الرئيسية / الأعداد / العدد الثالث والسبعون / أعمدة ثابتة 73 / رؤية النص من الخارج تقديم رواية “ثمة خلل ما” للمبدعة آمنة برواضي – محمد دخيسي أبو أسامة

رؤية النص من الخارج تقديم رواية “ثمة خلل ما” للمبدعة آمنة برواضي – محمد دخيسي أبو أسامة

مختبر النص

 رؤية النص من الخارج تقديم رواية “ثمة خلل ما” للمبدعة آمنة برواضي

محمد دخيسي أبو أسامة

” كل البدايات تكون بسيطة.

ولكن، هل أنا عازمة على الكتابة فعلا للغير؟”[i]

تتنازع العملَ الروائيَ “ثمة خلل ما” للمبدعة المغربية آمنة برواضي، سُلطتان:

  • سلطة الكتابة؛
  • سلطة المعاناة.

ولا يمكن الفصل بينهما، كون المعاناة دافعاً للكتابة، وبوصف الكتابة تفريغا للمعاناة. لذلك يختار المبدع فرصة الكتابة بعزم اللقاء بالآخر؛ المتلقي، الذي يندمج في أعماق أحداث النص السردي، ويغوص بين طحالبها لتجميل رؤيته السردية، وتنوير أفق انتظاره.

“سعيدة” ليست سعيدة في حياتها، لدرجة بحثها عن مخرج لمعاناتها؛ تجد أمامها صديقة الدراسة “لطيفة” وخادمتها “حورية”، فتقدمهما سندا لها، لتبحث عن فرص الحياة السعيدة معهما. صديقتها تقترح عليها الكتابة: “نعم لا بد من الكتابة”[ii]، ولعل الحل كان في تحرير رسائل إلى ابنتها “سارة” الغائبة جسدا بسبب العمل، الحاضرة بقوة عاطفيا، المسببة في معاناة الأم “الثكلى”. ولعلنا هنا، نفترض إمكانية تجنيس النص الفرعي: أدب التراسل، لكن شروط التراسل غائبة في فرضيتنا، بسبب أفول المرسَل إليه، وتخلفه عن الرد.

تستعيد “سعيدة” ذكرياتٍ هاربةً من الزمن الماضي، وتحتار بين العيش على أمل اللقاء بابنتها، أو دعوة ابنها “سراج” للعيش معها، بالرغم من رفضها فكرة إعادة إدماجه داخل الأسرة، بعد استقلاله الأسري. لذلك تعرض على خادمتها “حورية” إحضار أسرتها الصغيرة، وأخذ مكان أبنائها داخل فضاء المكان الذي تعيش فيه. لتكون الأسرة الثانية تعويضا لغياب الدفء الأسري المغيَّب. كما أن مواصلة الكتابة، تفرض مساهمة الخادمة في توفير الجو العائلي، وتحضير ما يساعدها على قيد الإبداع والكتابة؛ مع استحضار الإعاقة الجسدية التي تقف حاجزا أمام حركة “سعيدة”.

الأمل في الحياة، والأمل في الكتابة، جزءان من صراع دائم في النص الإبداعي “ثمة خلل ما”، والخلل لا يكمن في ما اقترفته الظروف في حق “سعيدة”، وما قدره الله عليها؛ بقدر ما يتجلى في الماضي، وما قد يسجل من أخطاء، فرضت نفسها في الحياة الحالية: ” هذا كان ولا يزال طبعها منذ كانت طفلة، كانت باستمرار تلتزم الكثير من الصمت وتعمل أشياء كثيرة في الآن نفسه. اليوم بعدما تغيرت أشياء كثيرة دخلت سراديب من الصمت، وأصبحت تفضل أن تتكلم أحيانا من أجل تسجيل رسالة صوتية أو أثناء الكتابة على الحاسوب تجدها تعيد على مسامعها ما قامت أناملها بنقره على لوحة الحاسوب أو عند زيارة صديقتها التي لا تخجل من فتح تلك الدفاتر أمامها، وتحكي دون توقف والأخرى تستمع إليها دون ملل.”[iii]

دون توقف، إذاً، تسترسل الأحداث في بناء نص سردي، يتخطى الوقائع العادية، ليتعمق في أغوار النفس البشرية؛ تتوحد الشخصيات فيما بينها، لتنسج خيوط اللعبة السردية. وتقف الساردة “من خلف” البطلة “سعيدة”، توازي بين سير الحدث وتطوره من جهة، والمعاناة النفسية التي يوقعها تخلف ابنتها “سارة” عن الردَّ على مكالماتها، وعدم زيارتها من جهة ثانية.

كما أنه لا يخفى عنا الموقف الاجتماعي الذي ساهمت فيها الخادمة “حورية”، بوصفها نقطة اللقاء بين الجوانب المشكلة للنص السردي لدى آمنة برواضي؛ إذ بها تنمو الأحداث، وإن كانت تبدو غائبة عنها، وهي المسير الذي يوطِّن تفاعل القوى الفاعلة في الرواية؛ فتجعل الشرفة/ المكان، والقهوة/ المنعش، والشخصية/ الأنيس.. تيمات ذات أبعاد مختلفة. ترتقي بالرواية من بعدها الفني إلى المغزى النفسي والاجتماعي، وتربط بين السارد/ المؤلف، وباقي المواقف الإنسانية في شتى تجلياتها…

دعوة، هي، إلى قراءة النص السردي العربي من حيث قوة خلقه لفرص التفاعل مع الشخصية الرئيسة، وارتداء لبوس التوحد النفسي والاجتماعي وما يُفرض أن يكون مبثوثا بين السطور. وهنا -طبعا- لا يمكن الجزم بوقوف المؤلف وراء الشخصية/ البطل، بقدر ما يجعله درعا يقي به نفسه من سلطة النص الثاني؛ فيكون البطل غير المؤلف، ويكون المؤلف ثانيا معْبرا للوصول إلى أعماق الذات ومعاناتها.

الإحالات

[i]– آمنة برواضي: ثمة خلل ما، ص. 29.

[ii]– نفسه.

[iii]– نفسه، ص. 30.

ناقد من المغرب

عن madarate

شاهد أيضاً

 رحلة الضوء في مسيرة الفنان مهند الشاوي

box type=”shadow” align=”aligncenter” class=”” width=””] رحلة الضوء في مسيرة الفنان مهند الشاوي[/box]  رحلة الضوء في …

اترك تعليقاً