الرئيسية / الأعداد / دراسة تحليلية لنص: “معضلتك الصغيرة” للشاعرة لبنى ياسين – خديجة عياش

دراسة تحليلية لنص: “معضلتك الصغيرة” للشاعرة لبنى ياسين – خديجة عياش

دراسة تحليلية لنص: “معضلتك الصغيرة” للشاعرة لبنى ياسين

 خديجة عياش*

 

يستهل النص بقراءة في العنوان: “معضلتك الصغيرة”، وهو تركيب وصفي يتألف من مبتدأ محذوف تقديره “هذه” أو “هي”، ومضاف (معضلتك) ومضاف إليه (الكاف ضمير المتصل المبني في محل جر)، ثم نعت (الصغيرة) يتبع منعوته في الرفع. أما دلاليًا، فالعبارة تشير إلى عائق أو مشكل يواجه شخصًا ما، لكنه ليس بعائق كبير ويُتوقع تجاوزه.

تنطلق لبنى ياسين في نصها بجملة: “أن تحبّ امرأة”، وهي جملة ذات بنية شرطية ضمنية، إذ يمكن استبدال “أن” بـ “إن” لتصبح شرطية صريحة. ويبقى النص مشروطًا حتى دون هذا الاستبدال، لأن الشاعرة ستورد جوابًا لهذا الشرط في نهاية النص.

ثمة علاقة تشاركية لافتة بين العنوان وبداية النص، حيث تصف أولى هذه “المعضلات الصغيرة” امرأة عنيدة، لا تشبه النساء المألوفات. فالمرأة التي سيحبها المخاطَب ليست امرأة عادية، بل هي امرأة تعلن اختلافها ومشاكستها منذ البداية، إذ تحيل الأسئلة إلى أجوبة في مخاطبتها للمحبوب. وهذا السلوك -حتما- سيؤدي إلى صعوبة التجاوب بين الذاتين المتحابتين، لتظهر لبنى هنا كامرأة مشاكسة، وسيتكبد من يحبها عناءً في ملاحقة هذا الانفلات السلوكي.

وتوضح الشاعرة سبب هذا الانفلات، عازية إياه إلى رغبتها في ترميم الشرخ الذي يحدثه تقلب الزمن في خاطرها، مؤكدة أنها لم تكن عصية لولا هذا المعيش المتهالك، تقول:

“أن تحب امرأة

على ضفاف صوتها

تنمو طحالب الأسئلة اللعينة

وعلى أصابعها

تتفتح بذور الاحتمالات

تشد على أروقة القلب

لتخفي انتكاسات الروح

وتغفو على صدر الحقيقة

لتجعل النوم كذبة لا سبيل لتصديقها

والحلم وهم طال انتظاره

أن تحب امرأة تلهو بالكلمات

وتتزين بإشارات التعجب

تضم الفواصل في عقد طويل

وتنساه على موائد الانتظار

وتشرع نوافذ قلبها لليل

لتغسل عنها صدأ الأوقات الموحشة.”

هذا التأرجح العاطفي الذي تعيشه الشاعرة، والمشحون بصور عكسية (“امرأة تلهو”، “موائد الانتظار”…)، يظهر التباين الذي يحول دون تحقيق المراد والوصول إلى مرحلة المصافاة بينها وبين المحبوب.

تقول:

“أن تحب امرأة

تتراوح بين العشق والكراهية

وتأرجحك على إيقاع أحاسيسها

تشذب صورتك جيدًا

تعبث بالشعر الأبيض على ذؤابتك

ثم تمضي لتشعل الوقت بترهات

لا تأبه بها في حقيقة الأمر

أن تحب امرأةً عصيةً على الدموع

تترفع عن الشكوى

تبتلع الوجع دون صوت

وتقهقه لدعابة صغيرة

كمن يكفكف وحدته بابتسامة”

يظهر جليًا السلوك التناقضي في ذات الشاعرة (العشق-الكراهية)، مستعملة أسلوب الطباق في استدعاء صور شعرية متضادة (“عصية على الدموع”، “تبتلع الوجع”، “تقهقه لدعابة صغيرة”، “يكفكف وحدته بابتسامة”)، مما يبين الإصرار على المكابرة رغم الألم، والابتسام رغم الوجع. حقًا، إنها معضلة، لكنها لا تبدو صغرى. هذا التطاحن النفسي الذي تغلفه الشاعرة بالمكابرة والتصبر، ومداراة الجراح وراء رداء البسمة والضحك إلى حد القهقهة، إنما هو انعكاس لحجم الندوب التي تعمقت في الذات الشاعرة، إلى درجة فقدان الإحساس بها، أو على الأقل التعايش معها ومراضاتها. تقول:

“أن تحب امرأة تكابر

ليس في نيتها البكاء بين يديك

عصية على الانطفاء

حقائبها مهيئة دائمًا للرحيل

ودروبها مروية بزعفران التيه

أن تحب امرأة تجيد الهروب من كل شيء

حتى من نفسها

تلك هي معضلتك الصغيرة”

لا تزال لبنى ياسين تصر على إظهار عظمة الذات وتجلدها، ثم صمودها في وجه المعاناة، دون النزول من البرج العاجي الذي أنزلت به نفسها، فهي عزيزة النفس، ولا تهمها الخسارات التي تتعرض لها، ولا تعنى بمن لا يقدرون على مجاراتها ولا يقدرون احترامها لذاتها، لذلك فحقائبها مهيأة أبدًا لكل رحيل مباغت.

اللغة والتراكيب:

اعتمدت القصيدة على لغة حبلى بالأساليب الخصبة، حيث وظفت مفردات تفتح مجالًا واسعًا للتأويل، مثل: “طحالب الأسئلة اللعينة” و”بذور الاحتمالات”، إذ تحفز المتلقي على النبش كثيرًا لتحصيل معانيها ودلالاتها.

كما نلاحظ وجود التكرار الذي يظهر في كل مقطع: “أن تحب امرأة”، مما يعزز المعنى الذي ترمي إليه الشاعرة، فالتكرار يؤكد على الحيرة المستمرة في مواجهة الشخصية الأنثوية المعقدة، أو على رغبة الشاعرة في تثبيت المعنى لدى المعني به.

الصور الشعرية:

أتى النص مليئًا بالصور الشعرية التي تعبر عن التوتر الداخلي والتناقضات العاطفية. “على ضفاف صوتها تنمو طحالب الأسئلة اللعينة” هي صورة دقيقة ومبتكرة للمرأة المشاغبة التي تثير الأسئلة وتخلق مشاعر الارتباك والضياع، ثم الحيرة.

فالأسئلة والاحتمالات تتكرر في القصيدة، حيث تظهر بوضوح في الجمل مثل “تتفتح بذور الاحتمالات” و”تنمو طحالب الأسئلة”. هذه الصور تؤكد على الحيرة الوجودية التي يواجهها الشاعر في علاقته بالمرأة.

التيمة:

يعالج النص تيمة المرأة ككائن يمثل -في بعض الأحيان- الغموض والتناقض، حيث يصور المرأة باعتبارها ذاتًا مليئة بالتناقضات، فهي تجمع بين الحب والكراهية، العشق والابتعاد، التمسك بالغياب والصمت، مما يعكس عدم استقرار العلاقة معها. هذه التناقضات تمثل التحدي الأساسي الذي يواجهه الرجل في فهمها. وطبعًا، هذه ليست قاعدة، وإنما هي حالة شعورية مرتبطة بزمن وحدث معينين، عبرت عنها لبنى ياسين كذات شاعرة، تعيش وتعايش متغيرات الحياة وتباينها، إذ أن المرأة في ثقافتنا الدينية رمز للحب اللامشروط والعطاء اللامتناهي، فهي وطن يُسكن إليه في كل حين، بلا تأشيرة ولا جواز سفر.

ونخلص في الختام إلى أن النص يعكس معضلة العاطفة في مواجهة معنى معقد كالحب، حيث سعت الشاعرة إلى محاولة رسم صورة لامرأة مليئة بالتناقضات، لا يمكن توقع ردود أفعالها أو فهم دوافعها بالكامل. ومن خلال توظيف التكرار والتراكيب الفنية والصور العاطفية العميقة، نجد التحدي النفسي والفكري الذي يواجهه المحبوب في محاولته لفهم هذه المعضلات الصغيرة، وليست معضلة واحدة.

كاتبة من المغرب

 

قصيدة: معضلتك الصغيرة

لبنى ياسين

أن تحب امرأة

على ضفاف صوتها

تنمو طحالب الأسئلة اللعينة

وعلى أصابعها

تتفتح بذور الاحتمالات

تشد على أروقة القلب

لتخفي انتكاسات الروح

وتغفو على صدر الحقيقة

لتجعل النوم كذبة لا سبيل لتصديقها

والحلم وهم طال انتظاره

 

أن تحب امرأة تلهو بالكلمات

وتتزين باشارت التعجب

تضم الفواصل في عقد طويل

وتنساه على موائد الانتظار

وتشرع نوافذ قلبها لليل

لتغسل عنها صدأ الأوقات الموحشة

 

أن تحب امرأة

تتراوح بين العشق والكراهية

وتأرجحك على ايقاع احاسيسها

تشذب صورتك جيداً

تعبث بالشعر الأبيض على ذؤابتك

ثم تمضي لتشعل الوقت بترهات

لا تأبه بها في حقيقة الأمر

 

أن تحب امرأةً عصيةً على الدموع

تترفع عن الشكوى

تبتلع الوجع دون صوت

وتقهقه لدعابة صغيرة

كمن يكفكف وحدته بابتسامة

 

أن تحب امرأة

لا ترجوك أن تبقى

ولا تخبرك بأن غيابك موجع

تستقيل من الحياة في اليوم مرتين

تخلع عنها رداء الشوق

وترتدي صمتها

ولا تنام.

 

أن تحب امرأة تكابر

ليس في نيتها البكاء بين يديك

عصية على الانطفاء

حقائبها مهيئة دائما للرحيل

ودروبها مروية بزعفران التيه

 

أن تحب امرأة تجيد الهروب من كل شيء

حتى من نقسها

تلك هي معضلتك الصغيرة

شاعرة من سورية

 

 

عن madarate

شاهد أيضاً

عِنَاقٌ بِطَعْمِ الانْتِظَارِ – محمد بن الظاهر

محمد بن الظاهر *   تحتَ صدركِ ظلالُ النّخيل عتمةٌ تنتظرُ الخائفين يُواري آدمُ سَوأته …

اترك تعليقاً