الحوارية والبوليفونية – قراءة في سلطة الخطاب ومقاومة الذاكرة في القصة القصيرة جدا: (هاذا) للزهرة رميج

عبد المجيد بطالي*
مقدمة
تستوعب القصة القصيرة جدًا، بفضل حجمها التكثيفي، أشكالًا متعددة من التفاعل الصوتي الذي يتجاوز حدود الحوار المباشر إلى مستويات أعمق، تتصل بالذاكرة والوعي والصراع بين الرؤى، ومن ثم يصبح الصوت السردي فضاء لتقاطع خطابات متباينة تتفاعل داخل بنية سردية مقتضبة جدا، فتنتج شبكة من الدلالات المتعددة التي تتسع بتعدد مستويات القراءة والتأويل.
ويعد نص: (هاذا) للقاصة الزهرة رميج أنموذجا دالا على هذا التفاعل، إذ يشتغل على حادثة لغوية تبدو بسيطة في ظاهرها، غير أنها تنفتح تدريجيا على تاريخ نفسي واجتماعي وثقافي كثيف، تتشابك ضمنه أصوات متعددة (السلطة والتربية والذاكرة والذات الجريحة)، لذا يتيح النص مقاربة تجمع بين الحوارية والبوليفونية، بوصفهما آليتين تكشفان عن تعدد الرؤى الكامنة وراء الحدث السردي.

القراءة التأويلية للنص:
ينطلق النص من موقف يومي داخل فضاء العمل، حين يواجه المدير أحد الموظفين بسبب خطأ إملائي يتعلق بكتابة كلمة “هذا”، غير أن السّرد لا يتوقف عند حدود التصحيح اللغوي، إذ يتحول اسم الإشارة (هذا) إلى “بؤرة دلالية” قوية تستدعي سلسلة من الأصوات والخبرات المتراكمة في الذاكرة الماضوية.
يتجلى البعد الحواري أولًا، من خلال المواجهة المباشرة بين المدير والموظف، فخطاب المدير يحمل نبرة آمرة ترتكز على سلطة المعرفة والموقع الإداري، في حين يحاول الموظف الدفاع عن منطقه اللغوي مستندًا إلى الاستعمال الشفهي المحلي، حيث يمد المتكلمون هاء (هذا) أثناء النطق وداخل هذا التبادل ينشأ توتر بين خطابين مختلفين: خطاب المعيار اللغوي وخطاب التجربة اللغوية المعيشة.
غير أن الحوار الظاهر سرعان ما يفتح المجال أمام حوار أعمق تتداخل فيه الأزمنة والأصوات، فصوت المدير يستحضر في وعي الشخصية صوت فقيه القرية الذي كان يمثل سلطة التعليم التقليدي في مرحلة الطفولة، وهكذا تنتقل القصة من حوار آني إلى حوار ممتد عبر الزمن، حيث تلتقي لحظتان تفصل بينهما سنوات طويلة، بينما يجمعهما منطق الهيمنة والتأديب.
ومن هنا تبدأ البوليفونية في التشكل داخل النص نفسه، فالقارئ لا يصغي إلى صوت المدير وحده، وإنما ينصت في الوقت نفسه إلى صوت الفقيه الذي يعود من أعماق الذاكرة، كما يسمع صوت الطفل الذي حاول ذات يوم أن يبرر منطقه البسيط، وصوت الأم المذعورة وهي تندب حظ ما أصاب ابنها، وصوت الأب الذي ينحاز إلى سلطة التأديب ولو كان ثمنها الألم الجسدي.
إننا أمام تعدد صوتي تتوزع فيه الرؤية بين شخصيات مختلفة، تحمل كل واحدة منها تصورا خاصا بها للتعلم والمعرفة والسلطة، فالمدير والفقيه كِلاهما ينتميان إلى منظومة ترى المعرفة ممارسة شاقولية، تقوم على التلقين والطاعة، أما الطفل فيمثل وعيا فطريا يسعى إلى الفهم والمناقشة، وتكشف الأم عن حساسية إنسانية تنطلق من العاطفة والرعاية، بينما يعكس الأب ثقافة اجتماعية تمنح الشرعية للعقاب بوصفه طريقا إلى التعلم.
ويكتسب هذا التعدد بعدا أكثر عمقًا عندما نلاحظ أن القضية المحورية في النص لا تتعلق بالخطأ الإملائي في ذاته، وإنما بالعلاقة المعقّدة بين السلطة والمعرفة، فالشخصية لا تستعيد حادثة الضرب بسبب تفاصيلها اللغوية، وإنما بسبب ما تركته من أثر نفسي غائر في الذاكرة، لتتحول كلمة «هاذا» من مجرد خطأ إملائي إلى رمز لعلاقة مضطربة بين المؤسسة التعليمية وممثليها.
ويبدو من أبرز مظاهر البوليفونية، أن يتجاوز النص تعدد المتكلمين إلى تعدد الرؤى، حيث تتجلى المعرفة عند الفقيه والمدير في صورة الامتثال، وعند الطفل تظهر في صفة التساؤل، وترتبط عند الأم بالحماية، وعند الأب تتمظهر في السلوك المتمثل في الانضباط الاجتماعي، ومن خلال تفاعل هذه الرؤى تتشكّل البنية العميقة للنص، كما تنفتح القصة على بعد نفسي بالغ الدلالة في خاتمتها، متمثلا في قول القاصة: “منذ ذلك اليوم، تعاهدت يده وعقله على ألا يخضع أبدا لإرادته”.
تكشف هذه العبارة عن انقسام داخلي بين الذات وإرادتها، وهو انقسام نشأ نتيجة العنف الرمزي والجسدي الذي تعرضت له شخصية الطفل، وتتحول اليد والعقل إلى صوتين مستقلين داخل الكيان الواحد، بما يضفي على النص مستوى آخر من البوليفونية الداخلية، حيث يصبح الصراع قائما داخل الذات نفسها.
وتمنح هذه النهاية النص القصصي بعدًا تأويليًا واسعًا؛ إذ يمكن قراءتها بوصفها أثرا يعود لصدمة تعليمية قديمة، كما يمكن قراءتها بوصفها احتجاجا لا واعيا ضد كل سلطة تحاول مصادرة حق الفرد في السؤال والمناقشة.
وهكذا تتداخل “الحوارية والبوليفونية” في نسيج النص بصورة عضوية؛ فالحوار يشكل المدخل الظاهر للأحداث، بينما تكشف البوليفونية عن شبكة الأصوات والرؤى التي تتحرك خلف هذا الحوار وتمنحه عمقه الدلالي والإنساني.
خاتمة
يكشف النص السردي الموسوم: (هاذا) عن قدرة القصة القصيرة جدًا على احتضان مستويات متعددة من التفاعل الصوتي داخل فضاء سردي مكثف، إذ أنه من خلال حادثة لغوية عابرة تنفتح الذاكرة على مرجعية تاريخية قديمة من العلاقات المتشابكة بين التعلم والسلطة والعقاب، حيث تتشابك عدة أصوات، (المدير والفقيه والأب والأم والطفل) في بنية سردية تتشاكل فيها الرؤى وتتباين خلالها التجارب، ليتحول النص إلى فضاء حواري تتفاعل داخله خطابات مختلفة حول المعرفة والتربية والإنسان، كما تغدو البوليفونية أداة فاعلة في تعميق الدلالة، وتوسيع آفاق التأويل، الأمر الذي يمنح النص كثافته ومتعته الجمالية وثراءه الفكري.
نص القصة القصيرة جدا: هاذا
“ما إن ألقى المدير نظرة على الورقة حتى صاح فيه:
– أبعد هذا العمر لا تريد أن تتعلم؟ لا أفهم ارتكابك الدائم لهذا الخطأ. أحس بالدوار، تجسدت أمامه ملامح فقيه القرية أيام دراسته بالكتّاب.
– ألم أقل لك بأن كلمة “هذا” لا يفصل بين حرفيها ألف المد؟
– ولكننا، نعماسْ، نمد الهاء أثناء النطق! ولا يعقل أن.
– أتجادلني أيها الصعلوك؟ أتريد أن تعلمني؟
لم ينس – ولن ينسى أبدا – ذلك اليوم المشؤوم، ذلك اليوم الممطر القارس الذي جلده فيه الفقيه بقسوة الوحوش وشراستها، لم ينس رد فعل والده عندما ولولت أمه وقد جيء به محمولا على الأكتاف: “خَلِّي لَحْمَارْ يَتْعَلَّم.
منذ ذلك اليوم، تعاهدت يده وعقله على ألا يخضع أبدا لإرادته” (1)
هوامش:
[1] – الزهرة رميج، “عندما يومض البرق”، مطبعة النجاح الجديدة – الدار البيضاء، الطبعة الأولى 2008، ص24.
ناقد من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي