في السفر بين المبنى والمعنى

حسن إمامي*
رحلة المعاني سفر يتوخى صاحبه تتبع ذلك التحول من المبنى إلى المعنى، ذلك الانتقال من المجسد إلى المجرد. سيكون المجسد هو الحرف والمبنى الذي يشكل الكلمة والعبارة والجملة والفقرة وما يلي كل هذا فصلا ودراسة وكتابا. ولا ننسى أن هذا المبنى ليس مادة جامدة كحبر مخطوط فوق بياض ورقة، أو كنقش محفور على جذع شجرة. المبنى تشكّل فكرة قبل أن يرسم، وقبل ذلك اشتغل خلية وخلايا، وتفاعل حياة وتجربة وتواصلاً وانطرح محاولة، قبل أن يُعبَّر عنه تعبيرا. المبنى حياة قبل الحياة. رحلة برزخية بين حيوات، وتموضع متجدد في ثناياها.
لن تكون الرحلة – السفر مجرد عملية بسيطة، ذلك أنها سترصد التشكلات والتغيرات التي ستقع في تطور الأفكار والثقافات. هي رحلة تؤمن بأن الكلمة أصوات وحروف منطوقة ومكتوبة. وربما هي منطوقة قبل أن تصبح مكتوبة. لكن عملية التحول إلى المكتوب ستعطي شخصية جديدة للمبنى الذي أصبح منظما داخل لغة منسوجة ومرتبة لها قواعد وأنساق ومناهج تنزيل.
كل صفحة من كتاب ستعتبر بنية تحتية لدلالات لا متناهية ما دامت تعرف قراءات وتحليلات وتأويلات وتفسيرات عدة. سنجعل لها تشبيها لمشتل زهور تنطلق منه الفراشات وتتطاير وترسم بألوانها زخرفات فتشكّل لوحاتها بساط السماوات.
هو تشبيه ضروري ما دامت جل الاشتغالات السردية سواء كانت دينية أو ثقافية فكرية أو أكاديمية أو إبداعية، قد وظفت آلية التشبيه والتمثيل لتقريب المعنى وتفسير المراد واختراق دلالات أعمق من التي هي ظاهرة. هكذا نجد أن النص الديني وظف آليات البلاغة والتشبيه في مواضع ومواضيع عدة: (مثل نوره كمشكاة فيها مصباح، المصباح في زجاجة، الزجاجة كأنها كوكب دري يوقَد من شجرة مباركة…[1])، اعتُبِرت هذه الآية سر الوجود والوصف للذات الإلهية.
كما نجد التحليل النفسي مع سيغموند فرويد مثلا، قد استعان بتشبيهات عديدة لاختراق دواخل النفس وطبقاتها المعتمة، فكانت التشبيهات مثل تلك المرايا التي تعكس النور الخارجي لكي تضيء الدواخل وتكشف أسرارها. حتى إن التعاريف والتحديدات وأنواع التأطير والتنمية استعانت بوصفات أساطير وألقاب ابطالها التاريخيين مثلا. هكذا يشبه فرويد بانتظام، الجهاز النفسي بميكروسكوب، ذي تعقيد خاص أو بمنظار مقرب (تلسكوب) ذي نقط نموذجية أو ضمنية… وستكون الحياة النفسية متراتبة مثل روما الخالدة، المكونة من بقايا معمارية متوالية ومتراصة… صمود كل المراحل السابقة داخل المرحلة الختامية[2].
أما سياقنا الذي أردناه هنا والذي هو مرتبط بما عرضناه كعناصر وأفكار، فهو الحديث عن عملية الإبداع وعملية التلقي. كشف متجدد مع كل قراءة حول أسرار التفاعل بين المنتوج السردي والتلقي الذي يحصل معه. فأي تشبيه سيساعدنا لكي نلج الفكرة التي نريد التعبير عنها؟ هل كانت وستكون إلهاما وخاطرة أردنا إثارتها دون وعي بها؟
أكيد أن كل كتابة جديدة هي نتاج تفاعل الذات مع ما تلقته سواء كان التلقي جديدا ومباشرا أو تلقيا متراكما طبقات في الذهن وعبر الزمن.
الأرضية كتابة والسماء فضاء مفتوح ستتوزع فيه كل قراءة نجوما متلألئة وأكوانا مشكلة. ستصبح حياة النص حيوات، مع كل قارئ هناك تشكيل جديد واستنتاج جديد.
لم يعد المكتوب مادة جامدة. ولن يكونه دائما. كلما فتِح وقرئ كان له وقع وأثر ووميض ينير العقول ويغير السلوك. خلال قراءتي هذه الأيام لدراسة حول الفيلسوف الفرنسي إدغار موران، وجدتني الآن أضع عناصر تحليله في سياق هذا الاشتغال الآني. هو حديث عن التفاعل بين ما هو بيولوجي وفيزيائي مع ما هو فكري وذهني وثقافي في حياة الإنسان[3]. سيذهب تحليله إلى الأبعاد الدقيقة والجزئية التي يحدثها هذا في الآخر.
سيكون الفيزيائي عندنا كمادةٍ هو الكتاب، وستكون المادة الحية هي الشبكات الذهنية وأدوات الوعي والتعبير الحسية. أما المعاني فهي عصافير مستعدة للتحليق وجَوْب أكوان وزوايا النفس والوعي والوجود والاجتماع والحياة التي هي حيوات. وقد جعلنا التشبيه ناعما هنا علما أن مقابله موجود كذلك. كم من المعاني المحلقة تتحول إلى سهام وقنابل ومتفجرات. تلك جدلية الإنسان ومحنته في الوجود والحياة.
عود على بدء، سيحتاج منا كل ما تمت ملاحظته الإقرار بأن فعل القراءة والتلقي والتفاعل مع الفكر والثقافة والفن، كلها عمليات تحدث تغييرات علينا أن نجعلها في مستوى التطور والتقدم التاريخيين اللذين يخدمان الإنسان والإنسانية، ويتجاوزان كل السلبيات التي يعيش في أوهامها البعض منا. كل هذا حتى يكون السفر إلى المعنى وداخله رحلة الإنسان الوجودية التي عشقها وآمن بها واكتشف بها وغامر من أجلها ومن أجل مجهوله الذي يبحث عنه دائما.
كاتب من المغرب
[1] ـ سورة النور الآية 35
[2] التحليل النفسي ـ بول لوران أسون ـ ترجمة د. محمد سبيلا ـ منشورات ضفاف ع 8.
[3] Edgar Morin, La méthode : la vie de la vie (tome2), Editions du seuil, Paris, 1980
الفكر المركب عند “إدغار موران” من خلال مؤلف المنهج ـ ذ. صلاح الدين قضاوي عباسي
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي