مرسى الروح

فاطمة الديبي*
في صباحٍ شتويٍّ كسته زرقةٌ شاحبة، وقفت (مدى) على شاطئ المهدية. لم يكن المكان مجرد رمالٍ وماء، بل فضاء للبوح الصامت. جلست إلى جوار زوجها؛ شعرت بكتفه يلامس كتفها، كتلة دافئة وثابتة وسط برودة هذا الصباح الموحش. غلّفهما صمتٌ مهيبٌ أغناهما عن الكلام؛ فالصمت هنا ليس غياباً للحديث، بل هو ذروة البيان، حيث كانت الأمواج تتحدث بلغةٍ كونيةٍ قديمة، تروي حكايات البقاء والزوال.
لكن (مدى) شعرت برغبةٍ عارمةٍ في الغوص إلى ما وراء السطح. راقبت موجةً ترتفع بزهو، تنحت في الأفق كتفاً من مياهٍ داكنة. انكسرت. اصطدمت بالصخور الصمّاء، وتلاشت في رذاذٍ أبيض متناثر. ترك الاصطدام أنيناً يمتد مع تراجع الماء ليغسل بقاياها عن وجه الحجر. لم تغادر عيناها مكان الارتطام؛ رأت فيه وجهها المنهك. انقبض قلبها مع كل موجةٍ تندفع نحو المصير ذاته. لماذا نصعد؟ لماذا نرتطم؟ هل هو سباقٌ عبثي؟ هل نحن ـ مثل هذا البحر ـ لا نثبت وجودنا إلا بانكسارنا؟
بدأت تفاصيل الشاطئ تذوب. تحولت الرمال إلى كثبانٍ موحشة، وصارت كلُّ موجةٍ تجسيداً لحلمٍ ارتطم بعقبةٍ غير متوقعة. غابت عن المكان؛ لم تعد تسمع حفيف معطفها، ولا حركة المارّة الذين بدوا كأشباحٍ تطارد دفئاً راحلاً. كادت برودة الشتاء تتسلل إلى شغاف قلبها فتجمّد أفكارها.
تناهى إلى مسمعها صوت احتكاك خشبٍ برمل، أعقبه طنين معدنٍ خفيف. لم تلتفت، لكن رائحةً استثنائيةً اخترقت عبير الملح؛ رائحة البنّ المحمّص الممزوجة بدفءٍ منزليٍّ أليف. فجأة استقرّت يدٌ على كتفها — يدٌ خشنة قليلاً، كانت مأوىً لا يُخطئ. وبين أصابعه برز فنجانٌ خزفيٌّ داكن، يتصاعد منه بخارٌ رقيق يراقص الهواء البارد قبل أن يذوب فيه.
مدّت يدها، فغلّفت حرارة الفنجان كفّيها المرتجفتين، وسرى الدفء في عروقها يسحب ببطء خيوط تجمّدها. وحين قرّبت الفنجان من شفتيها، لم يكن رشف القهوة مجرد تذوقٍ للمرارة، بل كان استعادةً للروح؛ طردت حرارته أشباح البحر، وربطت أنفاسها المضطربة بإيقاع أنفاس زوجها، كأنما كان الفنجان مرساةً نزلت في لُجّة تفكيرها لتقول لها: “أنتِ هنا… والآن.”
نظرت إلى زوجها، فوجدت في عينيه هدوء الشاطئ الذي يرحّب بالموجة بعد عناء الاصطدام. ابتسمت له، وارتشفت القهوة ببطء. في تلك اللحظة بدا البحر أقل صخباً، كأن الموج تعب من الركض نحو الصخور.
دفء الفنجان بين كفّيها كان كافياً ليذيب آخر بقايا العاصفة في داخلها. لم تعد بحاجة إلى الإجابة عن أسئلتها القديمة؛ فقد أدركت أن بعض الرحلات لا تبحث عن نهاية، بل عن مرسى. وكان مرسى روحها، ببساطة، إلى جوارها.
قاصة من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي