الرئيسية / الأعداد / “الهايكو ودقة الترجمة” (الجزء الثاني) – توفيق أبو خميس

“الهايكو ودقة الترجمة” (الجزء الثاني) – توفيق أبو خميس

إضاءات على الهايكو

“الهايكو ودقة الترجمة” (الجزء الثاني)

توفيق أبو خميس*

 

“اللعنة على صناع الترجمات الحرفية الذين يجعلون كل كلمة تُضعف المعنى! وبذلك يمكننا القول إن الحرف يقتل والروح تُعطي الحياة”

-فولتير

هذا القول للفيلسوف والكاتب الفرنسي فولتير الذي عاش في القرن الثامن عشر، وقد كتب عن الترجمة، وتصنِّف آراؤه حول الترجمة جودة الترجمة إلى ثلاثة مستويات: ترجمة رديئة تقتل المعنى وضعيفة تضعفه وجيدة تحْييه. وفي هذا السياق تَظهر نظرته جلية للترجمة حينما قال: “الترجمات تزيد من عيوب العمل وتفسد جماله”. وكان من أنصار استحالة ترجمة الشعر عند قوله: “من المستحيل ترجمة الشعر. هل يمكنك ترجمة الموسيقى؟”

 

في حديثنا عن الممارسات الخاطئة والخطيرة في الترجمة تستدرج منها عدم توخي الأمانة في النقل، وهي عادة تحدث عمداً وتحدث جهلاً وتحدث إهمالاً وكلها مسؤولية ملقاة على عاتق المترجم.

ففيما أتفق عليه أهل المنطق والفلاسفة وعلماء اللغة على أن مصطلح (تحرير) يشمل التغيير، والتحديد أو التعديل، والتصحيح كذلك التجريد أو التنقية، وهناك مقولة نسبت لفولتير أيضا وهي: (إذا أردت أن أفهمك، فعليك أن تحدد مصطلحاتك).

ولأن المصطلح هو اللفظ أو الدال، والمفهوم هو المعنى (ذهني) أو المدلول عليه، فلا يحرر المصطلح إلا عبر تحرير المفهوم.

لكن المتواضعين معرفياً لجهلهم بعمق العلاقة بين المفهوم والمصطلح جل اعتقادهم بأن لفظ: (تحرير المفهوم) هو خطأ معرفي .

ويتمسكون باللفظ المجرد معتقدين أن المتلقي قليل الكفاءة وقد أخطأ خطأ معرفياً فادحاً في فهمه للنص.

فتنطبق عليهم مقولة: (أشير إلى القمر والأحمق يشير لأصبعي) متناسين أن الأساس في الترجمة هو تحرير وإعادة تعريف وضبط المفاهيم وتجريدها من أي معاني حُملت زائدة عليها، خاصة ما كان متعلق بالجوانب الإجتماعية والإنسانية.

هذا يعني على المترجم توخي الدقة و بضرورة إرتباط تحرير ترجمته للمفردة بالمفهوم الذي يجاري السياق الذي يتمحور حوله النص …

‏وهذا هو المترجم البارع والعارف بدهاليز النص: بين ظاهره الخادع وباطنه العميق

فلو كان للنص بابٌ ظاهر، لما ضلّ قارئٌ سبيله، ولو كانت معانيه تقف على عتبات كلماته، لما أحتاج إلى من يُفتّش بين دهاليزه وفي خباياه، ويُعيد ترتيب أنفاسه، ويفكّ شيفرة التداخل والتشابك فيه، حيث أن النص عالمٌ بأسره، تحكمه قوانينٌ غير مكتوبة، وتنسجه علاقات جما متشعبة ولا تُرى، ويموج تحته بحر من الدلالات، لا يكشف سره إلا من أوتي من الفهم نصيباً، ومن التأمل موهبة، ومن الترجمة بصيرة، تخترق ظاهر الحروف إلى ما خلفها من أصواتٍ وظلال. فالمترجم الذي يقف عند حدود العبارة، كمن يرى البحر سطحاً أملس، ولا يدري ما تخبّئه أعماقه، ومن يظن أن الجملة كيانٌ مستقل، كمن يرى الشجرة ويغفل عن تفرع جذورها الممتدة في باطن الأرض، متشابكةً مع غيرها، متداخلةً مع كل ما هو حولها.

والمترجم إذا لم يكن في عمله كالنحّات الذي لا يكتفي بنقل الشكل، بل ينفذ إلى تكوين الكتلة وانحناءة الخط، ويقدر نسبة التناسب في المشهد، فإنه لا يُترجم، بل يُحاكي بغير إدراك، ويكرر بغير فقه، وينسخ بغير بصيرة.

إن الترجمة التي تُؤخذ من ظاهر اللفظ وتُترك روح النص معلّقة وهائمة في الفراغ، هي ترجمة تنقص من المعنى تنقض عليه المعنى كما وتنقض يد الجاهل على آلة دقيقة، فيفسدها وهو يظن أنه يحسن إليها.

النص ليس تجميعاً لبعض من الجمل، بل هو نسيجاً متجانساً من الدلالات المتلاحمة، تتحد فيما بينها وتنبض مع بعضها البعض كما ينبض القلب بخلاياه وأوردته، فكل مفردة فيه تستمد معناها من موضعها، وتستمد أثرها من قربها وبُعدها، ومن تناصها الصريح أو المستتر، ومن إشاراتها المضمرة الوامضة أو بدوي صرخاتها المعلنة. فكيف يُظن هذا أو ذاك المترجم أن الجملة تُفهم بلا سياقها؟ وكيف له أن يُتوهم أن الترجمة تنال حقها وافياً إذا قُطّعت وشرذمت إلى أوصال شتى، وأصبحت جسدٍ بلا روح أو عصب؟!

فالمترجم البصير لا يرضى بالنقل المترهل والعاري، ولا يقنع بأن يُترجم بيتاً من قصيدة أو نصاً شعرياً دون أن يزن نغمتها، أو يتنبه إلى موسيقاه الداخلية، أو حتى جملة في مقالة دون أن يُدرك أثرها في البناء كله، وهو يعلم أن المعنى في النص لا يقوم وحده، بل يسير في سلسلة من الترابطات النابضة، وكلّ لفظة منه حاملة لما قبلها، وممهّدة لما بعدها.

ومن لم يتفطّن لهذا، فهو كمَن يرى قشرة الفاكهة ويظن أنه ذاق لبّها، أو كمَن يرى خيوط سجّادة تحفة، ولا يُبصر روعة الرسم المنسوج فيها. الترجمة المجزّأة تفكّك النص وتشوّش نَفَسه، أما الترجمة الكلية، فهي التي تحمله بكليّته، من فكرته الأولى إلى نبرته الأخيرة، وتُبقي عليه كما يُبقي الرسّام على النور في عينَي شخصه المصوَّر، فعلى المترجم أن لا يكتفي بتقليد الملامح، بل ينفذ إلى أثرها وعمقها.

المترجم الحقّ لا ينقل الألفاظ كما تُنقل جوامد الأحجار، بل ينسجها كما تُنسج الخيوط في وشاحٍ واحد، لا يضع العبارة حيث وردت فحسب، بل حيث تَكتمل دلالتها، وتتّسق نبرتها، وتؤدّي دورها في نسق المعنى وسياق الخطاب.. فالأمانة الحقيقية بالترجمة لا تكمن في تقييد الحروف، بل في استنطاق المعاني، ولا في تطابق الظاهر، بل في تحقيق الموازاة بين الأصل وظلّه.

وما كان الإبداع يوماً في الإعادة والتكرار، بل في التجلّي الجديد، وما كانت الخيانة في التصرّف، بل في الجمود الذي يُزهق الروح. فالذي يظن أن كل ترجمة تُخلّ إن تصرّفت، كمن يظن أن الشعر لا يُقال إلا بوزنه الأول، وكأن لا شعر في غير بحره.

المترجم، إن كان ذا لب مفكّر، وذائقةٍ متقدة، وأمانةٍ لا ترهن نفسها للاستسلام بل كل هدفها الإحياء، فهو مترجم خالقٌ آخر للنص، يُبعث به في لغته الثانية كما يُبعث الصدى بعد الصوت، غير أنه صدى لا يردّ الصوت فحسب، بل يُعيد صنعه ويزيد عليه من جمال اللغة التي يترجم إليها.

فعلى المترجم أن يعي، بأنه بترجماته ليس مجرد ناقلاً للألفاظ بل هو حاملًا للأثر، وليس ظلاً للنصوص المترجمة بل امتداداً لها. فإن ترجم بلا وعيٍ بالبنية، فقد خان النص دون أن يدري، وإن أحياه بما يليق بجماله وروحه، فمرحى لتلك الخيانة، ما دامت بثت فيه روحاً قد أنقذته من الفناء.

‏وما يعيب بعض الترجمات عندما تختلف ترجمة المنطوق عن المقصود فيه

فهنا تحدث المفارقة:

قد يكون الكاتب واضحاً في كلامه، لكن المترجم يضيف معاني لم تكن مقصودة.

وقد يكون الكاتب غامضاً، لكن المترجم يزيد من طمس تلك الرسالة الخفية.

وأحياناً، يكون المنطوق مقصوداً، لكن المقصود يتغير مع الوقت.

لهذا، فالفهم الحقيقي للنص ليس في الكلمات نفسها، بل في ما يجول بين الكلمات، في الحالة للكاتب حينها، في نبرة الصوت، في ما لم يُقال لكنه كان حاضراً بقوة.

 

ناقد من الأردن

عن madarate

شاهد أيضاً

 رحلة الضوء في مسيرة الفنان مهند الشاوي

box type=”shadow” align=”aligncenter” class=”” width=””] رحلة الضوء في مسيرة الفنان مهند الشاوي[/box]  رحلة الضوء في …

اترك تعليقاً