أخبار عاجلة
الرئيسية / الأعداد / حكم الذي عرفته، ثم أدمنته.. – علي الداه

حكم الذي عرفته، ثم أدمنته.. – علي الداه

الشهادات والقصائد:

حكم الذي عرفته، ثم أدمنته..

 علي الداه

 

في قاعةٍ مسرحية تعجُّ بأنفاس الحاضرين وفي انتظار ان يرفع الستار وجدته جالسا بالقرب مني، بادلته التحية بابتسامة خفيفة، لم يكن في هذا المشهد ما يُنذر بأنني على موعد مع شاعرٍ سيترك في ذاكرتي وشماً لا يُمحى. كان ذلك أواسط تسعينيات القرن الماضي وبالضبط سنة 1993 بمدينة تارودانت الغناء.

ذاك اللقاء لم يكن لقاءا عابرا بل كان بوابة مشرعة نحو صداقة ممتدة لأزيد من ثلاث عقود ونيف، منه بدأ إعجابي بشاعرٍ لا يفصل بين القلب والقضية، ولا بين الحلم والحقيقة. شاعرٌ إذا كتب عن الحب أذابَ الحجر، وإذا كتب عن القضية أيقظَ الحجر.

لازلت أذكر تلك الزيارة الأولى له في بيت والده الأستاذ الجليل سيدي محمد ايت حمدان بمدينة تارودانت والتي كان يشتغل بها آنذاك ناظرا بثانوية محمد الخامس، من المستحيل طبعا أن تنال السنون من تلك الصور التي احتفظت بها ذاكرتي من تلك الزيارة، خزانة ممتدة من الكتب والمؤلفات في اللغة والادب والفقه والفكر …، كنت منبهرا بما رأت عيناي من أمهات الكتب، فأجاني حكم حينها وهو يستل من بين الكتب مسودة لديوان شعري من عشرات القصائد ومن مختلف الأغراض، كان عنوانه ” مملكة صدري”.

طبعا مرت السنوات سريعا وظلت علاقتي بحكم تلك العلاقة التي تقوم على الابداع واللقاءات الفنية وجلسات النقاش والسمر والسهر بين حواري تارودانت وأزقتها الضيقة، جمعنا الشعر والمسرح والزجل من خلال مجموعة أدبية أطلقنا عليها اسم ” القرطاس ” ضمت عددا من شباب المدينة منهم من لازال يواصل شغب الكتابة والابداع الى اليوم. هذه التجربة الشبابية البسيطة ساهمت بقدر كبير في توطيد العلاقة بيني وبين حكم لتتجاوز عتبة الشعر والابداع الى علاقة إنسانية تجاوزت حيز الملتقيات والصالونات الأدبية.

كيف لي أن أُكتب عن شاعرٍ تَسْبِقُ كلماته ومواقفه النبيلة كل الصور والذكريات التي جمعتني به، إنه شاعر حقيقي منفلت من زمن عكاظ، انه ليس ناظمَ أبياتٍ أو صائد قوافي بلا روح ولا معنى، حكم حمدان تركيبة بشرية معجونة من القيم والمبادئ وصدق السريرة، يُنْشِئُ من دمِ قلبِه قصائد متوهجة، ويَحول الشوقَ إلى أجنحةٍ تَحْمِلُ الكلمَ إلى الافئدة دون حاجة الى وساطات بلاغية غارقة في التصنع والسطحية.

كنت شاهدا على إصداره الأول ” على صهوة المجد ” كان الأول منا من ساعفته الظروف في ان يجمع قصائده بين دفتي ديوان في وقت كان للكتاب وقعه الخاص على النفس ، لم يكن اختياره للكتابة الشعرية العمودية اختيارا سهلا أو طريقا مفروشا بالورد كما يعتقد الكثيرون بل كلفه الامر أياما وساعات من دراسة الشعر العربي وبحوره ، أتقن الوزن الخليلي  وانطلق مبحرا على قارب الحرف  يمخر عباب البحور الشعرية التامة منها و المجزوءة  وحتى المشطورة منها ، استطاع بإرادته القوية  ان يتغلب وفي وقت وجيز على تعقيدات البحور ويتمكن من ضبط الزحافات والعلل والنجاة من فخ  تشابه  البحور وتعدد اوزانها داخل البحر الواحد ،  ارادته في أن يكون شاعرا  تجاوزت منطق ميولاته الدراسية وانا الذي عرفته تلميذا نجيبا في المواد العلمية.

لا يمكن ان اتحدث  في هذه الشهادة القصيرة عن حكم حمدان الشاعر والمبدع الذي الهمني الكثير في حياتي دون أن اعرج على شخصية حكم الانسان ، في اعتقادي الخاص وصف الشاعر لا يمكن اقتصاره في  اتقان الشخص لكل ما سلف وذكرته من تقنيات وقواعد بل القوة كل القوة في أن يكون انسانا يعرف كيف يصغي لأوجاع الناس من حوله ، ويشعر بنبض الحياة في ملامحهم الميتة ، ان تكون شاعرا دون ان يحركك الحس الإنساني يشبه تماما مشهد رسام يحمل ريشة دون لون ، او عازفا دون وتر ، الإنسانية هي جوهر الابداع وعجينته الأولى ، ان إنسانية حكم وبكل صدق هي التي أعطت لكلماته دفئها ، ولقصائده ودواوينه معناها ومغزاها ، لقد كنت شاهدا كيف عاش هذا الرجل محطات قاسية في حياته لكنه ظل وفيا لإنسانيته حنونا عطوفا رجلا بكل ما تحمل الكلمة من معنى ، لم يكتب قط ليتباهى بل ليواسي المعذبين  والمقهورين من حوله ويقول لهم : انا هنا معكم بكلماتي .لقد منح للقصيدة حريتها في أن تخط نفسها  بنفسها حرة دون قيد او تسلط ، لقد بنى منها جسرا نحو الاخرين ولم يجعل منها برجا عاجيا يطل منها على جراحات الناس من حوله ، اختبر الحب وعرف الخسارة ، تجرع الألم  ولم ينحن مهزوما، لقد كتب بدم القلب الموجوع ، اقنع الورد أن يزهر من تربة بوار ، وضمد الجرح ليصير قصيدة .

أن اكبر عربون  للحب الذي يجمعني بهذا الشاعر الكبير هو حين خصني بقصيدة في ديوانه الشعري الماتع ” عيون تقتفي اثر النهر ” ، ان تجد نفسك بطل قصيدة في ديوان شعري فهذا لعمري هو المجد الذي يبتغيه سادة القوم ووجهاءهم ، لقد خلد حكم في قصيدته تلك معنى الحب الذي جمعنا ولازال يجمعنا ، في البدء وفي الختام  احب هذا الرجل الذي عرفته صدفة وادمنته بقية حياتي .

 

كاتب من المغرب

 

 

 

 

عن madarate

شاهد أيضاً

القلق الوجودي في شعر ياسين بُعبسلام – بدر متشو

بدر متشو*   تقديم: يسعى هذا المقال إلى بيان ثيمة القلق الوجودي في شعر الشاعر …

اترك تعليقاً