الرئيسية / الأعداد / سيميائيات النسيان: النسيان والبناء السيميائي للذاكرة في رواية “حلم أمكنة” للحبيب ناصري – أمين اضريف

سيميائيات النسيان: النسيان والبناء السيميائي للذاكرة في رواية “حلم أمكنة” للحبيب ناصري – أمين اضريف

سيميائيات النسيان: النسيان والبناء السيميائي للذاكرة في رواية “حلم أمكنة” للحبيب ناصري

أمين اضريف *

تستنطق رواية “حلم أمكنة” للحبيب ناصري التاريخ المنسي لمدينة وادي زم، عبر استحضار أحداث تنبش في رمز من رموز المقاومة الشعبية الوادزامية، وهي شخصية “بحار بن داود الغزواني بن دريس” التي تم نسيانـها وتهميش تاريخها في الوثائق الرسمية، واستحضرها الكاتب في هذه الرواية من خلال المورث الفني الشعبي المتجلي في المرويات الشعبية التي صيغَت منها قصائد تغنت بها العيطة وعبيدات الرما.. لتوثق بذلك بطولات هذه الشخصية لحفظ ذاكرتـها ومقاومة نسيانها.

ولإبراز علاقة النسيان بالذاكرة والتاريخ والثقافة والهوية.. وكيفية اشتغاله وإعادة بنائه للذاكرة والتاريخ.. داخل هذه الرواية، استندنا إلى السيميائيات الثقافية من خلال مفاهيم مثل: الفضاء، والمركز والهامش، والحدود.. مع الانفتاح على جهود بول ريكور وخاصة كتابه: الذاكرة والتاريخ والنسيان. ولبلوغ هذه الأهداف قسمنا ورقتنا إلى محورين عنونا الأول بـ: الفن الشعبي أفقا لحفظ الذاكرة وتوثيق التاريخ، والثاني بـ: النسيان والبناء السيميائي للذاكرة، وختمناهما بتركيب.

المحور الأول: الفن الشعبي أفقا لحفظ الذاكرة وتوثيق التاريخ

وردت في الرواية قصائد تغنت بها العيطة توثق تاريخا منسيا حول شخصية المقاوم الشعبي بنداود بمدينة وادي زم، وهذه القصائد وردت داخل الرواية في سياق جمع/قراءة الشرقي-بطل الرواية- “ما كتبه عن المقاوم الشعبي بنداود، بطل من أبطال المقاومة الشعبية بوادي زم والذي وهب حياته لوطنه:

دويده وحدو قتل ميات عدو

دويده شد القنوت اللي داز يموت

دويده في الحبس يا قلوب الضس

دويده ولد الحلال مات فالمحال

ندبو يا العيلات راه دويدة مات

رحمو بنداود مات مجاهد”)الرواية 113 114)

توثق هذه الأبيات أحداثا تاريخية تتعلق بالمقاومة الشعبية بمدينة وادي زم وقبائلها، هذه الأحداث تم تهميشها ونسيانها كما تم نسيان أبطالها وشهدائها.. وخاصة شهداء ثورة 20 غشت 1955 التي شكلت بداية انتفاضة شعبية ضد الاحتلال الفرنسي التي تغنّت بها المنطقة في ثراثها الفني الشعبي في أشكال تعبيرية فنية، مثل: العيطة وعبيدات الرما، والحلقة…، وهذه الأحداث التاريخية شكلت عنصرا من عناصر رسم حدود ذاكرة وتاريخ منطقة وادي زم.

وفي نقاش الشرقي مع صديقه حول كتابة التاريخ ردّ عليه صديقه “كتابة التاريخ من أعقد الكتابات!. نبهه الشرقي إلى كتابات لم توضع أصلا لكتابة التاريخ، لكن من الممكن ومن خلالها، أن نطل عما يجرى في الحقبة المرغوب فيها. الرما والعيطة، مصدران نوعيان لتوثيق جزء من الذاكرة.” (الرواية 113) لأن العديد من الأغاني الشعبية مثل الرما والعيطة، توثق بعض الأحداث التاريخية التي لم تُشر إليها الوثائق التاريخية الرسمية.

من داخل الرواية يؤكد الكاتب أن التاريخ عنصر مركزي من عناصر ترسيخ الهوية الثقافية، وتعزيز الانتماء للأرض، فهو سجل يوثق ماضي الجماعة والحافظ لذاكرتها وديوان مفاخرها، ويسهم في توحيد جماعة معينة يجمع بين أفرادها ماضٍ مشترك. وعلى هذا الأساس يشكل تاريخ الجماعة عنصرا من عناصر تحديد هويتها.

فهوية الجماعة تتجذر في تاريخها، ويتجلى هذا التاريخ في صيغ مكتوبة كما قد يتجلى في تقاليد الجماعة وأساطيرها وحكايتها. وينطوي على الأحداث الفرعية والجمعية وعلى صورة أبطالها التاريخيين، كما يشتمل على صورة الحياة السياسية للجماعة وآثارها.)ميكشيللي(23  وقد تجلى ذلك في الرواية في حوار الشرقي مع صديقه الذي أُعجب بما قاله “عن بنداود المقاوم!. …  كان هو منطلق النقاش تلك الليلة. تساءل الشرقي لماذا لم يكتب تاريخ مثل هذه المدينة وبواديها المجاورة؟.” (الرواية 113) فتساؤل الشرقي حول توثيق ماضي مدينة وادي زم، هو دعوة إلى حفظ هويتها الثقافية وتاريخها المنسي، وبالتالي فإن سرد هذه الأحداث المغيبة، تؤسس لعالم روائي تتقاطع فيه البنيات الجمالية بالنسيان والذاكرة والتاريخ..

المحور الثاني: النسيان والبناء السيميائي للذاكرة

تنطلق السيميائيات الثقافية من التعامل مع الأشكال التواصلية كظواهر ثقافية، ومن هذا المنطلق سنتعامل مع القصائد التي تغنت بها العيطة وعبيدات الرما في مدينة وادي زم، كأشكال تواصلية ثقافية تؤسس لحفظ ذاكرة هذه المدينة من النسيان، إلى جانب إبراز معالم الحدود بين المركز والهامش، والعلاقة التفاعلية بينهما لإعادة تمثّل وتمثيل تاريخ مدينة وادي زم انطلاقا من مفهوم النسيان في علاقته بالذاكرة الموثقة في المرويات الشعبية التي تغنت بها العيطة وعبيدات الرما داخل الرواية المدروسة، فأغاني العيطة وعبيدات الرما أسست لذاكرة تناضل ضد النسيان، لأن غاية الذاكرة هي مقاومة النسيان، وهو ما يؤكده بول ريكور بأن “من كبرى غايات فعل الذاكرة وهي النضال ضد النسيان”(ريكور67) ومن هذا المنطلق فإن رواية “حلم أمكنة” تؤسس لبناء سيميائي للذاكرة لمقاومة النسيان انطلاقا من المقومات الثقافية التي تزخر بها المنطقة.

إن الثقافة “في مفهومها السيميائي الواسع، نظام من العلاقات بين العالم والإنسان (باعتباره كائنا اجتماعيا) هذا النظام ينظم سلوك الإنسان من ناحية، ويحدد الطريقة التي يهيكل بها العالم من ناحية أخرى” (بوزيدة 186) بصورة تجعله قادرا على ترجمة أنشطته وتنظيمها في أشكال الدلالية، لفهمها وتفسيرها.. وتعميم نتائجها. من خلال “خلق وضعيات جديدة يستطيع من خلالها الفرد بناء عالمه بصورة تجعله قادرا على فهم تجربتها وتعميمها وتأويلها وتنظيمها في أشكال وصيغ قابلة التحقق”(بريمي 225) وتأويل كل العلامات التي يترجم بها الإنسان أنشطته.

بهذا المعنى فالثقافة ذاكرة جماعية طويلة الأمد، وتمثل شخصية بنداود داخل الرواية المدروسة رمزا ثقافيا أسهمت العيطة وعبيدات الرما.. في جعله رمزا وعلامة حية داخل النسق الثقافي، ومقاومة نسيانه عبر ما يمكن تسميته بذاكرة النسيان، لأن تهميش هذه الشخصية في الوثائق التاريخية الرسمية هو نسيان واعٍ، لأنه لا “يمكننا الحديث عن النسيان إن لم يكن تحت إمارة النسيان كما تسمح بذلك وتؤكده عودة الشيء المنسي والتعرف إليه؟ وإلا فإننا لن نعرف أننا نسينا.”(ريكور67) ومن هذا المنطلق: فإن النسيان فعل واعٍ، وإلّا فكيف نعرف أننا نسينا.

انطلاقا من الوقوف عند الأبيات أعلاه، فإن التقابل بين النسيان والذاكرة يحيلنا إلى مفهومين أساسين في السيميائيات الثقافية، وهما مفهوما المركز والهامش، فالاستعمار الفرنسي يمثل المركز من خلال مقومات القوة العسكرية والهيمنة والسلطة.. والمقاومون يمثلون الهامش لأنهم أناس بسطاء وتابعون.. ونجد المقاوم بنداود الذي خلق دينامية في ثنائية المركز والهامش، يعيد رسم الحدود ويقوم بخلخلة مركزية المستعمر، من خلال الانتفاضة التي قام بها رفقة أهالي مدينة وادي زم وقبائلها.

فبنداود لم يحمي حدود الفضاء الجغرافي فقط، بل حمى حتى حدود الفضاء الثقافي الذي يمثل اللغة والدين والقيم.. في مقابل الفضاء اللاثقافي، ومن هنا فإن هذه الأنظمة الثقافية تحيلنا إلى “وقائع أخرى تنتمي إلى التاريخ والتجربة والنشاط الإنساني الذي يقع خارج تلك المنطقة. فيصبح مفهوم الثقافة هكذا مرتبطا ارتباطا وثيقا بالمفهوم المقابل له، وهو مفهوم اللاثقافة. هذا التصنيف (ثقافة – لاثقافة) إنما يتم من وجهة نظر ثقافة ما. كما يتم، في إطار الحركة نفسها، إضفاء صفة الإطلاق على ذلك التعارض، فتصبح الثقافة لا تحتاج إلى ما يوجد خارجها، ويصبح بالإمكان فهمها بصورة محايثة”(بوزيدة 187) فالمقاومة الشعبية التي قادها بنداود، هي مقاومة لحماية الحدود الثقافة أي الحدود الرمزية للهوية التي يطمح المستعمر إلى محوها وفرض حدود مغايرة لها، لبسط هيمنته على الفضاءين الجغرافي والثقافي لمدينة وادي زم والمغرب بصفة عامة.

وعلى سبيل الختم والتركيب، فإن وقوفنا عند علاقة النسيان بالذاكرة والتاريخ والثقافة والهوية.. داخل رواية “حلم أمكنة” من منظور السيميائيات الثقافية، جعلنا نخلص إلى أن هذه الرواية تؤسس لبناء سيميائي ثقافي للذاكرة للنضال ضد النسيان، انطلاقا من المقومات الثقافية التي تزخر بها مدينة وادي زم.

فعبر آليات التخييل التاريخي أعاد الكاتب بناء صورة شخصية بنداود المقاومة، لحفظ رمز من رموز الذاكرة الجماعية لمدينة وادي زم من جهة، وتوثيق الموروث الفني الشعبي من جهة أخرى، وبذلك تغدو هذه الرواية أداة توثيقية تعمل على الاطلاع بوظيفة توثيق فنّ ووقائع وأحداث وشخصيات.. منسية.

فرواية “حلم أمكنة” أعادت مساءلة التاريخ انطلاقا من الذاكرة الجماعية لمدينة وادي زم، من خلال الموروث الفني الشعبي لمحاربة النسيان، وهو ما عبّر عنه بول ريكور كما ذكرنا: أن من أهم غايات فعل الذاكرة وهي النضال ضد النسيان، ومن هنا تغذو رواية “حلم أمكنة” سردا وبناء سيميائيا للذاكرة لمقاومة النسيان.

المراجع المعتمدة

  • الحبيب ناصري. حلم أمكنة. طنجة: دار سليكي أخوين، 2025.
  • أليكس ميكشيللي. الهوية. ترجمة علي وطفة، دمشق: دار الوسيم، 1993.
  • بول ريكور. الذاكرة، التاريخ، النسيان. ترجمة وتقديم وتعليق جورج زيناتي. بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة، 2009.
  • عبد القادر بوزيدة. يوري لوتمان مدرسة تارتو-موسكو، وسيميائية الثقافة والنظم الدالة. عالم الفكر. المجلد35، العدد 3، 2007، ص ص: 183 200.
  • عبد الله بريمي. السيميائيات الثقافية: مفاهيمها آليات اشتغالها، المدخل إلى نظرية يوري لوتمان السيميائية. عمان: دار كنوز المعرفة للنشر والتوزيع، 2018.

باحث في الدكتوراه من المغرب.

الدراسات الأدبية واللسانية والثقافية

جامعة السلطان مولاي سليمان – بني ملال 

عن madarate

شاهد أيضاً

 رحلة الضوء في مسيرة الفنان مهند الشاوي

box type=”shadow” align=”aligncenter” class=”” width=””] رحلة الضوء في مسيرة الفنان مهند الشاوي[/box]  رحلة الضوء في …

اترك تعليقاً