى، 1996.
  7. برادة محمد، فضاءات روائية، دار الفنك، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى، 2002.
  8. بوعزة محمد، تحليل الخطاب السردي: البنية والنمطية الثقافية، الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت، ط1، 2010،
  9. مجلة تبين للدراسات الفلسفية والنظرية النقدية، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدار البيضاء/الدوحة، العدد 33، المجلد 9، صيف 2020.
  10. صحيفة العربي الجديد، لندن/بيروت، الملحق الثقافي، أغسطس 2023.

[1] : إدريس الخضراوي، السرديات أو تحولات الوعي بالخطاب الأدبي، مجلة ثقافات، ع 21، 2008، ص 106

[2] : المرجع نفسه، ص 115-116

[3] : إدريس الخضراوي، من التاريخ إلى الرواية، مرجع سابق، ص 16.

[4] : اتجاه معرفي بيني يتقاطع فيه علم الإنسان (الأنثروبولوجيا) مع علم التاريخ، ظهر بوضوح مع تحولات «التاريخ الجديد» ومدرسة الحوليات الفرنسية. وتتحدد غايته الإبستيمولوجية في إعادة كتابة التاريخ من الأسفل عبر استقصاء البنيات الثقافية، والتمثلات الذهنية، وتفاصيل الحياة اليومية، وعوالم الفئات الهامشية والمقصية، مستعيناً بالانفتاح على مصادر وممتلكات تعبيرية موازية (كالآداب والفنون ومتخيل السرد) لتجاوز اختزالية الوثيقة والأرشيف الرسمي. انظر: اندري بورغيير، الأنثروبولوجيا التاريخية، ترجمة محمد حبيدة، مجلة أمل، العدد5، يناير 1994، ص 99/106.

[5] : نفسه، ص 16-17.

[6] : نفسه، ص 17.

[7] : نفسه، ص 34-35

[8] : إدريس الخضراوي، من التاريخ إلى الرواية، مرجع سابق، ص 35

[9] : المعنى مستوحى ومكثف من تفكيك المؤلف لحركية الذاكرة والتاريخ؛ انظر: الكتاب نفسه، ص 35.

[10] : المرجع نفسه، ص 35

[11] : نفسه، ص35.

[12] : انظر لائحة المراجع الأجنبية للمؤلِّف:

Pavel, Thomas, La pensée du roman, Paris : Éditions Gallimard, 2003

[13] : انظر لائحة المراجع الأجنبية للمؤلِّف، انظر:

Jablonka, Ivan, L’Histoire est une littérature, Paris : Éditions du Seuil, 2014

[14] : انظر لائحة المراجع الأجنبية للمؤلِّف، دراسة وايت المترجمة إلى الفرنسية:

Carrard, Philippe, Hayden White : L’Histoire s’écrit, Paris : Éditions de la Sorbonne, 2017

[15] : انظر لائحة المراجع العربية للمؤلِّف: محمد برادة، الرواية ذاكرة للمستقبل، القاهرة: دار آفاق للنشر والتوزيع، 2008.

[16] : إدريس الخضراوي، من التاريخ إلى الرواية، مرجع سابق، ص 35. (وينظر: صبري حافظ، «الرواية العربية والتحولات الاجتماعية والثقافية»، مجلة تبيّن، الدوحة، العدد 2، المجلد 1، خريف 2012).

[17] : عبد المالك أشهبون، روايات عربية ممنوعة وحرائق أسئلة التلقي، دار فضاءات للنشر والتوزيع، عمان، الأردن، الطبعة الأولى، 2026، ص 8.

[18] : إدريس الخضراوي، من التاريخ إلى الرواية، مرجع سابق، ص 82. (وينظر تفاصيل وعي المعرفة الروائية بالتاريخ والاشتباك مع السياق النصي وجدلية ريكور ووايت: ص 184

[19] : المرجع نفسه، ص 85

[20] : إدريس الخضراوي، من التاريخ إلى الرواية، مرجع سابق، المرجع نفسه، ص 89. (وينظر حول آليات اختراق صمت ما بعد الحملة الفرنسية ومفهوم الكتابة ككشف: ص 190)

[21] : إدريس الخضراوي، من التاريخ إلى الرواية، مرجع سابق ، ص .83

[22] : نفسه، ص 87.

[23] إدريس الخضراوي، من التاريخ إلى الرواية، مرجع سابق، ص 91. وينظر في تفكيك الخضراوي لآليات اختراق الحواجز والحدود التقليدية بين سلطة الوثيقة وممكنات التخييل عند شربل داغر ومحمد المعزوز: ص 81/83.

[24] : نفسه، ص 92-93. (وينظر حول تفكيك مفهوم بنية المجزرة وتبعاتها الوجودية على قضايا الهوية والذاكرة والمواطنة في رواية المعزوز: ص 95

[25] : إدريس الخضراوي، من التاريخ إلى الرواية، مرجع سابق، ص 196.

[26] : نفسه، ص 82. (وينظر حول أفق الذاكرة كمعرفة مضادة ومراجعة العلوم الإنسانية: ص 84.

[27] : يتضح هذا التداخل المعرفي في اتكاء الخضراوي على أطروحات بول ريكور (Paul Ricœur)؛ ولا سيما مفهومي “الهوية الحكائية” و”الذاكرة العادلة”. إذ يتيح المفهوم الأول قراءة النص الروائي بوصفه حيزاً صانعاً للهوية عبر الوساطة السردية التي تدمج الواقع بالتخييل؛ في حين ينهض المفهوم الثاني (الذاكرة العادلة) بوظيفة أخلاقية ومنهجية تسعى إلى إنصاف المكونات الثقافية والاجتماعية التي تم تجاوزها في السرديات التاريخية المهيمنة، مما يمنح الرواية مشروعية إبستمولوجية في إعادة صياغة الوعي بالماضي خارج الأنماط التدوينية الرسمية.”

[28] : إدريس الخضراوي، من التاريخ إلى الرواية: دراسة في آليات إنتاج المعرفة التاريخية عبر السرد، مرجع سابق ، ص 85

[29] : هومي ك. بابا، موقع الثقافة، ترجمة: ثائر ديب، المشروع القومي للترجمة، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، الطبعة الأولى، 2004، ص 297.

[30] : ينظر في أطروحة الجماعات المتخيلة ودور السرد الروائي في بناء وعي الأمة: بندكت أندرسن، الجماعات المتخيلة: تأملات في أصل القومية وانتشارها، ترجمة: ثائر ديب، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، بيروت، ط1، ص25

[31] : إدريس الخضراوي، من التاريخ إلى الرواية، مرجع سابق، ص 83. (وينظر تفاصيل تفكيك المركزية الاستعمارية واختراق صمت ما بعد الحملة الفرنسية: ص 89-90)

[32] : نفسه، ص 87

[33] : نفسه، ص 91. (وينظر حول تفكيك مفهوم بنية المجزرة والتبعات الصدمية لحرب تطوان على فئة الكوم والبسطاء: ص 95

[34] : إدريس الخضراوي، من التاريخ إلى الرواية، مرجع سابق، ص 92-93.

[35] ينظر حول أهمية استعادة التاريخ الثقافي والهامش الاجتماعي في النقد والمقاربات المغربية المعاصرة: محمد بوعزة، تحليل الخطاب السردي: البنية والنمطية الثقافية، الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت، ط1، 2010، ص 114.

[36] : ينظر: حول تضافر مفهوم “سرديات الأمة” والذاكرة الثقافية لإنتاج المعرفة المضادة وصيانة الذات الجماعية عند الخضراوي: المرجع نفسه، الصفحات 81، 94، و96.

[37] : هايدن وايت، محتوى الشكل: الخطاب السردي والتمثيل التاريخي، ترجمة: عاصم الدسوقي، الجمعية المصرية للدراسات التاريخية، القاهرة، ط1، 2008، ص 45. (وينظر التوظيف والتقاطع النقدي مع هذا الطرح في: إدريس الخضراوي، من التاريخ إلى الرواية: مرجع سابق، ص 82 وص 84

[38] : ميخائيل باختين، شعرية دويستويفسكي، ترجمة: جميل نصيف التكريتي، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، المغرب، ط1، 1986، ص 124. (وينظر حول أثر الحوارية وتعدد الأصوات في زحزحة اليقين الوثائقي: إدريس الخضراوي، المرجع نفسه، ص 85-86

[39] : إدريس الخضراوي، من التاريخ إلى الرواية، مرجع سابق، ص 83. (وينظر تفاصيل تفكيك شعرية الخطاب، وتعدد المصائر التراجعية للمماليك والوافدين في رواية شربل داغر: ص 89-90

[40] : إدريس الخضراوي، من التاريخ إلى الرواية، مرجع سابق ، ص 91. (وينظر حول المعمار التخييلي لـ “المجزرة”، وسير حيوات “الكوم” والمطوعين والبسطاء وتوظيف الثقافة الشعبية في رواية المعزوز: ص 95.

[41] : بول ريكور، الزمان والسرد: الحبكة والزمان الحكائي (الجزء الأول)، ترجمة: سعيد الغانمي، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت، ط1، 2006، ص 172. (وينظر الاستثمار الإجرائي للأطروحة وتفكيك الزمن المتشظي: إدريس الخضراوي، مرجع سابق، ص 88 وص 92

[42] : ينظر في خاتمة المطلب حول الوظيفة المعرفية لإنتاج التاريخ المضادة وصيانة الذاكرة الجماعية: إدريس الخضراوي، المرجع نفسه، الصفحات: 81، 94 و96.

كاتب من تونس

 

عن madarate

شاهد أيضاً

تأويل التاريخ في الرواية المغربية المعاصرة : رواية “وادي اللبن” للروائي المغربي عبداللطيف محفوظ أنموذجا- عبدالرزاق اسطيطو

عبدالرزاق اسطيطو *   جعل الكاتب المغربي عبداللطيف محفوظ من التاريخ المنسي لمنطقة تيسة ضواحي مدينة …

اترك تعليقاً