نافذة على الهايكو
أيوجيما أونيستورا Uejima Onitsura (1660-1738)

حسني التهامي*
وُلِد أونيتسورا في عائلة من الساموراي بمدينة إيتامي، التي تُعرف اليوم بمحافظة هيوغو. وفي سنٍّ مبكرة، وتحديدًا في الثامنة من عمره، بدأت تظهر لديه موهبة استثنائية في فن الشعر. وفي الثالثة عشرة، انتقل إلى كيوتو ليتتلمذ على يد الشاعر ماتسو شيغيوري (Matsue Shigeyori)، أحد رموز مدرسة “تيمون” التي عُرفت بتعليم الفنون الشعرية، ولا سيما الهايكاي.
في السادسة عشرة من عمره، انضم أونيتسورا إلى مدرسة “دانرين”، التي سعت إلى تحرير الشعر من جديته المفرطة، والانفتاح على لغة الحياة اليومية، بغية الوصول إلى جمهور أوسع، ومنح الشعر طابعًا أكثر تلقائية وخفة. غير أن أونيتسورا ما لبث أن تمرّد على الأسلوب الذي انتهجته هذه المدرسة، منتقدًا ميلها المفرط إلى الهزل والمبالغة في ما اعتبره “ذكاءً سطحيًا”.
انسحب أونيتسورا من دوائر الهايكاي، وبدأ مرحلة جديدة من حياته دامت خمس سنوات، تفرغ خلالها للتأمل والدراسة الجادة، أطلق عليها اسم “شوغيو“ (shugyō)، أي “الانضباط والتدريب الروحي والفني”. وما إن أنهى تلك المرحلة حتى تبلورت لديه قناعة راسخة ستغدو لاحقًا حجر الأساس في مدرسته الشعرية: “لا هايكاي بدون ماكوتو“ – أي دون صدقٍ وإخلاصٍ شعري عميق. تجسّد هذه العبارة الموجزة خلاصة فلسفته الجمالية، وتعكس حسّه الأخلاقي، إذ تشكّل رفضًا ضمنيًا للتكلّف والزخرفة اللفظية، وتُبرز أهمية صدق التجربة الشعورية في العمل الإبداعي. ومن هذا المنطلق، شرع أونيتسورا في تطوير رؤيته الخاصة، التي مزجت بين العمق الجمالي والنزعة الأخلاقية، ليغدو من أبرز الذين مهدوا الطريق لعودة الروح الأصيلة إلى الهايكو بعد باشو.
يرى الباحث الأميركي باورز Bowers أن أونيتسورا يعد خامس الشعراء الكبار في الهايكو، مخالفا بذلك الاتجاه السائد الذي يحصر التصنيف في الأربعة :باشو، وبوسون، وإيسا، وشيكي. تؤيد هذا المنحى الباحثة في الأدب الياباني شيريل أ. كراولي، أستاذة اللغة اليابانية في جامعة كولومبيا، إذ تنسب إلى أونيتسورا دورًا محوريًا في إرساء الأسس الفنية للهايكاي، إلى جانب باشو، حيث عملا معًا على الارتقاء به من مجرد شكل شعري ترفيهي جماعي إلى أدبٍ رفيع ذي مصداقية فنية. كما يُعزى إلى أونيتسورا، مرة أخرى بالاشتراك مع باشو، الفضل في نقله من هامش الثقافة الشعبية إلى عمق الثقافة اليابانية الرصينة. في أواخر القرن السابع عشر، برز باشو وأونيتسورا، كمعلمين بارزين سعيا إلى إضفاء الجديّة الفنية على الهايكاي ورفع مكانته إلى مصافّ الأشكال الأدبية الرفيعة. ومن اللافت وجود تقاطعات عميقة بين رؤيتيهما، إذ اتفقا على النظر إلى الهايكاي بوصفه شكلًا شعريًا جادًا، بسيطًا في ظاهره، لكنه نافذ إلى جوهر الحقيقة الشعرية، ومشبَعًا بحضور الطبيعة والصور المرتبطة بالفصول.
وعلى الرغم من أن بعض الدراسات تشير إلى أن أونيتسورا درّس أسلوبًا يتناغم مع نهج باشو ويجسّده، إلا أنها كثيرًا ما تغفل حقيقة أن هذا التشابه لم يكن نتيجة تأثير مباشر، بل جاء نتيجة تطورٍ متوازٍ بين شخصيتين تعملان على ترسيخ أيديولوجيات متقاربة حول شعر الهايكاي، كلٌّ منهما في سياقه الخاص.
من أشعار أونيستورا:

يوم ربيعي –
العصافير في الحديقة
تستحم بالرمال.[1]
انظر، أيها البلبل
لقد حطوا على أشجار البرقوق
منذ الأزل.[2]
إطلالة يوم جديد!
على ذؤابة شجيرات الشعير
صقيعُ الربيع.[3]
هياكل عظمية
مزهوة بالأعياد تخرج –
تتأمل الأزهار. [4]
…………………….
يتسلل بهدوء،
خلسة –
عيد رأس السنة!
أرى في الرسالة
أنه يتساقط أيضًا في إيدو –
مطر الربيع.
بين السياج
وألواح القبور الخشبية
تطير اليراعات
رياح الخريف
تهب بشكل متقاطع
نظرات على أوجه الناس
في المكان المعتاد
أُفرغ ماء الحمام –
زقزقة الحشرات!
صفير الريح
تعبر السماء-
أزهار الفاوانيا الشتوية.
فوق السهل الشاسع
ينحني هنا وهناك –
عشب البامباس.
براعم البرقوق العنيدة
لا تزال ممسكة
بأغصانها الرقيقة
يا زهرة الكرز الصامتة…
مرة أخرى، ببلاغتك القديمة
تخاطبين أذني الداخلية
ذلك الطائر المائي الداكن،
رغم أنه يبدو مثقلاً…
انظر كيف يطفو!
انظر إلى الجبل…
يرتجف تحت موجات الحر –
حيق قد رحل النهار.
ساكنة هي الحديقة،
حيث تفتح شجرة الكاميليا
بياضها.
ينهض قمر الخريف…
مُشعّا بين أحضاني هذا العام
ليس ثمة طفل شاحب مريض.
Cherry Blossoms, Japanese haiku Series Three, THE PETER
PAUPER PRESS, 1960,
هذا الخريف سأنظر إلى القمر،
دون أن أحمل طفلاً
على ركبتي
العيون، ذهابًا وإيابًا،
الأنف، لأعلى ولأسفل –
أزهار الربيع!
أعد لي حلمي أيها الغراب!
فالقمر الذي أيقظتني لأجله
قد غطاه الضباب.
https://allpoetry.com/topic/269079840-Onitsura
هذا النسيم البارد –
السماء الفارغة تمتلئ
بصوت أشجار الصنوبر
روحي
تغوص في الماء وتخرج منه
مع طائر الغاق
مرة تلو أخرى
مع سقوط الأزهار –
أغفو.
محمّلا بالرياح
في شدة القيظ
بائع المراوح
مع ذوبان الثلوج،
تُطلق القرية
سراح الخيول.
في إناء مكسور،
نبتة مرمار الراعي تنمو –
بنعومة تتفتح.
بوذا في الحقول؛
من أنفه تتدلّى
قطعة من الجليد.
حتى في جزيرة صغيرة،
رجلٌ يفلحُ الأرض –
قبرةٌ تغني فوقه.
مساء؛
بطون سمك السلمون المُرقّط تلمع
في المياه الضحلة.
نسيم بارد؛
صوت أشجار الصنوبر
يملأ السماء
هادئ مرة أخرى،
مع سقوط جميع الأزهار؛
معبد إنجوجي
https://hokku.wordpress.com/tag/onitsura/
المراجع:
1- Daniel Buchanan, One hundred Famous Haiku, Japan, 1973
2- Cherry Blossoms, Japanese haiku Series Three, THE PETER PAUPER PRESS, 1960,
3-https://allpoetry.com/topic/269079840-Onitsura
4- https://haikucommentary.wordpress.com/2016/10/31/ueshima-onitsuras-icicles/
5- https://hokku.wordpress.com/tag/onitsura
[1] Daniel Buchanan, P.42
[3] – same reference, P.44
[4] – same reference, P.45
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي