إشكالية التوطين في الهايكو العربي المعاصر
حسني التهامي*
تسعى هذه الورقة إلى طرح عددٍ من القضايا بقدرٍ من الصراحة والوضوح، دون مواربة أو رغبة في النيل من تجارب بعينها؛ إذ لا يعنيها سوى المكاشفة النقدية، بعيدًا عن إثارة صراعاتٍ لا طائل منها قد تُبدّد الجهد وتصرف الانتباه عن المقصد الجمالي الذي يتوخّاه أيّ فنّ إبداعي يمتلك قيمة الهايكو وفرادته. وغاية هذا المسعى أن نضع أيدينا على بعض العوارض التي تعيق بلوغ هذا الفنّ مستوى يليق بما ينطوي عليه من جمال وإدهاش، أو تحول دون تشكّل رؤية جمالية قادرة على ترسيخ تجربة حقيقية تُضاف إلى المكتبة العربية. فحين نعرض للأسباب التي مثّلت عائقًا أمام توطين الهايكو عربيًا، ونسعى إلى مقاربة تلك الإشكالات والبحث عن حلول لها، يمكن عندئذٍ أن تتشكّل ملامح هايكو عربي فريد، يستمدّ خصائصه وجمالياته من تفاصيل البيئة العربية، ومن علاقتها الخاصة بالإنسان الذي يحيا في فضائها ويتفاعل مع يوميّاتها وتحولاتها الدقيقة.
لقد عرف العالم العربي فنّ الهايكو في النصف الثاني من القرن العشرين، وهذا التأخر في استيعاب هذه التجربة وخوض غمارها نتيجة عوامل عدة؛ منها ما هو ثقافي، ومنها أيضًا ما يتصل بإشكالات الترجمة وآليات التلقي. يتمثل العامل الثقافي في وجود هوّة واسعة واختلاف عميق بين الثقافتين العربية واليابانية. فقد ظلّ الشعر العربي، عبر مراحل طويلة، أسير الأشكال التقليدية المرتبطة بالتراث، ولا سيّما إذا نظرنا إلى مساره التاريخي منذ نشأته الأولى القائمة على وحدة البيت، والبلاغة، وجزالة اللفظ، والإيقاع الموسيقي، مع غلبة النزعة الخطابية التي تهدف إلى التأثير المباشر في المتلقي. كما تأثر هذا الشعر بفترات طويلة من الضعف والركود، بدأت منذ القرن الثالث عشر الميلادي، عقب سقوط بغداد، واستمرت إلى المرحلة التي ظهرت فيها مدرسة الإحياء والبعث في أواخر القرن التاسع عشر.
لقد أعادت مدرسة الإحياء والبعث الشعرَ العربي إلى جذوره الأولى، بوصفها ذروة الهرم الشعري والمثال الأعلى الذي ينبغي الاحتذاء به. وقد بلغ إعجاب شعرائها بالتراث حدَّ معارضة الروائع الشعرية، فنظموا قصائد تحاكيها في الوزن والقافية والغرض؛ وليس أدلّ على ذلك من معارضة أمير الشعراء أحمد شوقي لقصيدة البردة للإمام البوصيري. ومع ذلك، فقد أضفى شعراء هذه المدرسة على القصيدة روحًا جديدة تنسجم مع التحولات الوطنية والسياسية، مع الحفاظ على صفاء اللغة الشعرية والابتعاد عن التكلّف والجمود.
حاول شعراء هذا التيار، وفي مقدمتهم محمود سامي البارودي وأحمد شوقي وحافظ إبراهيم، إدخال قدر من التجديد على مستوى اللغة والوصف والموضوع، غير أنّ هذا التجديد لم يبلغ حدّ التمرّد الكامل أو القطيعة مع الأشكال السائدة. فقد ظلّ اهتمامهم منصبًّا، إلى حدّ كبير، على الأحداث الكبرى والذات الإنسانية بوصفها محورًا مركزيًا في الشعر العربي منذ نشأته، من دون أن تسترعي انتباههم تفاصيل الحياة اليومية أو المشاهد الكونية الدقيقة. ومن ثمّ، يمكن النظر إلى ما أنجزته مدرسة الإحياء باعتباره خطوة أولى مهّدت الطريق أمام تيارات شعرية لاحقة أكثر جرأة على مستوى الشكل والرؤية واللغة.
بدأت ملامح الحداثة في الظهور على يد شعراء التفعيلة، مثل صلاح عبد الصبور وأحمد عبد المعطي حجازي ونازك الملائكة، إضافة إلى شعراء آخرين مثل نزار قباني وأحمد مطر وغيرهم من الذين اتجهوا إلى كتابة نصوص تعكس اندماجًا أعمق مع تفاصيل الحياة اليومية، ما أكسب لغتهم قدرًا من البساطة والحيوية وجعلها أقرب إلى ذائقة المتلقي العام. كما وفدت إلى الساحة الشعرية العربية قصيدة النثر، نتيجة تأثر جيلٍ من الشعراء الطامحين إلى التجديد بالتيارات الغربية التي حملت رؤى وأشكالًا إبداعية مغايرة. وقد صاحب ظهور هذين التيارين جدلٌ نقدي واسع ومعارك فكرية حادة حول طبيعة الشعر ووظيفته، الأمر الذي أسهم في انشغال الوسط الثقافي بقضايا الشكل والتحول، وحال دون تهيئة مناخ يسمح بتلقي أشكال شعرية شديدة الخصوصية والاختلاف مثل الهايكو.
وربما كان، ولا يزال، من أسباب التأخر في وصول الهايكو إلى العالم العربي أيضًا غياب الوعي النقدي الحقيقي بهذا الفن. فكثير مما كُتب عربيًا تحت مسمى الهايكو لم يكن سوى نصوص قصيرة، أو خواطر مكثفة، أو ومضات لا تلامس خصوصية وجوهر هذا الفن ، الأمر الذي باعد بين هذه التجارب وبين الهايكو في صورته المثالية كما تشكّل تاريخيًا. فالهايكو قد تأسس – منذ بداياته مع باشو تحت مسمى “الهوكو” في القرن السابع عشر وحتى اليوم – على رؤية جمالية مغايرة، انطلقت من فلسفة الزّن التي تحتفي بالبساطة، والاقتصاد اللغوي، والتقاط اللحظة العابرة، إلى جانب الإيحاء والتلميح، والفراغ الدلالي الذي يترك مساحة واسعة لتفاعل القارئ. إنه شعر التفاصيل الهامشية الصغيرة: ضفدع يقفز، ورقة خريف تتساقط، فراشة عالقة، أو زخات مطر على زجاج نافذة. لذا، فقد بدا الهايكو، عند تعرّف الثقافة العربية عليه، وكأنه ينتمي إلى خلفية ثقافية وجمالية مختلفة، لا تكتفي بتغيير الشكل الشعري فحسب، بل تطال جوهر الشعر والرؤية تجاه العالم والوجود.
زهور البرسيم
يتأرجح دون أن تتساقط
حبات الندى
(ماتسو باشو)
ومن تلك الأسباب الجوهرية التي أسهمت في ضبابية المشهد ضعف الترجمة، إذ وصل الهايكو إلى العربية غالبًا عبر لغات وسيطة، بخاصة الإنجليزية والفرنسية، الأمر الذي أفقده كثيرًا من خصوبته وجماله. كما أسهم غياب الوعي العميق لدى بعض المترجمين بالثقافة والبيئة اليابانية والبعد التأملي لفلسفة الزّن الذي تنطلق منه نظرية الهايكو ، في نقله بصورة غير واضحة وأصيلة لا تعكس الروح الجمالية لهذا الفن. فالهايكو ليس مجرد نص مكوّن من ثلاثة أسطر، بل رؤية إبداعية متكاملة، يعتمد على الإدراك الحسي، في نقل اللحظة العابرة. وحين ينقل المترجم عن اليابانية دون وعيٍ بخصوصيتها وحمولتها الثقافية والجمالية، يتلاشى جزء كبير من جوهر التجربة داخل النص..
ومن الظواهر اللافتة في هذا السياق، ادّعاء البعض ريادة هذا الفن، دون أن يكون لهم منجز أو تاريخ متراكم من الكتابة فيه. ففي صيف 2024، تواصل معي أحدهم عبر تقنية “المسنجر”، وأخبرني أنه رائد الهايكو في مصر، على الرغم من أن اسمه لم يكن مألوفًا لديّ، ولم يسبق لي أن اطّلعت على نصوص له ذات حضور نقدي أو جمالي في هذا المجال. وعند مراجعة بعض منشوراته، تبيّن – في حدود ما اطّلعت عليه – أنها لا تنسجم، في الغالب، مع طبيعة الهايكو وخصائصه المتعارف عليها، سواء من حيث التكثيف أو الإيحاء أو بناء اللحظة الشعرية.
ولا يختلف هذا النوع من الادّعاء كثيرًا عن محاولات البعض عزو الريادة إلى الشاعر عز الدين المناصرة، استنادًا إلى نصّ أو نصّين لا علاقة لهما من قريب أو بعيد بجماليات الهايكو. لننظر إلى هذا المثال:
يا باب ديرنا السميك
الهاربون خلف صخرك السميك
افتح لنا نافذة في الروح.
المتأمل في هذا النص يلحظ ابتعاده عن جوهر الهايكو القائم على التقاط اللحظة الجمالية المكثفة؛ إذ يتبدد المشهد بفعل الإغراق في الأنسنة والتكرار غير الضروري، بما يضعف خاصيتي الاختزال والدهشة. كما أن استخدام فعل الأمر في جملة: «افتح لنا نافذة في الروح» — بما تنطوي عليه من لغة مجازية – يؤثر في قدرة الصورة على التمثل في ذهن المتلقي، إذ تتحول القصيدة من لقطة حسية صافية إلى خطاب إنشائي يحفّه التجريد والخيال.
إن انصراف المناصرة عن الهايكو لا ينتقص من مكانته في عالم الشعر؛ إذ كرّس معظم كتاباته لفن «التوقيعة»، ورأى في هذا الشكل المختزل خيارًا جماليًا أكثر اتساقًا مع مشروعه الإبداعي. وقد احتفى بهذا الفن في منتديات عديدة إلى جانب مجايليه من شعراء التفعيلة، مبتعدًا عن حقل الهايكو، من دون أن ينسب إلى نفسه أيّة نوع من الريادة.
وتجاوز الأمر موضوع الريادة إلى مسألة المسمى البديل للهايكو. فقد ذهب البعض إلى تسميته بغير مسمّاه. بيد أن تلك المسميات التي سمعنا بها كالـ “هكيدة” و”التصويرة” لا تنطلي على هذا الفن، ولا تعبّر بدقّة عن خصوصيته الفنية، و تعجز عن الإحاطة بما يمتلكه هذا الفن من عبقرية واختلاف. فالهايكو أبعد ما يكون عن مجرّد قصيدة عربية، كما لا يمكن إدراجه ضمن أطر الشعر المنثور. وهذا الخلط في التسمية ليس إلا نتيجة لغياب الوعي بالثقافة التي أنتجت هذا الفن. ولعلّ من الغرابة أيضا أن نعود قرابة قرن من الزمان إلى الوراء، فنختزل الهايكو في شكل “صورة” على غرار الحركة التصويرية التي سعت، في بداياتها، إلى الاقتراب من روح هذا الفن، غير أنّ محاولاتها، على أهميتها، لم تُفضِ إلى تمثّلٍ حقيقي لجوهر الهايكو. ومع ذلك، أسهم هذا المسعى في إحداث تحوّل ملحوظ في مفاهيم الشعر الأوروبي خلال القرن العشرين، على الرغم مما شابه من اختلافات وتباينات في رؤى مؤسّسي تلك الحركة. ويتجلّى وجه الاختلاف بين موقفهم ونظرتنا إلى الهايكو في أنّهم، منذ البدايات الأولى وحتى تبلور تجربتهم، لم ينتسبوا إلى الهايكو بوصفه جنسًا أدبيًا قائمًا بذاته، بل اكتفوا بكتابات مختزلة وتركوا العنان لأقلامهم في حقل التجريب حتى توصلوا إلى الشكل الذي يتماشى مع ميلهم الشعري وتجربتهم الخاصة.
من الملاحظ أنّ كثيرًا من النصوص المطروحة في منتديات الهايكو الإلكترونية، ومن كتب ورقية في عالمنا العربي ليست سوى استنساخٍ للتجربة اليابانية، أو مجرّد كتابة تأخذ من تلك التجربة هيئة الأسطر الثلاثة، من دون أن تلامس عمقها وجوهرها. ولا يزال بعض الكتّاب يتعاملون مع الهايكو باعتباره مجموعةً من القواعد الجامدة التي يكفي اتّباعها لبلوغ نصّ مكتمل، في ظلّ غياب واضح لمفهوم الإبداع الحقيقي القائم على استيعاب هذه القواعد وتجاوزها. ومن الطبيعي أن ينطلق المبتدئ في عالم الهايكو بالتعرّف إلى قواعده وتقنياته، غير أنّ هذه المعرفة تظلّ مجرّد عتبة أولى، لكنها لن تستطيع أن ترتقي بكتاباته إلى مستوى التحليق والتميز الإبداعي.
على هذا الأساس يمكن القول أن الهايكو ليس في أفضل حالاته، على الرغم من المحاولات الراهنة لتعزيز حضوره داخل فضاءات الساحة الشعرية العربية. صحيح أنّ هناك بعض الإصدارات التي يمكن النظر إليها بوصفها لبناتٍ أولى ومحاولات جادّة لترسيخ الهايكو عربيًا، غير أنّ هذه التجارب، على أهميتها، لم تستطع حتى الآن أن تضع إطارًا جماليًا واضحًا، أو أن ترسم ملامح مشهد متماسك يمتلك خصوصيته ورؤيته الفنية. ويعود ذلك، في جانب منه، إلى التفاوت الكبير في فهم الهايكو ذاته؛ إذ لا يزال البعض يعتبره مجرد نص قصير أو خاطرة مكثفة، في حين أنّ هذا الفن يتطلب وعيًا عميقًا ببنيته الجمالية وفلسفته القائمة على التلميح والاختزال والإدراك الحسي، وعلى تلك الدهشة التي تتولد من المفارقة.
من المهم أن يكون الهايكو العربي انعكاسًا لبيئته، فمن خلالها يستطيع كلّ هايجن أن يكوّن عبقًا خاصًا لكتاباته، ولن يتحقق ذلك إلا عبر انصهار الذات الشاعرة مع تفاصيل العالم المحيط. فالبيئة العربية لها طقسها الخاص، وما تنتجه من نباتات وكائنات وأشكال فريدة، إلى جانب يومياتها الدقيقة وسلوكياتها وإيماءاتها المتنوعة يمكن أن يكون مادة تشكل اللحظة الجمالية التي تمثل جوهر الهايكو. هذه البيئة تختلف عن نظيرتها في اليابان، كما تختلف عن أيّ بقعة أخرى في العالم، وكذلك يختلف السلوك العربي عن سلوك الإنسان في الثقافات الأخرى. وما يعنينا هنا هو طبيعة العالم الذي نحيا فيه. فالإنسان العربي قد يعيش في المزارع والحقول، وقد يعيش في المدن الأسمنتية الصاخبة، وكلا العالمين المتنافرين يمتلك تفاصيله الخاصة التي تسهم في استلهام تلك اللحظة الجمالية.
يمكن للكتابات العربية أن تحرص على تحقيق نوع من الوحدة العضوية داخل العمل الواحد، وتلك اللمسة – إن تحققت – قد تمثّل إضافة جديدة إلى التجربة اليابانية، لا سيّما أن معظم ما قرأناه من إصدارات لكتّاب يابانيين وأوروبيين يضمّ نصوصًا متجاورة تفتقد إلى خيط شعوري أو تيمة جامعة تمنح التجربة تماسكها الداخلي. ولعلّ ما نطمح إليه مستقبلًا هو أن نرى مجموعات هايكو تتشكّل من نصوص متسلسلة تدور حول فضاء واحد تتعدد داخله المشاهد والزوايا؛ كتفاصيل نهر، أو مقهى، أو يوميات تعبّر عن واقع المحيط العربي وتحولاته الدقيقة. وبذلك تصبح هذه المجموعات أشبه بلوحات متجاورة تنبض بروح المكان والإنسان، ويصبح الهايكو بلورة حقيقية لهذا العالم الثري بكل ما يختزنه من تفاصيل وتجارب.
كما لا ينبغي أن يشغلنا المسمّى بقدر ما ينبغي أن ينصرف اهتمامنا إلى تبيئة الهايكو عربيًا، بخاصة ونحن لا نزال في بداية الطريق؛ فهذه هي القضية المركزية والنبيلة التي يتعيّن الاشتغال عليها حتى يصبح هذا الفن تجربةً أصيلةً تنضاف إلى مكتبة الشعر العربي. ولن يتحقق ذلك إلا عبر تجارب مبدعين قرؤوا التجربة اليابانية بعمق، واستوعبوا خصائصها وجمالياتها، ثم كوّنوا رؤيتهم الخاصة في ضوء بيئتهم وثقافتهم ووعيهم المتشابك بالعالم.
ولعلّ هذا الطرح يؤكّد – دون أن ينفي أو يعكس نزعة تشاؤمية أو ضبابية – وجود ما يسمى بـ”هايكو عربي”، فما نشهده اليوم من تجارب إبداعية – على اختلافاتها في الرؤى – تتصاعد وتيرتها حينًا وتخفت حينًا آخر، يمكن اعتبارها نواةً أولى تمهّد الطريق لظهور جيلٍ يكمل مسار هذا الفن. ومن المرجّح أن يواصل هذه الجيل مشواره بطاقة هائلة، انطلاقًا من الإيمان بما ينطوي عليه الهايكو من قدرة على التحليق، وفرادة في اكتشاف العالم عبر التفاصيل الصغيرة المدهشة.
شاعر وناقد من مصر
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي
