سيمياء الجسد واغتراب الذات: قراءة دراماتورجية في مسرحية “هم” لأسماء هوري

محمد الزنجلي *
مقدمة:
إن المسرح المعاصر في تجلياته الطليعية الراهنة، لا ينفك يتبدى بوصفه بوتقة إبستيمولوجية ومختبراً أنطولوجياً بامتياز؛ من حيث إنه ينبري، عبر أدواته التحليلية النافذة، لتشريح المأزق الإنساني في أبعاده السديمية المعقدة، فيتجاوز بذلك الأطر التقليدية للمحاكاة نحو آفاق تتوخى مساءلة الجوهر. وتأسيساً على هذا المنظور تغدو الخشبة فضاء يعيد صياغة الوجود عبر استراتيجيات جمالية وفلسفية راديكالية تهدف بالأساس إلى تفكيك البنى الهوياتية، واستنطاق المسكوت عنه في الكينونة البشرية.
ومما لا ريب فيه، أن هذه الممارسة الدرامية المعاصرة تقوم على تحويل التجريدات الميتافيزيقية الصرفة إلى تجارب وجودية عيانية نابضة تتماهى فيها الذات الفردية مع السياقات السوسيو-اجتماعية/سياسية في جدلية محتدمة؛ الأمر الذي يؤصل لرؤية فنية تعمل على سبر أغوار الأزمات المعاصرة. ومن ثَمَّ، يتحول المسرح من كونه مجرد عرض فرجوي إلى فعل معرفي نقدي يربط بين الوعي الذاتي والواقع الموضوعي، مشكلاً بذلك أفقاً تجريبياً يرتاد مناطق القلق الوجودي ويصوغها في قوالب إبداعية تتسم بالكثافة الدلالية والعمق الفلسفي.
وتبعاً لذلك يمكن عدّ العرض المسرحي “هم” لفرقة “مسرح أنفاس” نموذجاً متفرداً في المشهد الدرامي، حيث استطاعت المخرجة “أسماء هوري” تأسيس أطر فنية مبتكرة تنهل من العمق الفلسفي وتعتمد أدوات تعبيرية مكثفة لاستنطاق الأبعاد الجمالية للصراع الإنساني. وتتجسد براعة الرؤية الإخراجية في هذا العمل من خلال تحويل النص إلى لغة مشهدية بصرية تتجاوز الأنساق التقليدية، مما يؤكد أصالة التجربة المسرحية وقدرتها على صياغة هوية فنية مستقلة تعبر بصدق عن تطلعات الإنسان نحو الانعتاق والحرية.
وتجسيداً لهذا المسعى تتوخى هذه المقاربة النقدية استنطاق الأبعاد الفلسفية والجمالية للعرض، وذلك بتسليط الضوء على جدلية الصراع المحتدم بين الذات والآخر، ومساعي الانعتاق من قيود الهوية المستلبة التي تفرضها شروط الراهن. وعبر اعتماد منهجية تحليلية تفكيكية ترصد الورقة تمفصلات هذا المأزق الوجودي بدءاً من إشكالية الخرس الإبداعي والاستلاب اللغوي، مروراً بحالة الشلل الجسدي وانغلاق قنوات التواصل البيني، وصولاً إلى تبني “فلسفة التعفن” من حيث إنها خيار للخلاص العدمي. كما يتناول التحليل براعة التشكيل الجمالي والرؤية الإخراجية التي نجحت في ترجمة هذه التراجيديا المعاصرة إلى لغة مشهدية وفيزيائية بالغة التكثيف والدلالة، محولة المفاهيم الفلسفية المجردة إلى تجربة بصرية وحركية تلامس جوهر الاغتراب الإنساني.

1- التفكيك الوجودي وأزمة الهوية في مسرحية “هم”:
تستهل المسرحية حبكتها بفعل تمردي راديكالي يتمثل في سعي البطل [1] نحو التحرر من ملامح هويته التقليدية التي تمثل اسمه وملابسه، وذلك في محاولة رمزية للتعرية الوجودية والانعتاق من الأطر السوسيو-ثقافية المفروضة عليه قسراً. ويتمظهر الصراع الدرامي في العرض من خلال اكتشاف البطل حالة الاستلاب المطلق التي تحاصره؛ إذ يدرك أن فضاءه المادي والرمزي، بدءاً من المحيط المكاني وصولاً إلى اللغة واللباس، ليس إلا امتداداً لهيمنة “الآخر” وممتلكاته. وتصل هذه الغربة إلى ذروتها في المشهد الرمزي للمرآة، التي تعجز عن عكس ملامح البطل المتفردة، لتظهر بدلاً منها شظايا لوجوه عابرة، ما يكرس فكرة اضمحلال الكينونة الفردية وتحولها إلى مجرد صدى لهويات غريبة ومستلبة.
وأمام هذا المحو القسري للذات تنبثق رغبة ملحة في التحرر التام، تتجسد في السعي نحو حالة من الانكفاء الذاتي الخالص أو ما يمكن وصفه بـ”الذات في ذاتها”. ويهدف هذا الانعزال إلى التخلص من التراكمات الخارجية والتحرر من أعباء الماضي، سعياً وراء تشكيل كينونة جديدة ومستقلة، تبدأ من نقطة الصفر كـ”ماهية أخرى” متخففة من إرث الآخرين وقيودهم.
2- الخرس الإبداعي واستلاب اللغة:
وتتجاوز أزمة البطل في هذا الأفق الدرامي أبعادها المادية والجسدية لتنفذ إلى جوهر العملية التعبيرية متمثلة في حالة حادة من “الخرس الإبداعي” الذي يعقب تخليه عن هويته السابقة. ويتمظهر هذا المأزق الوجودي في مواجهة “فراغ يرن” وخواء داخلي موحش، حيث تتحول “الورقة البيضاء” من فضاء للاحتمالات إلى رمز للعجز المطلق عن صياغة المعنى. إن الكلمات في وعي البطل لم تعد أدوات للتحرر، ولكنها استمالت لتصبح قوالب نمطية مبتذلة وهويات مستعارة تثقل كاهله كـ”الثياب المحرقة”، ما يعكس انفصاماً حاداً بين الذات وأدوات بيانها.
وفي إطار هذا الصراع، ينتقل فعل الكتابة من كونه ممارسة ذهنية إلى استنزاف بيولوجي مضنٍ يتماهى فيه الحبر بالدم والورق بالجسد؛ إذ يشعر البطل أن كل محاولة للتدوين أو المحو هي اقتطاع مؤلم من كينونته المادية. إن هذا العجز اللغوي لا يقتصر على الصعيد الفني فحسب، ولكنه يكرس قطيعة أنطولوجية مع العالم محولاً الصمت من حالة سكون إلى قوة تدميرية تنهش الوجود فيما يشبه “حشرات الصمت”. ورغم هذا التآكل المستمر تظهر محاولاته المستميتة للتشبث بـ”حبل صوته” بوصفها أداة المقاومة الأخيرة وسعياً نهائياً للنجاة من التلاشي في غيابات العدم.
3- الشلل الجسدي وانغلاق منافذ التواصل:
تتجلى الأزمة الوجودية في العرض المسرحي “هم” عبر مسار بيولوجي تراجعي يتدرج من العجز الإرادي وصولاً إلى الشلل الكلي، حيث تُحظر “الرسالة العالقة” تحت عتبة الباب باعتبارها أيقونة بصرية مركزية ومحفزاً درامياً يكشف عن ملامح هذا العجز. ذلك أنه في اللحظة التي يتردد فيها الصوت المختنق لـ”ساعي البريد”، يواجه البطل خذلان أطرافه التي تأبى الاستجابة ليتحول كيانه إلى مجرد عينين تراقبان تلك الرسالة القابعة في منطقة “بينية” تفصل بين الداخل والخارج، ما يجسد حالة الانفصال الحاد بين الإرادة والقدرة الفعلية على الفعل.
وتتصاعد هذه الحالة لتبلغ مستويات من التشويه الجسدي، حيث تتصلب الأصابع وتستحيل إلى ما يشبه “السكاكين الحادة” بلون “الطين المتسخ”، وهو ما يولد لدى الشخصية رعباً من فعل “المصافحة”؛ إدراكاً منه لتحول جسده إلى أداة منفرة ومعادية للذات والآخر على حد سواء. ويمتد هذا الشلل الذي يوصف بـ”الطامة الكبرى”، ليهيمن على الجسد تدريجياً من الكتف نزولاً إلى الأطراف في عملية استلاب بيولوجي تجرد الكائن من فاعليته الحركية وتدفعه نحو العزلة المطلقة.
وتصل هذه التراجيديا الجسدية إلى ذروتها في المشهد الختامي الذي يصور “رأساً بلا لسان”، ذلك أن الوعي يغدو سجيناً داخل كتلة لحمية صامتة ومختنقة. إن هذا التحول يمثل الانقطاع التام عن العالم الخارجي، إذ يختفي التعبير وتتحول الذات إلى سجن بيولوجي يفتقر إلى أدوات التواصل، وهو ما يكرس مفهوم الاغتراب الوجودي في أقصى صور تجليه المأساوية، حيث يظل الوعي متيقظاً لكنه عاجز عن الإفصاح أو الحركة.
4- فلسفة «التعفن» وحتمية التطهير العدمي:
يعكس هذا المشهد المفصلي تحولاً جذرياً في الخطاب الدرامي، ذلك أن البطل ينزاح عن التوقعات المجتمعية الرامية إلى استشراف حلول لـ”إنقاذ الفضاء”، ليطرح بدلاً من ذلك رؤية فلسفية مغرقة في العدمية وَسَمَها بـ”فلسفة التعفن”. إن هذه الرؤية تعكس تصوراً أنطولوجياً يرى الوجود بأسره، بمادته وحقائقه وزمنه، سيرورة حتمية تتجه نحو اضمحلال كلي واصفاً المآل النهائي للكون بأنه “مستودع عظيم للنفايات”، وهو ما يمثل تقويضاً جذرياً لفكرة الخلود أو القيمة الميتافيزيقية للأشياء.
ومن خلال هذا الطرح، يعمد البطل إلى زلزلة القناعات الراسخة لدى جمهوره مستخدماً تساؤلات استنكارية تشكك في جدوى الكفاح الإنساني ومعنى الكرامة البشرية، التي يراها تتبدد في نهاية المطاف لتستحيل إلى مجرد بقايا مهملة لا قيمة لها. وتتجاوز هذه الرؤية التنظير الذهني المجرد، فتمتد لتشمل استجابة حسية وفيزيولوجية مفرطة تجاه المحيط، إذ يغدو مشهد عابر لقطة بجوار صندوق قمامة محفزاً لارتعاش يسري في كيانه، ما يؤكد تماهيه التام مع حالة التحلل الكوني وانغماسه في تفاصيل الفناء المادي.
وفي ظل غياب أي أفق لـ”نهاية سعيدة” أو خلاص تقليدي يخلص البطل إلى طرح بديل راديكالي يتمثل في “النار” باعتبارها قوة تطهيرية كونية وحيدة. ذلك أن الحريق في هذا السياق، بالإضافة إلى كونه أداة تدمير، يغدو وسيلة قادرة على غسل العالم من أدران “مزبلته” في نزوع واضح نحو الفناء الكلي الذي يسبق أي إمكانية لبعث جديد، الأمر الذي يكرس سيادة العدم كحقيقة نهائية ومطلقة تتجاوز كل محاولات الإصلاح البشري.
5- الرؤية الإخراجية والتشكيل الجمالي:
لقد تجلت براعة المخرجة “أسماء هوري” في قدرتها الفائقة على تطويع الكثافة الفلسفية وتحويلها إلى لغة مشهدية بصرية وحركية منضبطة تنتمي إلى سياق “المسرح الفيزيائي”، حيث ارتكز هذا الطرح الإخراجي على أداء مونودرامي اتسم بالتكثيف الداخلي العميق، ليكون بمثابة تجسيد حي لحالة الشلل التدريجي التي تعتري الكيان الإنساني؛ ذلك أن البطل يصف بدقة تحولات جسده (ارتعاش العمود الفقري، تشنج الأصابع، رقص اليد)، وهو ما يحول الأزمة الوجودية إلى فعل جسدي ملموس أمام الجمهور، وقد تطلب تجسيد هذا الدور قدرة عالية على التعبير عن الشلل التدريجي؛ حيث يتحول الممثل من حالة الخفة والتعري إلى حالة التصلب التام، معتمداً على تعبيرات العينين والوجه في اللحظات الأخيرة بعد فقدان القدرة على تحريك الأطراف أو استخدام اللسان.
ورغم بساطة العناصر المؤثثة لفضاء الخشبة إلا أن المكان يتشكل من خلال كلمات البطل؛ الباب الذي تمر من تحته الرسائل، والطاولة التي يوضع عليها الخبز ولا يستطيع لمسه، والمرآة التي يرى فيها وجوه الغرباء بدلاً من وجهه… وقد وظفت الرؤية السينوغرافية جدلية التضاد بين “الخواء الذاتي” للبطل و”الامتلاء المستفز” للمحيط الخارجي، مما استحال معه الفراغ المسرحي إلى قوة ضاغطة تمارس حصاراً على الشخصية، وتنزع عنها أي قدرة على الفعل؛ فالبطل يشعر بالتهديد من “امتلاء” العالم الخارجي مقابل خلوّ مكانه الخاص.
وتعميقاً لهذا الاختناق الوجودي، عمدت المخرجة إلى استراتيجية التعتيم والانزواء في غياهب العتمة، بالتوازي مع هندسة صوتية دقيقة تلعب فيها الصرخة دوراً بنيوياً؛ فهي “حبل الصوت” الذي يتمسك به البطل للنجاة من “حشرات الصمت” التي تنهشه. بالإضافة إلى استخدام الأصوات المختنقة، مثل: “صوت ساعي البريد” الذي يعزز شعور الوحشة والقطيعة. هذا وقد جنحت المخرجة إلى استثمار إيقاع التكرار اللفظي لبعض العبارات المحورية مثل: “ماذا سأقول”، “انتظر”، “قررت”، لتوليد حالة من التوتر السمعي الذي يعكس الاضطراب النفسي والمراوحة في المكان.
وقد تضافرت هذه العناصر مع دلالات رمزية وتعبيرية أخرى، تمثلت في انصهار الأعضاء وتحولات ألوان الجسد، فضلاً عن التوظيف السيميائي للمرآة والورقة البيضاء، حيث تمثل الرسالة التي بقي نصفها في الداخل ونصفها في الخارج أيقونة بصرية تعبر عن وضعية البطل العالق بين الرغبة في التحرر وعجزه الجسدي عن الفعل، لتشكل في مجموعها فضاء درامياً معادياً للإنسان. وينتهي هذا المسار الدرامي بتحويل صرخة التحرر المعاصرة من أفقها التحرري إلى استسلام قدري حتمي لسطوة “النوم” أو العدمية، وذلك في ظل جسد متصلب وعالم آيل للتعفن والتحلل.
خاتمة:
يفضي هذا التحليل إلى اعتبار العرض المسرحي “هم” علامة فارقة في مسار المسرح المغربي المعاصر، وذلك لما يمتلكه من قدرة فائقة على صهر الأبعاد الفلسفية العميقة في قوالب تشكيلية وجمالية مبتكرة. وقد تجلى هذا التميز في الرؤية الإخراجية المتكاملة التي صاغتها المخرجة أسماء هوري، حيث نجحت في تحويل تيمة “الاغتراب” من حالة شعورية سلبية إلى فعل إبداعي خلاق، مكرسة بذلك دور الفن المسرحي باعتباره أداة نقدية قادرة على سبر أغوار المسكوت عنه وتفكيك المعضلات الوجودية بجرأة فنية لافتة.
وبناءً على ذلك، يرسخ هذا العمل مفهوم المسرح بوصفه قوة تغييرية فاعلة تتجاوز حدود الفرجة لتساهم في إعادة تشكيل الوعي الإنساني؛ فهو لا يكتفي بتقديم قراءة فنية للواقع، بقدر ما يعمل على تعميق الإدراك بالذات وبالآخر ضمن سياقات عالمية تزداد تعقيداً وتشابكاً، ما يجعل من العرض تجربة معرفية وجمالية تعيد الاعتبار لوظيفة المسرح التنويرية في العصر الراهن.
[1]– تتمظهر الرؤية الإخراجية الواعية لدى أسماء هوري من خلال تبني استراتيجية جمالية تقوم على تفتيت وحدة الشخصية المركزية، وذلك عبر شطر بطل المسرحية إلى أربعة تجليات صوتية يجسدها ممثلان وممثلتان. وتعتمد هذه الرؤية على آلية التناوب السردي في استعراض الوقائع، مع الانتقال بمرونة نحو الأداء الجماعي الذي يصهر تلك الأصوات في بوتقة واحدة في لحظات درامية فارقة. وإذا كان هذا التعدد الصوتي يهدف إلى إثراء البنية السردية للعرض، فإنه يسعى بدرجة أولى إلى تعميق إدراك المتلقي بشمولية التجربة الإنسانية المصورة؛ حيث تتحول المأساة من حيزها الفردي الضيق إلى أفق جماعي رحب. وبذلك، ينجح العرض في تجسيد المعاناة بوصفها ظاهرة سوسيولوجية مشتركة تتقاسمها مختلف أطياف المجتمع، متجاوزة حدود الذات لتصبح انعكاساً لواقع إنساني أعم وأشمل.
ناقد من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي