الرئيسية / الأعداد / الصورة الشعریة في دیوان «أسرار الظل الأخیر» – المدني بورحيس

الصورة الشعریة في دیوان «أسرار الظل الأخیر» – المدني بورحيس

الصورة الشعریة في دیوان «أسرار الظل الأخیـر»

 

المدني بورحيس*

تقدیم:

هي تجربة شعریة أولى، یختزنها دیوان «أسرار الظل الأخیر» للشاعرة المغربیة ملیكة معطاوي العربي، تتلمس فيه طریقها نحو أفق إبداعي مفتوح على احتمالات فنیة ولغویة وتعبیریة جدیدة، لهذا یبدو من القراءة الاستكشافیة الأولى لقصائد الدیوان أن هذا الهاجس الشعري كان یلقي بظلاله على خیال الشاعرة؛ إذ نلحظ هذا المیل العاشق إلى التصویر الشعري الدال والمعبر والمشحون بالدلالات والقیم. غیر أن التأمل في القراءة یكشف أیضا عن وعي شعري عمیق، اكتسبته الشاعرة من قراءاتها السابقة، ومن نظرتها الوجودیة إلى الحیاة، فكان هذا الوعي هو الموجّه الذي استعانت به للولوج إلى عوالم التخیل والغرابة والغموض والانزیاح، وكأنها تحاول أن تكتشف المجرد بالمجرد، والمتخیل بالخیال، وهذا المنحى المثیر یدفعنا إلى النبش والبحث في هذه التجربة الإبداعیة، وتتبع ملامح الجِدة والتفرد فيها، عبر تلمس خصائص الصورة الشعریة في بعض قصائد الدیوان، واستكشاف الأبعاد الفنیة والرمزیة والجمالیة والتخیلیة فيها، من خلال استنطاق نماذج نصیة وتحليلها.

  •  ﻟﻐﺔ اﻟﺸﻌﺮ:

ﻧﺮيد أن ﻧﺒﺪأ ﺗﺤليل هذه اﻟﺘﺠﺮﺑﺔ ﺑﻘﻀية ﻧﻘﺪية أﺳﺎس، ﻟﻄﺎﻟﻤﺎ أﺛﺎرت اﻟﺠﺪل واﻟﻨﻘﺎش، ﻧﻘﺪا وإﺑﺪاﻋﺎ، وهي ﻗﻀية »اﻟﻠﻐﺔ«، ﺧﺼﻮﺻﺎ ﻋﻨﺪﻣﺎ يتعلق اﻷﻣﺮ بـــــ »اﻟﺨﻄﺎب اﻟﺸﻌﺮي«، ﺑﻮﺻفه إﺑﺪاﻋﺎ ﻓنيا، وﻓﻌﻼ تخيليا، وﺗﺠﺮﺑﺔ نفسية وقيمية متميزة، ﺗﻨﻔﺮد ﻋﻦ اﻟﺨﻄﺎﺑﺎت الأدبية واﻟﻤﻌﺮفية اﻷﺧﺮى، ﺑﺨﺼﺎﺋﺺ عديدة، أبسطها اﻟﻨﻈﺎم اﻟﺸﻜﻠﻲ، وأكثرها ﺣﻀﻮرا اﻟﻠﻐﺔ ووظيفتها، وﻗﺪ ارﺗأينا أن ﻧﺘﺤﺪث ﻋﻦ »ﻟﻐﺔ اﻟﺸﻌﺮ«، وليس »اﻟﻠﻐﺔ ﻓﻲ اﻟﺸﻌﺮ«؛ ﻷن اﻟﺼيغة اﻟﺜانية ﺗﺪل ﻋﻠﻰ وﺟﻮد اﻧﻔﺼﺎل وﻗﻄيعة وﻛﺄن ﺛﻤﺔ اﺧﺘﻼﻓﺎ بين اﻟﻠﻐﺔ واﻟﺸﻌﺮ، أو ﻛﺄن اﻟﻠﻐﺔ ﺗﻮﺟﺪ ﺧﺎرج اﻟﺸﻌﺮ، وﺗﺴﻘﻂ ﻋليه إﺳﻘﺎطﺎ، واﻟﺤﺎل أن اﻟﺘﻼزم بينهما يدﻓﻌﻨﺎ إﻟﻰ ﻋﺪهما ﺷيئا واﺣﺪا؛ ﻓﺎﻟﺸﻌﺮ، ﺑﻮﺻفه ﻛﻼﻣﺎ وﻗﻮﻻ وﺧﻄﺎﺑﺎ، هو ﻟﻐﺔ، ﺑﻜﻞ ﻣﺎ ﺗﺤﻤله هذه اﻟﻜﻠﻤﺔ ﻣﻦ اﻟﺪﻻﻻت واﻟقيم واﻟﺘﺠﺎرب واﻵﺛﺎر، ﻓليست اﻟﻠﻐﺔ ﻣﺠﺮد أداة ﻟﻠﻜﺘﺎﺑﺔ اﻟﺸﻌرية، ﺑﻘﺪر ﻣﺎ هي ﺟﺰء ﻻ يتجزأ منه، وهﻲ ﻛﺬﻟﻚ ليست »ﻣﺠﺮد ﺗﻮﺻيل ﻣﻌﻨﻰ، ﺑﻞ هي اﻟﻤﻌﻨﻰ نفسه، إﻧها ليست وﺳيلة ﻷداء ﺷﻲء ﻣﺎ، وإﻧﻤﺎ هي اﻟﻐﺎية ﻓﻲ ﺣﺪ ذاتها، ﻓﺎﻟﺸﺎﻋﺮ يبحث ﻋﻦ اﻟﻤﻌﻨﻰ، وﺣين يعثر عليه، يبنيه ﺑﻨﺎء ﺷﻌريا ﻣﻦ ﺧﻼل اﻟﻠﻐﺔ«.(1)

ﻣﻦ هذا اﻟﻤﻨﻄﻠﻖ يمكن اﻟﻘﻮل: إن ﺗﺠﺮﺑﺔ اﻟﺸﺎﻋﺮة ﻣليكة ﻣﻌﻄﺎوي اﻟﻌﺮﺑﻲ ﺗﺤﺎول أن ﺗﺠﺴﺪ هذه الحقيقة الفنية، وهذا اﻟﺘﻼزم

اﻟﺪاﺋﻢ بين اﻟﻠﻐﺔ واﻟﺸﻌﺮ، إذ ﻧﺠﺪ أن ﻣﻌﻈﻢ ﻗﺼﺎﺋﺪ الديوان ﺗﺸﺘﻐﻞ، ﻗﺒﻞ اﻟﻤﻘﻮل) اﻟﻤﻀﻤﻮن اﻟﺸﻌﺮي(، ﻋﻠﻰ اﻟﻘﻮل، وﺗﺤﺘﻔﻲ ﺑﺎﻟﻠﻐﺔ أﻛﺜﺮ ﻣﻦ غيرها ﻣﻦ ﻋﻨﺎﺻﺮ اﻟﺨﻄﺎب اﻟﺸﻌﺮي، ولهذا ﻧﺠﺪ اﻟﺪﻛﺘﻮر ﻣﺴﻠﻚ ميمون ﻓﻲ تقديمه للديوان يقول: »ﻟﻌﻞ ﻣﺎ يميز هذا الديوان لغته اﻟﺸﻌﺮية، ﻟﻘﺪ وﻗﻔﺖ طﻮيلا ﻋﻨﺪ ﺑﻌﺾ اﻟﻤﻘﺎطﻊ، وﺗﺴﺎءﻟﺖ ﻋﻦ بنائها وتركيبها، وكيف وﻓﻘﺖ اﻟﺸﺎﻋﺮة ﻓﻲ ﺣَﺒْﻚ ﻣﻔﺮدات ﻗﺪ ﺗﻜﻮن عادية وراﺋﺠﺔ، فنسجتها ﻓﻲ إطﺎر ﻣﻦ التراكيب الشعرية اﻟﻤﻌﺒﺮة»(2).

وإذا ﺗﺄﻣﻠﻨﺎ ﺑﻌﺾ اﻟﻤﻘﺎطﻊ الشعرية ﻓﻲ الديوان، فإنه يمكن تأكيد هذا اﻟﺤﻜﻢ اﻻﻧﻄﺒﺎﻋﻲ اﻷوﻟﻲ، ﺗﻘﻮل اﻟﺸﺎﻋﺮة ﻓﻲ قصيدتها »وجه في المرآة:«

»إذَا ﻣَﺎ رَأيت وَﺟْهِﻲ ﻓِﻲ اﻟﻤِﺮْآةِ رَأيْت ُﺑَيْتا ً ﺑﻼ أرْﻛَﺎنٍ

وَﻗﺴَﻤَﺎتٍ باهتة ﺗَﺠْﻠِﺲُ ﻓﻮْقَ دَﻣَﺎرْ،

وَليلا ً ﻣِﻦْ تيهٍ، وﻣِﻦْ جنون

وَﻣِﻦْ هﺬيَان.

إذَا ﻣَﺎ رَأيْت وَﺟْهِﻲ ﻓِﻲ اﻟﻤِﺮْآةِ،

رَأيت أﻟﻒَ جبين ﻣُﻘَﻄﺐٍ

وَآﻻفَ اﻟﺘﱠﺴَﺎؤﻻتِ ﻋﻠﻰ هﺪبٍ، ﺗَﺮْﺗﻘِﺐُ

وﺷِﻔَﺎها ﻣَﺼْﻠﻮﺑﺔ ً ﻋَﻠﻰ ﺟِﺪَارِ ﻋُﻤْﺮٍ، ﻗﺪْ رَﺣَﻞْ»(3).

ﻓﻔﻲ هذا اﻟﻤﻘﻄﻊ ﺗﺤﻀﺮ اﻟﻠﻐﺔ ﺷﻌﺮا، إذ ﻧﺤﺲ ﺑﺄن اﻟﺸﺎﻋﺮة ﺗﻮظﻒ اﻟﻠﻐﺔ بوصفها قيمة وثيقة اﻟﺼﻠﺔ ﺑﺎﻹﻧﺴﺎن، وﺑﺎﻟﺸﻌﺮ ﻛﺬﻟﻚ، ﻓﻔﻌﻞ »الرؤية« اﻟﺬي يتكرر ﻓﻲ ﺑﻌﺾ اﻷﺳﻄﺮ الشعرية يحمل ﻓﻲ ذاته ﻛﺜﺎﻓﺔ ﺷﻌﺮية واﺿﺤﺔ، ﺗﻨﻄﻠﻖ ﻣﻦ اﻟﻔﻌﻞ البسيط )اﻟﻨﻈﺮ بالعين( إﻟﻰ اﻟﻜﺸﻒ واﻟﺒﺤﺚ ﻋﻦ اﻟﺨﻔﻲ والبعيد، وهذا اﻟﻔﻌﻞ ﻻ يبدأ ﻓﻲ اﻟﻠﺤﻈﺔ اﻟﺤﺎﺿﺮة، ﺑﻞ يعود إﻟﻰ زﻣﻦ ﻣﺎض، وﻣﻦ ﺛﻢ فهو يدل ﻋﻠﻰ ﺷﻌﻮر بالسيرورة غير اﻟﻤﺘﻮﻗﻔﺔ ﻟﻠﺰﻣﻦ، وهنا يلتقي اﻟﻮاﻗﻊ ﺑﺎﻟﻤﺤﺘﻤﻞ؛ ﻷن الرؤية ﺗﻮَﻗُّﻊٌ يستند إﻟﻰ معطيات ﻣﻠﻤﻮﺳﺔ، ﺗﺘﺼﻞ ﺑﺎﻟﺬات واﻟﺘﺠﺮﺑﺔ والمحيط والتاريخ، وهذه هي اﻟﺪﻻﻻت اﻟﺘﻲ تحملها ﻛﻠﻤﺔ »اﻟﻤﺮآة«، ﻓﺎﻟﺸﺎﻋﺮة ﺗﺴﺘﺜﻤﺮ هذا اﻟﻌﻨﺼﺮ اﻟﻤﺎدي ﻟﺘﺼﻨﻊ منه أﻓﻘﺎ ﺷﻌريا ذا اﺣﺘﻤﺎﻻت كثيرة، فهي الوسيط اﻟﺬي يعطي ﻟﻔﻌﻞ الرؤية عمقه اﻟﺪﻻﻟﻲ؛ لأنه يسمح ﻟﻠﺬات ﺑﺎﻟﻌﺒﻮر والتعبير ﻋﻦ ﻣﺸﺎﻋﺮ اﻟﺘﻮﺟﺲ واﻟﺨﻮف واﻟﺘﺮﻗﺐ، وهي ﻣﺸﺎﻋﺮ ﻏﺎﻟﺒﺎ ﻣﺎ ﺗﺮﺗﺒﻂ ﺑﺎﻵﺗﻲ/اﻟﺨﻔﻲ، واﻟﻤﺤﺘﻤﻞ/القريب. إن ﻛﻠﻤﺔ »اﻟﻤﺮآة« ﻣﺸﺤﻮﻧﺔ ﺑﻜﻞ ﻣﺎ ينتاب اﻟﺬات ويخيفها ﻓﻲ ﻋﻼﻗﺔ ﺑﺎﻟﺰﻣﻦ والتغيير، ﻓﺘﺘﻨﺎﺳﻞ اﻷﺳﺌﻠﺔ أو اﻟﺘﺴﺎؤﻻت، ويبقى اﻟﺠﻮاب الوحيد ﻓﻲ »ﻗﺎﻋﺔ اﻻﻧﺘﻈﺎر«، وهو، ﻣﻊ ذﻟﻚ، ليس ﻏﺎﻣﻀﺎ أو خفيا، ولكنه غير ﻣﺮﻏﻮب فيه، ﻣﺎ دام يرتبط ﺑﺎﻟﻌﻤﺮ والرحيل واﻟﺪﻣﺎر واﻟﺠﻨﻮن والهذيان.

  • اﻟﺼﻮرة اﻟﺸﻌﺮﯾﺔ وأﻓﻖ اﻟﺘﻌﺒﯿﺮ:

إن ﻣﺼﻄﻠﺢ »اﻟﺼﻮرة اﻟﺸﻌﺮية« مثير ﻓﻲ تركيبه ودلالته ووظيفته، وهي قضية ﻛﺎﻧﺖ ﻣﻮﺿﻮع درس العديد ﻣﻦ الاتجاهات النقدية والأدبية، ﻓﻜﺜﺮت اﻟﺪراﺳﺎت واﻟﺒﺤﻮث اﻟﻤﻨﺠﺰة حوله، ﺗﺘﻔﻖ وﺗﺨﺘﻠﻒ، ﺗﻘﺒﻞ وﺗﺮﻓﺾ(…) وﻟﻜﻦ اﻟﻤﺼﻄﻠﺢ ﺑﻘﻲ ﻣﺘﺪاوﻻ، ﻋﻠﻰ رﻏﻢ غموضه، ﺻﺎﻣﺪا، ﻋﻠﻰ رﻏﻢ اﻻﻧﺘﻘﺎدات الموجهة إليه، واﻟﺴﺒﺐ، ﺑﺒﺴﺎطﺔ، هو أن مفهومه  قرين اﻟﺸﻌﺮ وتوأمه، ﺑﻞ إنه يحضر ﻓﻲ اﻟﺬات اﻟﺸﺎﻋﺮة ﻗﺒﻞ أن يحضر ﻓﻲ اﻟﺸﻌﺮ ذاته، وهو ﺟﺴﺮ »اﻟﻘﻮل« إﻟﻰ »اﻟﻤﻘﻮل«، وﻣﺪﺧﻞ »اﻟﺸﺎﻋﺮ« إﻟﻰ »اﻟﺸﻌﺮ«، فــــــ »اﻟﺼﻮرة هي أهم اﻟﻌﻼﻣﺎت اﻟﻔﺎرﻗﺔ بين اﻟﻘﻮل اﻟﻤﺮﺳَﻞ واﻟﻘﻮل اﻟﻔﻨﻲ، وهي المقياس اﻟﺬي ﺗﺘﺒﻠﻮر فيه أدبية اﻷدب وشعرية اﻟﺸﻌﺮ وخصوصية اﻟﻨﺜﺮ». (4)

ولهذا يمكن اﻻﺗﻔﺎق ﻋﻠﻰ ﺑﻌﺾ اﻟﻤﺤﺪدات الضرورية اﻟﺘﻲ ﺗﺮﺗﻜﺰ عليها اﻟﺼﻮرة الشعرية، ﻣﻦ حيث اﻟﺒﻨﺎءُ والوظيفة واﻟﻤﺼﺪر، وﻟﻌﻞ تتبعها ﻓﻲ ﻣﺨﺘﻠﻒ التعريفات النقدية يكشف ﻋﻦ حضورهما ﺑﻨﺴﺐ وصيغ متباينة، يقول اﻟﺪﻛﺘﻮر أﺣﻤﺪ الطريسي أﻋﺮاب: »اﻟﺼﻮرة الشعرية ” تركيبة فنية ” متميزة ﺗﺨﻀﻊ ﻟﻤﻨﻄﻖ ﺧﺎص وعقلانية ﺧﺎﺻﺔ وأﺳﻠﻮب فريد، ويدرك معناهما الجوهري داﺧﻞ إطﺎر اﻟﺘﺠﺮﺑﺔ الشعورية اﻟﺘﻲ يحياهما اﻟﺸﺎﻋﺮ»(5).

ﻓﻔﻲ هذا التعريف تأكيد ﺧﻀﻮع اﻟﺼﻮرة الشعرية، ﺑﻤﺎ هي كيان إﺑﺪاﻋﻲ، ﻟﺒﻨﺎء ﻣﻨﻈﻢ، وسعيها إﻟﻰ تحقيق غاية معينة، وهي التعبير ﻋﻦ ﻣﻌﻨﻰ ﻣﺤﺪد ﻓﻲ سياق ﺗﺠﺮﺑﺔ ذاتية، وﻋﻠﻰ رﻏﻢ ﻣﺎ ﻓﻲ هذا التعريف ﻣﻦ ضبابية وﺷﺴﺎﻋﺔ دلالية، فإن اﻟﻨﺎﻗﺪ يركز فيه ﻋﻠﻰ جوهر اﻟﻮﺟﻮد واﻟﻔﻌﻞ والتأثير، وسواء أﻛﺎن هذا التركيب لفظيا، يتحقق ﻋﺒﺮ اﻟﻜﻠﻤﺎت واﻷﻟﻔﺎظ، أم ﻛﺎن تركيبا معنويا ﻣﺠﺮدا، يتحقق ﻋﺒﺮ اﻟﻔﻜﺮ واﻟﺪﻻﻟﺔ واﻟﺘﺠﺮﺑﺔ، فإنه ذو أﺳﺎس ﻟﻐﻮي واﺿﺢ، يظهر ﻓﻲ »اﻟﻤﻠﻔﻮظ اﻟﻤﻨﺠَﺰ«، واﻟﺪﻻﻟﺔ اﻟﻤﻌَﺒﱠﺮ عنها، وهذا ﺷﻲء ﺗﺸﺘﺮك فيه اﻟﺼﻮرة التقليدية، واﻟﺼﻮرة الحديثة، ﻋﻠﻰ رﻏﻢ ﻣﺎ بينهما ﻣﻦ اﺧﺘﻼف، ولهذا ﻧﺠﺪ ﻓﻜﺮة »اﻟﺒﻨﺎء اﻟﻠﻐﻮي« ﻣﻘﺘﺮﻧﺔ ﺑﺎﻟﺠﺎﻧﺐ اﻹﺑﺪاﻋﻲ التخيلي ﻓﻲ تعريف آﺧﺮ، يرى أن اﻟﺼﻮرة الشعرية »هي إﺣﺪى البنيات الإبداعية واﻟﻄﺎﻗﺎت الجمالية ﻓﻲ عملية اﻟﺨﻠﻖ اﻟﺸﻌـﺮي، وهي روح اﻟﺸـﻌﺮ وأنفاسه اﻟﻤﺘﻼﺣﻘﺔ»(6).

وهﺬا يعني أنه مهما ﺗﻌﺪدت تعريفات هذا اﻟﻤﺼﻄﻠﺢ، ﻓﺈن ﺛﻤﺔ ﻣﺒﺎدئ ﻣﺸﺘﺮﻛﺔ فيما بينها، يمكن أن نجملها ﻓﻲ ﻣﺎ يأتي:

  • اﻟﻠﻐﺔ .
  • الخيال.
  • اﻟﺪﻻﻟﺔ.
  • اﻟﺒﻨﺎء والتركيب.
  • اﻟﻌﺎطﻔﺔ واﻟﺸﻌﻮر.
  • السياق اﻟﻔﻨﻲ.

غير أن ﺛﻤﺔ ﺗﻜﺎﻣﻼ بين هذه اﻟﻤﺒﺎدئ، فبدونها ﻻ ﺗﺘﺤﻘﻖ اﻟﺼﻮرة الشعرية، بوصفها أﺛﺮا إبداعيا، وﻓﻌﻼ جماليا، ﻓﺎﻟﻠﻐﺔ هي اﻷداة، والخيال هو اﻟﻤﺼﺪر، واﻟﺪﻻﻟﺔ هي الغاية، واﻟﻌﺎطﻔﺔ هي اﻟﺪاﻓﻊ، والسياق اﻟﻔﻨﻲ هو الهوية، واﻟﺒﻨﺎء هو اﻟﺘﺤﻘﻖ اﻟﻮﺟﻮدي اﻟﺬي ﺗﻠﺘﻘﻲ فيه اﻟﻌﻨﺎﺻﺮ اﻟﻤﺬﻛﻮرة كلها.

وبهذا ﻧﺼﻞ إﻟﻰ أن »اﻟﺼﻮرة الشعرية هي اﻟﺘﻲ يتبدى ﻣﻦ خلالها جوهر اﻟﻨﺺ اﻟﺸﻌﺮي الحقيقي، وﺗﺴﺠﻞ اﻟﺘﺠﺮﺑﺔ/اﻟﺤﺎﻟﺔ اﻟﺘﻲ يقاسيها اﻟﺸﺎﻋﺮ ويعاني ﻣﻦ خلالها لهيب اﻟﺘﺠﺮﺑﺔ»(7).

وهذه التحديدات اﻟﺘﻲ ذكرناها ﻟﻤﺼﻄﻠﺢ اﻟﺼﻮرة، ﺗﺪﻋﻮﻧﺎ إﻟﻰ ﺗﻠﻤﺲ تجلياتها ﻓﻲ ديوان اﻟﺸﺎﻋﺮة المغربية مليكة ﻣﻌﻄﺎوي اﻟﻌﺮﺑﻲ، ﻟﻨﻘﻒ ﻋﻠﻰ ﺣﺪود ﺣﻀﻮره وتمثله إﺑﺪاﻋﺎ، ورؤيا، وﺷﻌﻮرا، وﻧﻘﻒ أيضا ﻋﻠﻰ اﻟﻮﻋﻲ اﻟﺸﻌﺮي اﻟﺬي يتحكم فيها، ﻣﻦ حيث الوظيفة، واﻟﺒﻨﺎء اﻟﻔﻨﻲ وغيرهما.

(3 ﺻﻮرة اﻟﺤﺰن :

إن أول ﻣﺎ يثير انتباهنا ﻓﻲ ﻗﺼﺎﺋﺪ ديوان »أﺳﺮار اﻟﻈﻞ الأخير«، إﻟﻰ ﺟﺎﻧﺐ اﻟﺘﻮازي بين قصيدة التفعيلة، وقصيدة اﻟﻨﺜﺮ، هو هذا اﻟﺤﻀﻮر اﻟﻤﻜﺜﻒ ﻟﻠﺤﺰن، ليس بوصفه ﻣﻮﺿﻮﻋﺎ ﻓﻘﻂ، ﺑﻞ أيضا بوصفه ﺻﻮرة فنية ذات أﺑﻌﺎد دلالية ونفسية وفكرية عميقة، وهي ﺻﻮرة ﻣﻔﺮدة ﻋﻠﻰ اﻟﻤﺴﺘﻮى اﻟﻌﻤﻮدي )القصيدة اﻟﻮاﺣﺪة(، وﻣﺮﻛﺒﺔ ﻋﻠﻰ اﻟﻤﺴﺘﻮى اﻷﻓﻘﻲ )الديوان.(

إن اﻟﺒﺤﺚ ﻓﻲ اﻷﺳﺒﺎب المحيطة ﺑﺎﻟﻮﺟﻮد اﻟﻔﻨﻲ لهذه اﻟﺼﻮرة، ﻗﺪ يجعلنا ﻧﻨﺒﺶ ﻓﻲ اﻟﺬاﺗﻲ واﻟﺸﺨﺼﻲ ﻟﻠﺸﺎﻋﺮة، بشقيه الظاهر/اﻟﻤﺼﺮح به، واﻟﻤﻀﻤﺮ/اﻟﻤﺴﻜﻮت عنه، ومهما يكن ﻣﻦ أﻣﺮ ﺗﻠﻚ اﻷﺳﺒﺎب، فإنها ﻣﺮﺗﺒﻄﺔ ﺑﺎﻟﺬات، وﺑﺎﻟﻌﺎطﻔﺔ واﻟﺸﻌﻮر، وﺑﺎﻟﻌﻼﻗﺔ بين اﻟﺬات واﻵﺧﺮ، وبين اﻟﺬات واﻟﻮاﻗﻊ، وبين اﻟﺬات والحياة، وﻟﻜﻲ ﻧﻘﺘﺮب أﻛﺜﺮ ﻣﻦ هذه اﻟﺬات، نستنطقها ﻓﻲ ﺑﻌﺾ ﻧﺼﻮص الديوان.

ﺗﻘﻮل اﻟﺸﺎﻋﺮة ﻓﻲ قصيدتها »ﺣُﻠﻢ ﻋﻠﻰ ﺳَﻔﺢ اﻟﱠﺴﺪِيم:«

»ﺗَﻮَﻏﻞَ اﻟﻠيلُ اﻟﺒَهيم

ﻓِﻲ ﻋِﻈﺎمِ اﻟﻮَﻗﺖِ،

ﺳَﺎدَ ﻓِﻲ اﻟﻤَﺪَى ﺻَﻤْﺖٌ رَهيب

ﺑَﺤَﺜﺖُ ﻋَﻦْ ﻣَﻼﻣِﺤِﻲ،

وَﺟَﺪْﺗها تهيمُ ﻓِﻲ وَجه يتيم

ﻣَﺪَدْتُ عيني،

أرْﻗﺐُ العينين ﻓِﻲ ليل ﻛَﺴِير

ﺗَﺒَﻌﺜﺮَ اﻟﻨﱠﺠْﻢُ، اﻧْﺤَﻨَﻰ، هَﻮَتْ ﺷﻈﺎَياه              ﻋَﻠﻰ ﺳَﻔﺢ السديم»(8).

ﻓﻨﺤﻦ ﻧﺮى، ﻓﻲ هذا اﻟﻤﻘﻄﻊ، ﺑﻌﺾ ﻣﻼﻣﺢ »ﺻﻮرة اﻟﺤﺰن«، شكلتها اﻟﺸﺎﻋﺮة ﻣﻦ ﻣﺠﻤﻮﻋﺔ ﻣﻦ اﻟﻌﻨﺎﺻﺮ، هي:

  • اﻟﺰﻣﺎن/الليل البهيم.
  • اﻟﻤﻜﺎن/اﻟﻤﺪى اﻟﺼﺎﻣﺖ.
  • اﻟﺬات/اﻟﻤﻼﻣﺢ اﻟﻤﻔﻘﻮدة، الوجه اليتيم.
  • الأشياء/اﻟﻨﺠﻢ اﻟﻤﺒﻌﺜﺮ واﻟﺴﺎﻗﻂ.

وهذه اﻟﻌﻨﺎﺻﺮ ﻣﺘﺪاﺧﻠﺔ ﻓﻲ ﻣﺎ بينها، وﻓﻖ ﺑﻨﺎء ﻟﻐﻮي، يحضر فيه الخيال، بوصفه »طريقة ﻟﻼﺳﺘﻜﺸﺎف واﻟﺘﺠﻮال اﻟﻌﻘﻠﻲ ﻋﻠﻰ ﻧﺤﻮ إرادي واﺣﺘﻤﺎﻟﻲ« (9). وﺗﻮﺳﻠﺖ اﻟﺸﺎﻋﺮة، ﻓﻲ هذا اﻟﺒﻨﺎء اﻟﻔﻨﻲ، ﺑﺄﻓﻌﺎل داﻟﺔ ﻋﻠﻰ اﻟﻌﻤﻖ واﻻﻣﺘﺪاد: )ﺗﻮﻏﻞ، ﺳﺎد، هوت، ﺗﺒﻌﺜﺮ، تهيم(، ﻣﻤﺎ يفيد أن ﺣﺎﻟﺔ اﻟﺤﺰن ﻣﺎ ﻓﺘﺌﺖ ﺗﻤﺘﺪ ﺣﺘﻰ ﺗﺸﻤﻞ اﻟﺬات كلها. ﺛﻢ اﻧﺘﻘﻠﺖ اﻟﺸﺎﻋﺮة إﻟﻰ محيط اﻟﺬات: اﻟﺰﻣﺎن/الليل الكسير، واﻟﻤﻜﺎن/اﻟﻤﺪى اﻟﺼﺎﻣﺖ الرهيب(…)، ﻟﻜﻦ التشكيل ﻻ يقف ﻋﻨﺪ ﺣﺪود وﺻﻒ اﻟﺤﺎﻟﺔ، ﺑﻞ ﺣﺎوﻟﺖ اﻟﺸﺎﻋﺮة استكشافها ومواجهتها، ﻋﺒﺮ أﻓﻌﺎل داﻟﺔ ﻋﻠﻰ اﻟﺒﺤﺚ واﻟﻔﻌﻞ الإيجابي: )ﺑﺤﺜﺖ، وﺟﺪت، ﻣﺪدت، أرﻗﺐ(، وهي أﻓﻌﺎل ﺗﻨﻄﻠﻖ ﻣﻦ اﻟﻤﺤﺴﻮس إﻟﻰ أﻓﻖ اﻟﻤﺠﺮد واﻟﻤﻌﻨﻮي، وﻛﺄن اﻟﺸﺎﻋﺮة ﺗﺨﺮج ﻣﻦ واقعها اﻟﻤﺎدي اﻟﻘﺎﺳﻲ والمخيف، غير أنها ﺗﺼﻄﺪم ﺑﻌﺎﻟﻢ آﺧﺮ، ﻻ يقل ﻗﺴﻮة ورﻋﺒﺎ، ﻓﺼﺎر اﻟﺤﺰن هو اﻟﻤﻼذ اﻟﺬي ﺗﺄوي إليه ﻣﻤﺎ ﻗﺪ يحيط بها.

وﺗﺴﺘﺮﺳﻞ اﻟﺸﺎﻋﺮة ﻓﻲ تصوير هذه اﻟﺤﺎﻟﺔ القاسية، ﻋﺒﺮ ﻓﺘﺢ أﻓﻖ آﺧﺮ، بقولها:

»ﻛَﻢْ ﻣِﻦْ أﻣَﺎنٍ أﺣْﺮَﻗﺖْ

ﻛﻢْ ﻣِﻦْ ﺟِﺮَاح أيقظت

ﻛﺎﻧَﺖْ ﺗﻨَﺎمُ بين أﺣْﻀَﺎنِ المغيب

ﻻ ﺷَﻲْءَ يؤوي،

ﻗَﻔْﺮ هذا اﻟﻌُﻤْﺮِ،

ﻣِﻦْ تيه كئيب

مشيت وَﺣْﺪِي ﻓِﻲ الطريق،

رَﻏِﺒْﺖ أنْ أﻛُﻮنَ غيما،

أنْ أﺿَﺎﺟِﻊَ السماء،    وأستريح ﻓِﻲ ظِﻼلِ العاشقين ﻣِﻦْ ظﻼمٍ كنته،

يرى اﻟﻤَﺪَى… ﺑﺄلفِ عين

يرخي جناحه،

ﻋَﻠﻰ وجه حزين

أطﻞّ ﻣِﻦْ ﺛْﻘﺐِ اﻷﺳَﻰ

ﺣُﻠﻢٌ ﻣُﻐَﻄﻰًّ      ﺑﺎلسواد،

تاهت ﺧُﻄﺎه ُ

ﻓِﻲ ﺻُﻌُﻮدٍ واﻧْﻜِﺴَﺎر»(10).

إن شظايا اﻟﻨﺠﻢ اﻟﺘﻲ هوت ﻓﻲ اﻟﻤﻘﻄﻊ اﻟﺴﺎﺑﻖ، ﺗﺠﺪ تفسيرها ﻓﻲ هذا اﻟﻤﻘﻄﻊ، ﻓﺎﻟﻨﺠﻢ هو اﻷﻣﻞ واﻟﺤﻠﻢ، ﻓﻲ بياضه ولمعانه وعلوه وشموخه، غير أنه ﺗﺒﻌﺜﺮ ﻓﻲ اﻟﻤﺪى اﻟﺼﺎﻣﺖ، وهذه شظاياه تعددها اﻟﺸﺎﻋﺮة ﻣﺘﺤﺴﺮة: اﻷﻣﺎﻧﻲ، واﻷﺣﻼم، واﻟﻌﺸﻖ… والنتيجة الثانية لهذا اﻟﺤﺪث اﻟﻘﺎﺳﻲ، هي ﻋﻮدة اﻟﺠﺮاح إﻟﻰ فعلها اﻟﺴﺎﺑﻖ: الإيلام، بين أﺣﻀﺎن المغيب، وﻧﺠﺪ هذا اﻟﺘﻘﺎﺑﻞ اﻟﻔﻨﻲ بين اﻟﻤﻮت/اﻟﻨﻮم وبين الحياة/اليقظة، ينتج عنه ﺗﻘﺎﺑﻞ ﻧﻔﺴﻲ بين اﻷﻣﻞ وبين اﻷﻟﻢ، ﻟﻜﻦ اليقظة ﻻ ﺗﻌﻨﻲ الحياة هنا، ﺑﻘﺪر ﻣﺎ هي وجه آﺧﺮ ﻟﻠﻤﻮت؛ ﻷن المستيقظ هو اﻟﺠﺮاح، ولهذا ﻧﺠﺪ اﻟﺸﺎﻋﺮة نفسها وحيدة، واﻟﻮﺣﺪة ﺷﻜﻞ ﻣﻦ أﺷﻜﺎل اﻟﺤﺰن، فتعيد تشكيل وغباتها: )اﻟﺘﺤﻮل إﻟﻰ غيم، ﻣﻀﺎﺟﻌﺔ اﻟﺴﻤﺎء، اﻻﺳﺘﺮاﺣﺔ ﻓﻲ ظﻼل العاشقين(، وهي ﺻﻮر مجازية داﻟﺔ ﻋﻠﻰ اﻟﺸﻌﻮر ﺑﺎﻟﻌﺰﻟﺔ القاسية واﻟﺤﺰن الممض، وليس غريبا أن يكون الغيم واﻟﺴﻤﺎء واﻟﻈﻼل، رﻣﻮزا داﻟﺔ ﻋﻠﻰ اﻻﻧﻔﺘﺎح واﻻﻣﺘﺪاد واﻟﺘﺤﻮل، ﺑﻐﺾ اﻟﻨﻈﺮ ﻋﻦ وظيفتها الطبعية والواقعية، وليس غريبا ﻛﺬﻟﻚ أن يكون ﻟﻸﻟﻮان ﺣﻀﻮر ﻗﻮي ﻓﻲ هذه اﻟﺼﻮرة، وهي أﻟﻮان ﺗﻨﺪﻣﺞ ﻓﻲ خانتين اثنتين هما:

  • ﺧﺎﻧﺔ البياض/اﻷﻣﻞ= اﻟﻨﺠﻢ، العين، غيم، ﺳﻤﺎء..
  • ﺧﺎﻧﺔ اﻟﺴﻮاد: البهيم، الليل، السديم، أﺣﺮﻗﺖ، ظﻼم، اﻟﺴﻮاد..

ﻓﺎﻟﺴﻮاد هو اﻟﻮاﻗﻊ واﻟﻮﺟﻮد، وهو اﻟﺬات اﻟﻤﺤﺎﺻَﺮَة ﺑﺎﻟﺤﺰن واﻟﺨﻮف واﻷﻟﻢ. والبياض هو اﻟﻤﺮﻏﻮب فيه والبعيد، هو اﻷﻣﻞ واﻟﺤﻠﻢ.

غير أن ﺻﻮرة اﻟﺤﺰن ﻓﻲ ﻗﺼﺎﺋﺪ أﺧﺮى ﻣﻦ الديوان يتغير تشكيلها وبناؤها اﻟﻔﻨﻲ، وألوانها، ﺗﻘﻮل اﻟﺸﺎﻋﺮة ﻓﻲ قصيدتها متاهة الذات«

»ﺗَﺘﻼﺷَﻰ ﺳَنابلُ أفراح ِ رُوﺣِﻲ، المضيئة ﻓِﻲ ﻋَﺘﻤَﺎت السراب

غيمة اﻟﺤﺰن،

ترخي ستائرها

في دمي

وحصان المساء يقود الخطى

في غياهب حلم

يسافر فوق دمار، منذ عهد الصبا»(11)

ﻓﺈذا ﻛﺎن الغيم ﻓﻲ اﻟﻤﻘﻄﻊ اﻟﺴﺎﺑﻖ، ﻣﻼذا ﻣﻦ الحزن وشكلا من أشكال الفرح والحلم اﻟﻤﺮﻏﻮب فيهما، فإنه، ﻓﻲ هذا اﻟﻤﻘﻄﻊ، يكتسي ﻟﻮﻧﺎ آﺧﺮ، هو ﻟﻮن اﻟﺤﺰن واﻟﺴﻮاد، وهذه الغيمة ﺗﺨﻠﺖ ﻋﻦ موقعها اﻟﻤﺄﻟﻮف)ﻓﻲ اﻟﺴﻤﺎء(، ووظيفتها الطبعية )اﻟﺴﻘﻲ والغيث(، ﻟﺘﺘﺤﻮل إﻟﻰ ﻣﻜﺎن آﺧﺮ)ﻓﻲ دﻣﻲ(، ووظيفة جديدة )ﻗﺘﻞ اﻟﻔﺮح(، وهذا يدل ﻋﻠﻰ أن اﻟﻤﺒﺪع هو ﻣﻦ يطوع اﻟﻠﻐﺔ ويستثمر إمكانياتها الفنية والدلالية، للتعبير عن ذاته، فـــ »اﻟﺼﻮرة الشعرية ]هي[ ﺻﻮرة اﻟﺸﺎﻋﺮ ذاته، فهو يطرح هذه اﻟﺬات ﻣﻦ ﺧﻼل نصوصه، ﻓﺘﻨﺒﺜﻖ اﻟﺬات ﻣﻦ ﺧﻼل اﻟﺼﻮرة، وﺗﻨﺒﺜﻖ اﻟﺼﻮرة ﻣﻦ ﺧﻼل اﻟﺬات اﻟﺸﺎﻋﺮة» (12).

واﻟﻤﻼﺣﻆ ﻛﺬﻟﻚ هذا اﻟﺘﺪرج ﻓﻲ ﺑﻨﺎء اﻟﺼﻮرة، إذ )ﺗﻄﻔﺊ ﻋﺘﻤﺎتُ اﻟﺴﺮاب ﺿﻮءَ اﻟﻔﺮح(، ﺛﻢ )ﺗﺮﺧﻲ غيمة ُ اﻟﺤﺰن ستائرها(، )لتمهد الطريق ﻟﺤﺼﺎن اﻟﻤﺴﺎء(، وﻓﻲ هذا اﻟﺒﻨﺎء اﻟﻤﺘﺪرج، ﺗﺤﻀﺮ ﺣﺮﻛﺘﺎن اﺛﻨﺘﺎن متوازيتان هما:

  • ﺣﺮﻛﺔ داخلية، ﻧﺤﻮ اﻟﺬات، حيث اﻟﺸﻌﻮر اﻟﺒﻄﻲء بالحياة، واﻧﻄﻔﺎء وهج اﻷﻣﻞ شيئا فشيئا ﻓﻲ ﻗﻠﺐ اﻟﺬات.
  • ﺣﺮﻛﺔ خارجية سريعة، آتية ﻣﻦ ﺧﺎرج اﻟﺬات، ﺗﻌﺒﺮ عنها أﻓﻌﺎل داﻟﺔ )يقود اﻟﺨﻄﻰ، يسافر، ﺗﺮﺧﻲ ستائرها(، وأﺳﻤﺎء )ﺣﺼﺎن، غيمة، اﻟﺨﻄﻰ، اﻟﺴﺮاب(، وهي ﺣﺮﻛﺔ ﻣﺴﺘﻤﺮة، ﻻ ﺗﺮﺗﺒﻂ ﺑﺎﻟﺤﺎﺿﺮ، ﺑﻞ ﺑﺪأت ﻣﻨﺬ زﻣﻦ بعيد )ﻣﻨﺬ عهد اﻟﺼﺒﺎ(، وهذا يدل ﻋﻠﻰ أن اﻟﺤﺎﻟﺔ )ﺣﺎﻟﺔ اﻟﺤﺰن( وﺻﻠﺖ ﻓﻲ اﻟﺤﺎﺿﺮ، إﻟﻰ أوج سوادها وتأثيرها.

وﻣﻦ »غيمة اﻟﺤﺰن« اﻟﺘﻲ ﺗﻠﻘﻲ ﺑﻈﻼﻟها ﻋﻠﻰ ﻣﺎﺿﻲ اﻟﺬات وﺣﺎﺿﺮها، إﻟﻰ »ﺧﻤﺮة اﻟﺤﺰن« اﻟﺘﻲ ﻋﺘﻘها اﻟﻘﺪم واﻟﺸﻌﻮر اﻟﻤﺴﺘﻤﺮ ﺑﺎﻟﻀياع، ﺗﻘﻮل اﻟﺸﺎﻋﺮة ﻓﻲ قصيدة » ﺧﻤﺮة اﻟﺤﺰن:«

»ﻋِﻨْﺪﻣَﺎ يأتي المساء،

ﺗَﺸْﺮَبُ اﻟﺨَﻤْﺮُ ﺻَﺪَى السكرِ

يعجز الليل على أن يحمل اﻟﻜَﺄسَ إﻟﻰ اﻟﻨﱠﻮْمِ

أﻣْﺘَﻄِﻲ صهوةَ أْﻓﻜَﺎرِي وَأﻣْﻀِﻲ…

يسبق اﻟﻨﱠﺒْﺾُ غيومَ اﻟﺤُﺰْنِ

يعلو ﻗﻤَﻢَ اﻟﺠُﺮْح ِ

ﻓِﻲ دُرُوبٍ تعتليها ﺧُﻄﻮَاﺗِﻲ، ﺗَﺮْﻛﻦُ اﻟﺬاﻛِﺮةُ الحبلى التي…

ﻣِﻦْ ﺻُﻠﺐِ قهري تنجبُ اﻟﺨَﻮْف

ﻓِﻲ ليال حزنها يطوي

ﻓﺼُﻮل اﻟﻌُﻤْﺮِ ﻓِﻲ الصيف»(13).

 

وهنا يصل اﻟﺤﺰن إﻟﻰ منتهاه ﻣﻦ التأثير واﻟﻘﺴﻮة، وهذا ﻣﺎ ﻋﺒﺮت عنه اﻟﺸﺎﻋﺮة ﻓﻲ اﻟﻤﻘﻄﻊ السابق بكلمات دالة، مثل: غيوم، وقمم. ولكن الملاحظ هو هذه العلاقة بين حالة الحزن وبين الزمان: (المساء، الليل، ليال، عتمات)، وكأن الحزن هو جزء من الوجود الإنساني الذي يرتبط ارتباطا وثيقا بالزمان، بكل ما يحمله من دلالات السيرورة والحركة. غير أننا هنا نقف على هذا التناقض الفني بين ثبات الحالة/الحزن وبين حركية الزمان. ولكنه تناقض ظاهري فقط؛ لأن ثمة تماثلا في نقطة أساس هي التكرار؛ فحركة الزمان  متكررة، والحزن يستمر بدوره وتتكرر وجوهه وأشكاله. ولعل هذا ما يجعل الذات تحس بالامتلاء من الحزن، فقد روَّتْها غيمة الحزن خمرا، فشربتها حتى الثمالة.

وهكذا ﻧﺨﻠﺺ إﻟﻰ أن »ﺻﻮرة اﻟﺤﺰن« ﻓﻲ ﻗﺼﺎﺋﺪ الديوان ﺗﺘﺸﻜﻞ ﻣﻦ ﻣﺠﻤﻮﻋﺔ ﻣﻦ اﻟﻌﻨﺎﺻﺮ اﻟﻤﺘﺮاﺑﻄﺔ ﻓﻲ ﻣﺎ بينها، واﻟﺘﻲ يمكن أن نجملها ﻓﻲ اﻟﺨﻄﺎطﺔ الآتية:

صورة الحزن

الزمان      المكان     اللون     الشكل

الليل       الطريق     السواد   غيمة/خمرة/سراب

النتيجة       الخوف، والجرح، واليأس، والغربة، والوحدة

 

(4  صورة الحلم

تأتي ” صورة الحلم ” في مجموعة من قصائد الديوان موازية لــ ” صورة الحزن “. ولكن الحلم هنا، يبتعد عن الدلالة التقليدية التي تحصره في «حدود الأبعاد النفسية والفلسفية وتأثيراتها المتنوعة، بانفتاحه على طاقة تغذي العمل الفني بعناصر عمل وظيفية لا تنضب، وتتصل بأعمق مناطق الإبداع غموضا وإثارة» (14).

ويلتقي في هذه الصورة بعدان اثنان: أحدهما هو الحلم الإبداعي، بما هو اكتشاف لمتعة الكلمة، ورونق الشعر، وتعبير جمالي يبتعد عن المألوف، ويخترق آفاق الخيال، بوصفه جوهر الإبداع ومصدره الخفي. وثانيهما هو الحلم الذاتي/ الواقعي، ويتصل بالحياة الإنسانية والواقع الاجتماعي.

وإذا كان الحلم الأول قد تحقق بهذه المجموعة من القصائد المعبرة والمتوهجة بسحر الكلمة، وأسر المعنى ورهافة الإحساس، فإن الحلم الثاني يبدو مقيدا بحدود الكائن والذات، ويأتي لذلك مرسوما بأداتين اثنتين هما: أداة الإثبات، وأداة النفي، تقول الشاعرة في قصيدتها «حلم في سكون»:

«لن تقرح الأحزان بعض جوارحي،

وتذيب مني مهجتيِ،     لن ﺗقبرَ اﻷﺣَﻼمُ

ﻓِﻲ ﻟﺤْﻈِﻲ الكسير

ﺣُﻠﻤِﻲ ﻋَﻠﻰ ﺧَﺸَﺐِ المعابدِ ﻣَﺴْﺮِﺣِﻲ    طِﻔﻠﻲ اﻟﺬِي أهوى،

وَﺑَﻌْﻀِﻲ،       ﻻ أهون

ﻟﻦْ يستطيع ﻣُﻌَﺎﻧﺪِي،   ﻧَﻌْتي ﺑﻤَس،

أوْ ﺟُﻨُﻮن       ﻓﺄﻧَﺎ،

وَﺣُﻠﻤِﻲ

ﻓﻲ ﺳُﻜُﻮن.«(15)

ﻓﻔﻲ هذا اﻟﻤﻘﻄﻊ اﻟﺸﻌﺮي، ﻧﺠﺪ اﺗﺼﺎﻻ نفسيا بين اﻟﺬات وبين اﻟﺤﻠﻢ، إذ ﺗﺘﻨﻮع أﺷﻜﺎل هذا اﻟﺤﻠﻢ، فهو اﻟﻜﺎﺋﻦ اﻟﺤﻲ، وهو اﻟﻤﻜﺎن/اﻟﻤﺴﺮح، وهو اﻟﻄﻔﻞ، وهو اﻟﺬات ﻓﻲ وجودها، وﻓﻲ إحساسها اﻟﻘﻮي بالحياة، وبهذا يصبح اﻟﺤﻠﻢ قريبا إﻟﻰ اﻟﻮاﻗﻊ، يتدفق ﺑﺎﻷﻣﻞ واﻟﺮﻏﺒﺔ، ﻋﻠﻰ رﻏﻢ اﻟﺤﺰن واﻻﻧﻜﺴﺎر، وﻛﻞ ﻣﺎ يقيد اﻟﺬات ﻧﺤﻮ الحياة اﻟﻤﺸﺮﻗﺔ. ﻓﺎﻟﺤﻠﻢ هنا ليس بديلا، ﺑﻘﺪر ﻣﺎ هو أﺻﻞ وجوهر وﻣﺼﺪر ﻟﻠﺸﻌﻮر اﻵﻣﻦ واﻟﺒﻌﺪ ﻋﻦ اﻟﺨﻮف واﻟﻤﻌﺎﻧﺎة، وبهذا ﻧﺠﺪ اﻟﺸﺎﻋﺮة ﺗﺴﻤﻮ بالحلم، فتجسده ذاﺗﺎ ﻓﻲ مشهد ﺣﻮاري ﺷﻌﺮي ﻓﻲ قصيدتها »حوارية ﻋﺸﻖ:«

»ﻗَﺎلَ ﻟِﻲ: اﺗْﺮُﻛِﻲ كل أﺣْﻼﻣِﻚِ ﺟَﺎﻧﺒﺎ ً واسكنيني

ﻗْﻠُﺖُ له: أﻧْﺖَ وطني،

وفردوس أحلامي وسكني،

ﻗَﺎلَﻟِﻲ: اﻧْﺒﺘُﻲ ﻓِﻲ ﺟَﺴَﺪِي،

ﺗَﺮَﻋْﺮَﻋِﻲ فيه،

ﻻ تبرحيني

ﻗْﻠُﺖُ له: أﻧْﺖَ ﺷَﻤْﺴِﻲ وﻗَﻤَﺮِي،

أنت النجم الساطع في سمائي،

أنت قضائي وقدري»(16)

فالحلم، في هذا المقطع، يبدو كائنا ماديا، يحمل دلالات الوجود العقلي، والحياة الحقيقية بالنسبة للذات، فهو يصهر اﻟﻤﺘﻨﺎﻗﻀﺎت ﻓﻲ هذا اﻟﻮﺟﻮد: اﻟﺴﻤﺎء/اﻷرض، اﻟﺸﻤﺲ/اﻟﻘﻤﺮ، الحياة/اﻟﻤﻮت، وﻟﻌﻞ ﻧﺒﺮة اﻟﺘﺤﺪي اﻟﺘﻲ تظهر ﻓﻲ أﺳﻄﺮ هذا اﻟﻤﻘﻄﻊ، تبين رﻏﺒﺔ اﻟﺬات ﻓﻲ اﺣﺘﻀﺎن هذا اﻟﺤﻠﻢ واﻻﺗﺼﺎل به، وﺗﺠﺎوز ﻛﻞ ﻣﺎ ﻣﻦ شأنه الحيلولة دون ذﻟﻚ، ويظهر هذا اﻻﺗﺼﺎل جليا ﻓﻲ قصيدة »منتهى ﺣﻠﻢ:«

»أﺧﺬَﻧﻲِ إﻟﻰ منتهى حلمه

ﻓِﻲ ﻏَﻔﻠﺔٍ ﻣِﻦْ ﺟُﺮْﺣِﻲ،

ﺗَﺤْﺖَ جنح ِ اﻵﻻمِ،

ﻛَﺎنَ ﻗَﺒْﻠِﻲ يرتدي اﻟﻌَﺰَاء،

ﻓِﻲ رُﺑَﺎ اﻷﺷْﻮَاق

ﻟﻢْ ﺗَﻜُﻦْ له ﻣَﻼﻣِﺢ، وﻻ ﺑَﺼَﻤَﺎت،

غير ﻣَﺎ يحفره ﻣِﻦْ وَﺟَﻊ،

ﺗَﺤْﺖَ طيات اﻟﺬات،

ﻓَﺠْﺄةً ﺧَﻔَﻖ…

بقايا حلم،

ﻓَﻮْقَ غيمة وَرَﺣَﻞ .«(17)

وهذا اﻻﺗﺼﺎل ليس ﺣﺎﻟﺔ ﺛﺎﺑﺘﺔ، ﺑﻘﺪر ﻣﺎ هو ﺣﺮﻛﺔ ﻣﺴﺘﻤﺮة، وﻣﻦ هذه اﻟﺤﺮﻛﺔ ينبثق اﻟﻮﺟﻮد واﻷﻣﻞ اﻟﻤﺸﺮق ﺑﺎﻟﻨﺴﺒﺔ ﻟﻠﺬات.

غير أن ﺛﻤﺔ ﺟﺎﻧﺒﺎ آﺧﺮ ﻓﻲ اﻟﺼﻮرة، ﺗﺘﺪاﺧﻞ فيه ﻣﻊ اﻟﺼﻮرة اﻷوﻟﻰ )ﺻﻮرة اﻟﺤﺰن(، ﺗﻘﻮل اﻟﺸﺎﻋﺮة ﻓﻲ قصيدتها »ﺧﻤﺮة اﻟﺤﻠﻢ:«

»ﺗَﺤْﺖَ ﺳَﻘﻒِ اﻟﺤُﻠﻢ أﻣْﻀِﻲ…

أﻣْﺘَﻄِﻲ صهوة رَأﺳِﻲ/ﻛَﺄﺳِﻲ،

أﻣْﺴَﺢُ اﻟﺤُﺰْنَ ﻋﻠﻰ ﺧَﺪ اﻟﻤَﺴَﺎء، أشتهي ﻧُﻮرا َ

يشق اﻟﻘَﻠْﺐَ ﻟﻤﺎ… ﺗَﺮْزحُ اﻷﺿْﻮَاءُ

ﻣِﻦْ ﺗَﺤْﺖِ اﻟﻈﱠﻼم.

أشتهي ﺻَﻤْﺘﺎ يسل الصمتَ،

ﻣِﻦْ ﻋُﻤْﻖِ اﻟﻜَﻼم؟،

أشتهي ﺧَﻤْﺮا ﻣًﺒَﺎﺣﺎ

يحمل اﻟﺮأسَ إﻟﻰَ بر اﻷﻣَﺎن»(18).

ﻓﺎﻟﺤﺰن اﻟﺬي ﺗﺤﺲ به اﻟﺬات ، يمتد ليغطي أﻓﻖ اﻟﺤﻠﻢ، فيحاصره ﺑﺎﻷﻟﻢ واﻟﺼﻤﺖ واﻟﺨﻮف، ﻓﺘﻀﻄﺮ اﻟﺬات إﻟﻰ اﻟﺒﺤﺚ اﻟﻔﻌﻠﻲ ﻋﻦ اﻷﻣﻞ واﺳﺘﻌﺎدة الحياة اﻟﻤﺸﺮﻗﺔ ﺑﺎﻟﺤﻠﻢ واﻷﻣﻦ.

وهكذا ﺗﻜﻮن ﻗﺼﺎﺋﺪ الديوان ﻓﻀﺎء ﺗﺘﺠﺎور فيه ﺻﻮرﺗﺎ اﻟﺤﺰن واﻟﺤﻠﻢ، وهما تجسيد ﻟﻮاﻗﻊ اﻟﺬات ورغباتها، ﻓﺎﻟﺤﺰن ﺣﺎﻟﺔ، واﻟﺤﻠﻢ رﻏﺒﺔ، وبينهما ﻣﺴﺎﻓﺔ، ﺗﻤﺎﺛﻞ اﻟﻤﺴﺎﻓﺔ بين اﻟﺴﻮاد والبياض، واﻟﻈﻞ واﻟﻀﻮء، والحياة واﻟﻤﻮت، فكيف ﻋﺒﺮت اﻟﺸﺎﻋﺮة ﻋﻦ هاتين الصورتين؟ وﻣﺎ هي ﺣﺪود تأثير اﻟﻤﺠﺎز واﻻﺳﺘﻌﺎرة ﻓﻲ التشكيل اﻟﻠﻐﻮي والفني ﻟﻘﺼﺎﺋﺪ الديوان؟

(5  اﻟﺼﻮرة اﻟﺸﻌﺮﯾﺔ: ﺑﻼﻏﺔ وﺗﺸﻜﯿﻞ

إن اﻷﺑﻌﺎد النفسية والدلالية والفكرية ﻟﻠﺼﻮرة الشعرية، ﻻ يمكن أن ﺗﺘﺤﻘﻖ ﺑﺪون اﻟﻠﻐﺔ، بوصفها ﺣﻀﻮرا فعليا، وتشكيلا بلاغيا متميزا، ﺑﻞ يمكن القول: إن ﺗﻠﻚ اﻷﺑﻌﺎد وأهميتها ﺗﺘﻔﺎوﺗﺎن، ﻗﻮة وﺿﻌﻔﺎ، ﺑﺘﻔﺎوت اﻟﻘﺪرة البلاغية واللغوية، وﺣﺴﻦ توظيفهما ﻓﻲ التشكيل والتعبير والتأثير، فــــ »الأشياء ليست شعرية إﻻ ﺑﺎﻟﻘﻮة، وﻻ ﺗﺼﺒﺢ شعرية ﺑﺎﻟﻔﻌﻞ إﻻ ﺑﻔﻀﻞ اﻟﻠﻐﺔ»(19)

وﻻ ﺗﻜﺎد ﻧﺼﻮص ديوان »أﺳﺮار اﻟﻈﻞ الأخير« ﺗﺨﺮج ﻋﻦ هذه اﻟﻘﺎﻋﺪة أو العملية الإبداعية، اﻧﺴﺠﺎﻣﺎ ﻣﻊ اﻟﻮﻋﻲ اﻟﺸﻌﺮي اﻟﺬي أﺷﺮﻧﺎ إليه ﻓﻲ ﻓﻘﺮة ﺳﺎﺑﻘﺔ، ﻓﻨﺤﻦ، ﻋﻠﻰ سبيل اﻟﻤﺜﺎل، ﻧﻘﺮأ ﻗﻮل اﻟﺸﺎﻋﺮة ﻓﻲ قصيدتها »عارية ﻋﻠﻰ ﺣﺪود اﻟﻈﻞ الأخير:«

»ﻣُﻨْﺬُ اﻟﺒَﺪْءِ،

ﻛَﺎﻧﺖْ  مسامير  اﻟﻐُﺮْﺑَﺔ

ﺗُﺪَقﻓِﻲ اﻟﺪم،

وآهات اﻟﺤُﺰْنِ

ﺗَﻠﻮكُ ربيع اﻟﻌُﻤْﺮِ

ﻛَﺎنَ اﻟﺰﺣَﺎمُ يضج بالأنين،

وَﻛُﻞ اﻟﻤِﺴَﺎﺣَﺎت ﻓَﺮَاغ…

ﻓﻲِ ليل مدينة بعيدة،

ﺑﻼ أﺣْﻼمِ،

ﻣُﻮﻏِﻠﺔ ﻓِﻲ اﻟﺼﺒَﺎ…

أﻟﻘَﺖْ ﻋﺼَﺎ اﻟﺘﱠﺮْﺣَﺎلِ،

وَتحت ﻋُﺸْﺐِ اﻟﻨﱠﺒْﺾ ِ

تاهت طﻔُﻮﻟﺔ ٌ ﻣِﻦْ أوهام»(20).

إذ ﻧﺠﺪ أﻧﻔﺴﻨﺎ أﻣﺎم ﺻﻮرة مجازية ﻣﺮﻛﺒﺔ، ﻋﻠﻰ رﻏﻢ أنها ﺗﺒﺪو بسيطة ﻓﻲ ظاهرها، واﺿﺤﺔ ﻓﻲ جزئياتها، غير أنها ﻏﺎﻣﻀﺔ ﻓﻲ عمقها، ﻣﻌﻘﺪة ﻓﻲ كليتها، فهي ﺗﺘﺄﺳﺲ ﻋﻠﻰ اﺳﺘﻌﺎرات واﺿﺤﺔ )مسامير اﻟﻐﺮﺑﺔ، ربيع اﻟﻌﻤﺮ، اﻟﺰﺣﺎم يضج بالأنين، ﻋﺼﺎ اﻟﺘﺮﺣﺎل، ﻋﺸﺐ اﻟﻨﺒﺾ(، ﻟﻜﻦ اﻟﺸﺎﻋﺮة شكلتها تشكيلا فنيا متميزا، أﺿﻔﻰ عليه الخيال ﻣُﺴﺤﺔ ﻣﻦ اﻟﺨﻔﺎء واﻟﺒﻌﺪ، وﻛﺎن ﻟﻸﻓﻌﺎل، ﻓﻲ هذا التشكيل، دور كبير، )ﺗﺪق، ﺗﻠﻮك، يضج، أﻟﻘﺖ، تاهت(، وهي أﻓﻌﺎل داﻟﺔ ﻋﻠﻰ ﺣﺎﻟﺔ نفسية يسِمها اﻟﺤﺰن واﻟﻐﺮﺑﺔ واﻟﺸﻌﻮر بالضياع، وهذا يعني أن اﻟﺬات هي ﺑﺆرة هذا التشكيل اﻟﺒﻼﻏﻲ، وهي اﻟﺘﻲ ﺗﻜﺸﻒ ﻋﻦ أﺑﻌﺎده التعبيرية ووظائفه الدلالية، ﺧﺼﻮﺻﺎ أنها ﺻﻮرة ﺗﺤﺘﻔﻆ ﺑﺜﻼﺛﺔ ﻋﻨﺎﺻﺮ ﻣﺘﺮاﺑﻄﺔ ﻓﻲ اﻟﻮاﻗﻊ، وهي: اﻟﺰﻣﺎن)اﻟﺒﺪء، اﻟﻌﻤﺮ، ليل، اﻟﺼﺒﺎ، طﻔﻮﻟﺔ( ، واﻟﻤﻜﺎن)اﻟﻐﺮﺑﺔ، اﻟﺰﺣﺎم، مدينة، اﻟﺘﺮﺣﺎل، اﻟﻤﺴﺎﺣﺎت(، واﻹﻧﺴﺎن)اﻟﺪم، الأنين، اﻟﻨﺒﺾ، طﻔﻮﻟﺔ.(

وﻟﻤﺎ ﻛﺎن اﻟﺸﺎﻋﺮ »يحتضن اﻟﻜﻠﻤﺎت ويتأملها ويعيد تشكيلها، ﺑﻞ إنه ﻗﺪ يغير ﻣﻦ صياغتها، ويحطم ﻣﻦ أنسقتها ونظامها اﻟﻌﺮﻓﻲ اﻟﺜﺎﺑﺖ، ويخلق لنفسه ﻧﻈﺎﻣﺎ فريدا ﺧﺎﺻﺎ به»(21) ، ﻓﺈن اﻟﺸﺎﻋﺮة مليكة ﻣﻌﻄﺎوي ﻗﺪ ﺳﻌﺖ إﻟﻰ أن ﺗﻤﻨﺢ اﻟﻜﻠﻤﺎت ﻓﻲ هذا التشكيل اﻟﺒﻼﻏﻲ دﻻﻻت جديدة وبعيدة ﻋﻦ اﻟﻤﺄﻟﻮف وﻋﻦ اﻟﻤﻌﺎﻧﻲ المعجمية اﻟﻤﻌﺮوﻓﺔ، وإن ﻛﺎﻧﺖ ﻗﺪ ظﻠﺖ أسيرة اﻟﺪﻻﻻت اﻟﻮاﺿﺤﺔ، بحيث ﻻ يجد اﻟﻘﺎرئ اﻟﻤﺘﺄﻣﻞ ﺻﻌﻮﺑﺔ كبيرة ﻓﻲ ﻓﻚ شفرتها وفهم أبعادها، إذ ﻻ ﺗﺨﺮج، ﻓﻲ معظمها، ﻋﻦ ﻋﻼﻗﺔ المشابهة، وهي ﻋﻼﻗﺔ ﺗﻘﻮم ﻋﻠﻰ اﻹﺑﺪال والتغيير، ﺧﺎﺻﺔ ﻓﻲ اﻻﺳﺘﻌﺎرة اﻟﺘﻲ »ﺗﻌﺘﻤﺪ ﻋﻠﻰ اﻻﺳﺘﺒﺪال أو اﻻﻧﺘﻘﺎل بين اﻟﺪﻻﻻت اﻟﺜﺎﺑﺘﺔ ﻟﻠﻜﻠﻤﺎت اﻟﻤﺨﺘﻠﻔﺔ، وأﻗﺼﺪ ﺑﺬﻟﻚ أن اﻟﻤﻌﻨﻰ ﻻ يقدم فيها بطريقة ﻣﺒﺎﺷﺮة، ﺑﻞ يقارن أو يستبدل بغيره ﻋﻠﻰ أﺳﺎس ﻣﻦ التشابه»(22)، ولكنها ﺗﺒﻘﻰ ﻓﻲ ﺣﺪود اﻟﺸﺎﺋﻊ والمتخيل، ﻓﺎﻟﻠﻐﺔ، ﻓﻲ هذه اﻟﺼﻮرة، ﻣﺜﺎل للتماهي بين اﻟﻨﻔﺴﻲ وبين اﻟﻔﻨﻲ، ﻓﻤﺸﺎﻋﺮ اﻟﺤﺰن واليأس والخيبة والضياع ﺗﺤﻜﻤﺖ ﻓﻲ توجيه تشكيل اﻟﺼﻮرة، بتغليب ﻣﻨﻄﻖ التعبير ﻋﻠﻰ ﻣﻨﻄﻖ التخييل.

غير أن ﺛﻤﺔ ﺻﻮرا أﺧﺮى ﻓﻲ الديوان ﻻ ﺗﺨﻠﻮ ﻣﻦ إدهاش ﻟﻠﻘﺎرئ واﺑﺘﻌﺎد ﻋﻦ اﻟﻤﺄﻟﻮف، ﻣﺜﻞ ﻗﻮل اﻟﺸﺎﻋﺮة ﻓﻲ قصيدتها »ﻋﺸﻖ غريب:«

»أﻣْﺸِﻲ ﺑﻼ ﺟَﺴَﺪٍ إﻟﻰ ﻣُﺪُن الخيالْ، ﻣَﺨْﻠﻮُﻋَﺔ اﻟﻨﱠﺒْﺾِ،

الشبابْ،

وَسنابل ِاﻟﻔَﺮَح المحالْ،

ﻓَﻮْﺿَﻰ ﺗُﺤَﺎﺻِﺮﻧﻲِ بجمرِ ﺗﺴَﺎؤُﻻت،

رُﻗﻌَﺔ ُ الأوهام

ﺗَﻜْﺒُﺮُ ﻓﻲ دَﻣِﻲ»(23).

فهذه اﻟﺼﻮرة الموحية ﺗﻘﺪم تعبيرا فنيا بعيدا ﻋﻦ دﻻﻻت اﻟﻮﺿﻮح واﻟﻘﺮب، ﻓﻨﺤﻦ أﻣﺎم انزياحات دلالية، ﻣﺜﻞ: أﻣْﺸِﻲ ﺑﻼ ﺟَﺴَﺪٍ إﻟﻰ ﻣُﺪُن الخيال/ ﻣَﺨْﻠﻮﻋَﺔ اﻟﻨﺒْﺾ/ اﻟﺸﺒﺎبْ/رُﻗﻌﺔ الأوهام ﺗﻜْﺒﺮُ ﻓِﻲ دﻣِﻲ. وﻛﺄن اﻟﺸﺎﻋﺮة ﺗﺴﻤﻮ بلغتها إﻟﻰ أﻓﻖ الرؤيا الإبداعية اﻟﻤﺘﺪﻓﻘﺔ ﺑﺎﻟﻐﺮاﺑﺔ والتخيل، ﻓﻔﻌﻞ »اﻟﻤﺸﻲ« ﻓﻲ اﻟﻌﺒﺎرة اﻟﺴﺎﺑﻘﺔ ﺗﺨﻠﺺ ﻣﻦ دلالته المادية الفيزيائية؛ لأنه ﺗﻢ ﺧﺎرج اﻟﻤﺤﺴﻮس/اﻟﺠﺴﺪ، وﺗﻢ إﻟﻰ ﻣﺪن غير واقعية هي ﻣﺪن الخيال، ﺑﻌﺪ أن ﺗﻌﺒﺖ اﻟﺬات ﻣﻦ اﻟﺒﺤﺚ ﻓﻲ اﻟﻤﺪن القريبة ﻋﻦ ظﻞ يخفف عنها معاناتها وغربتها، ولهذا ﺗﺨﻠﻊ ﻧﺒﺾ الحياة اﻟﻘﺎﺳﻲ واﻟﻤﺆﻟﻢ، ﻟﺘﺮﺗﺪي ﻧﺒﻀﺎ آﺧﺮ غير ﻣﺤﺴﻮس وغير ﻣﺆﻟﻢ.

إن ﺣﻀﻮر الانزياح ﻻ يمنح اﻟﺼﻮرة وهجا دلاليا ﻓﻘﻂ، ﺑﻞ يمنح اﻟﺬات اﻟﺸﺎﻋﺮة بدورها ﻣﺠﺎﻻ أﻛﺒﺮ للحرية والتعبير وﻣﺮاوﻏﺔ اﻟﻤﻌﺎﻧﻲ المعجمية والواقعية اﻟﺘﻲ ﺗﺄﺳﺮ اﻟﻔﻜﺮ واﻟﺬاﻛﺮة واﻟﻤﺘﺪاول، ﻓﺘﺪﺧﻞ اﻟﻘﺎرئ إﻟﻰ ﻓﻀﺎء التأويل، ليشترك ﻓﻲ اﻹﺑﺪاع، ويترك وظيفته اﻟﺴﺎﺑﻘﺔ، ﻓﻌﻨﺪﻣﺎ ﺗﻘﻮل اﻟﺸﺎﻋﺮة قولها اﻟﺴﺎﺑﻖ: »أﻣﺸﻲ ﺑﻼ ﺟﺴﺪ إﻟﻰ ﻣﺪن الخيال«، فإنها ﺗﻘﺪم وجها ﻣﻦ أوجه اﻟﺼﺮاع بين اﻟﻤﺎدي واﻟﻤﺠﺮد، اﻟﻤﺎدي اﻟﺬي يقيد اﻹﻧﺴﺎن ﻓﻲ حياته ووﺟﻮده، واﻟﻤﺠﺮد اﻟﺬي يمثل الغاية اﻟﺘﻲ يسمو إليها، ﻟﻜﻲ يتخلص ﻣﻦ قيوده، وينطلق ﻓﻲ ﻓﻀﺎء الحرية واﻻﻧﻔﺘﺎح، ﻓﺎﻟﻔﻌﻞ »أﻣﺸﻲ« ﻻ يدل ﻋﻠﻰ ﻓﻌﻞ ﻣﻨﺠﺰ، ﺑﻞ ﻋﻠﻰ رﻏﺒﺔ أو ﺣﻠﻢ يراد تحقيقه، وهو اﻟﺒﻌﺪ ﻋﻦ القيود المادية، واﻻﻧﻔﺼﺎل ﻋﻦ اﻟﻤﻌﺎﻧﺎة واﻵﻻم اﻟﺘﻲ يسببها اﻟﺠﺴﺪ واﻟﻤﻜﺎن، ﻟﻼﺗﺼﺎل بالحرية واﻷﻣﻞ والطمأنينة ﻓﻲ أﻓﻖ الخيال البعيد.

فبين اﻟﺮﻏﺒﺔ ﻓﻲ التعبير ﻋﻦ اﻟﺬات واﻟﻤﻮﻗﻒ اﻟﻮﺟﻮدي ﻣﻦ الحياة واﻟﻮاﻗﻊ، وبين اﻟﺮﻏﺒﺔ ﻓﻲ إمتاع القارئ وإدهاشه، تجد الشاعرة نفسها وسط نسيج لغوي فني دال ومعبر ومثير؛ لأنه يقوم على المجاز، بكل إمكانياته الدلالية. تقول الشاعرة في قصيدتها «لا مبالاة بلون السراب»

»الليل يا أﻣﺎهُ يهزأ

ﻻ يبالي ﺑﺎﻟﺠِﺮَاحْ.

يمضي ﻋَﻠﻰ اﻷﻛْﺘَﺎفِ،

يغتال اﻟﺼﺒَﺎحْ.

ﻣَﺎ ﻋَﺎدَ ظِﻞ اﻟﺼﺪْرِ يحمي،

ﻣِﻦْ ﻛِﻼبٍ

ﻓِﻲ الطريق.

ما عاد في مقل الزمان،

ندى دموع

أو بريق.» (24)

ﻓﻘﺪ اﺳﺘﻌﻤﻠﺖ اﻟﺸﺎﻋﺮة ﻣﺠﻤﻮﻋﺔ ﻣﻦ اﻷﻟﻔﺎظ اﺳﺘﻌﻤﺎﻻ شعريا داﻻ، إذ شحنتها ﺑﺪﻻﻻت جديدة، ﺗﻼﺋﻢ سياق تجربتها الفنية ورؤيتها الفكرية، ﻓﻜﻠﻤﺎت ﻣﺜﻞ: )الليل، واﻟﺼﺒﺎح، واﻟﻜﻼب، والطريق(، نجدها ﻗﺪ ﺗﺨﻠﺼﺖ ﻣﻦ ﺑﻌﺾ معانيها العادية، ﻟﺘﻜﺘﺴﺐ دﻻﻻت أﺧﺮى، فـــــ “الليل” يدل ﻋﻠﻰ ﻛﻞ ﻣﺎ ﻗﺪ يثير ﻣﺸﺎﻋﺮ اﻟﺨﻮف واﻟﻘﻠﻖ واﻻﺿﻄﺮاب، ﻣﻦ ﻣﺼﺎﺋﺐ وأهوال وﺷﺪاﺋﺪ، إنه اﻟﺰﻣﺎن ﻓﻲ سطوته، واﻟﻘﺪر ﻓﻲ جبروته، واﻟﺸﺮ ﻓﻲ اندفاعه وشدته، واﻟﺸﺎﻋﺮة ﺑﺬﻟﻚ تعيد، إﻋﺎدة تناصية، ﻣﺎ قاله ﺑﻌﺾ اﻟﺸﻌﺮاء اﻟﻌﺮب ﻋﻦ الليل، ﻣﺜﻞ اﻣﺮئ القيس، وأﺑﻲ اﻟﻘﺎﺳﻢ اﻟﺸﺎﺑﻲ وغيرهما، وﺑﺎﻟﻤﻘﺎﺑﻞ ﻧﺠﺪ أن ﻟﻔﻈﺔ “اﻟﺼﺒﺎح” ﺗﻮﺣﻲ ﺑﻤﻌﺎﻧﻲ اﻷﻣﻞ واﻟﺘﺤﺮر والحياة واﻟﺮﻏﺒﺔ، وﺑﺬﻟﻚ ﺗﻘﺪم اﻟﺸﺎﻋﺮة ﺻﻮرة مجازية ﺗﻘﻮم ﻋﻠﻰ ﺗﻨﺎﻗﺾ ﻓﻨﻲ بين الليل وبين اﻟﺼﺒﺎح، وهو ﺗﻨﺎﻗﺾ يخفي ﺗﻘﺎﺑﻼ فكريا ووجوديا بين الخير واﻟﺸﺮ، بين اﻷﻟﻢ واليأس، ﻣﺜﻠﻤﺎ ﺗﺆﺷﺮ عليه أﻓﻌﺎل داﻟﺔ ﻣﻦ قبيل، “يهزأ، ويغتال، وﻻ يبالي.”

ﺧﺎﺗﻤﺔ:

إن ديوان اﻟﺸﺎﻋﺮة المغربية مليكة ﻣﻌﻄﺎوي اﻟﻌﺮﺑﻲ، ﺗﺠﺮﺑﺔ فنية إبداعية متميزة، بأبعادها الجمالية واللغوية والتعبيرية، ﺧﺼﻮﺻﺎ أنها اﻟﺘﺠﺮﺑﺔ اﻷوﻟﻰ ﻟﻠﺸﺎﻋﺮة، أو ﻟﻨﻘﻞ ﺑﻌﺒﺎرة أﺻﺢ: اﻟﻤﻐﺎﻣﺮة اﻷوﻟﻰ ﻓﻲ هذا اﻟﺨﻀﻢ العميق، ﺧﻀﻢ اﻹﺑﺪاع اﻟﺸﻌﺮي اﻟﺬي يمكن أن يُغْرِق إذا ﻟﻢ ﺗﺘﻮاﻓﺮ ﻟﻠﺸﺎﻋﺮ الآليات واﻟﻮﺳﺎﺋﻞ الفنية اﻟﺘﻲ ﻗﺪ تيسر له اﻟﺴﺒﺎﺣﺔ فيه بمهارة عالية، وهذا ﻣﺎ يصدق ﻋﻠﻰ اﻟﺸﺎﻋﺮة المغربية؛ لأنها اﺳﺘﻄﺎﻋﺖ إﻟﻰ ﺣﺪ بعيد أن ﺗﻘﺪم تجربتها الذاتية تقديما إبداعيا، ﻋﺒﺮ استعمال ﺻﻮر شعرية داﻟﺔ ﻋﻠﻰ ازدواجية اﻟﻨﻈﺮة إﻟﻰ الحياة، ﻓﻔﻲ ﺟﺎﻧﺐ أول ﻧﺠﺪ اﻟﺤﺰن، وهو ﺟﺴﺮ إﻟﻰ اﻟﺘﺸﺎؤم واﻟﻨﻔﻮر ﻣﻦ الحياة، وﻣﻦ ﺟﺎﻧﺐ آﺧﺮ ﻧﺠﺪ اﻟﺤﻠﻢ، وهو ﻣﻌﺒﺮ ﻗﺪ ﯾﻜﻮن آﻣﻨﺎ إﻟﻰ اﻷﻣﻞ والحياة اﻟﻤﺸﺮﻗﺔ.

ﻓﻘﺪ ﻛﺎن الاختيار اﻹﺑﺪاﻋﻲ ﻟﻠﺸﺎﻋﺮة ﻗﺎﺋﻤﺎ ﻋﻠﻰ هاجس اﻟﻠﻐﺔ الفنية، بوصفها أداة ﻓﻌﺎﻟﺔ للتعبير ﻋﻦ تجربتها الذاتية، ولهذا ﻛﺎﻧﺖ عنايتها شديدة بالتشكيل اﻟﺒﻼﻏﻲ اﻟﺬي ينطلق ﻣﻦ الإمكانيات اللغوية اﻟﻤﺘﺎﺣﺔ، ﻣﻦ ﻣﺠﺎز واﺳﺘﻌﺎرة وإيحاء.

 

اﻟﮭواﻣش:

(1)  »اﻟﺮؤﯾﺔ واﻟﻔﻦ ﻓﻲ اﻟﺸﻌﺮ اﻟﻌﺮﺑﻲ اﻟﺤﺪﯾﺚ ﺑﺎﻟﻤﻐﺮب«، اﻟﺪﻛﺘﻮر أﺣﻤﺪ اﻟﻄﺮﯾﺴﻲ أﻋﺮاب، اﻟﻤﺆﺳﺴﺔ اﻟﺤﺪﯾﺜﺔ ﻟﻠﻨﺸﺮ واﻟﺘﻮزﯾﻊ، اﻟﺪار اﻟﺒﯿﻀﺎء/اﻟﺪار اﻟﻌﺎﻟﻤﯿﺔ ﻟﻠﻄﺒﺎﻋﺔ واﻟﻨﺸﺮ، ﺑﯿﺮوت، ﻟﺒﻨﺎن، ﺑﺪون طﺒﻌﺔ، ﺑﺪون ﺗﺎرﯾﺦ، ص .64

(2) ﻣﻘﺪﻣﺔ دﯾﻮان »أﺳﺮار اﻟﻈﻞ اﻷﺧﯿﺮ«، ﻣﻠﯿﻜﺔ ﻣﻌﻄﺎوي اﻟﻌﺮﺑﻲ، اﻟﺘﻨﻮﺧﻲ ﻟﻠﻄﺒﺎﻋﺔ واﻟﻨﺸﺮ واﻟﺘﻮزﯾﻊ، اﻟﻄﺒﻌﺔ اﻷوﻟﻰ: 2011م، ص .5

(3) ﻧﻔﺴﮫ، ص .17

(4) ﻣﻘﺎل: »ﺗﺤﻮﻻت اﻟﺼﻮرة اﻟﺸﻌﺮﯾﺔ ﻓﻲ ﻗﺼﯿﺪة ﻣﺎ ﺑﻌﺪ اﻟﺤﺪاﺛﺔ«، أﻣﺎﻧﻲ ﻓﺆاد، ﺿﻤﻦ ﻣﺠﻠﺔ »ﻋﻼﻣﺎت ﻓﻲ اﻟﻨﻘﺪ«، إﺻﺪارات اﻟﻨﺎدي اﻷدﺑﻲ اﻟﺜﻘﺎﻓﻲ ﺑﺠﺪة، اﻟﻤﺠﻠﺪ 18، اﻟﺠﺰء 70، ﺷﻌﺒﺎن 1430ھـ/ أﻏﺴﻄﺲ 2009م، ص .54

(5) »اﻟﺮؤﯾﺔ واﻟﻔﻦ ﻓﻲ اﻟﺸﻌﺮ اﻟﻌﺮﺑﻲ اﻟﺤﺪﯾﺚ ﺑﺎﻟﻤﻐﺮب«، ﻣﺮﺟﻊ ﻣﺬﻛﻮر، ص .46

(6) ﻣﻘﺎل: »ﺗﺪاﺧﻼت اﻟﺼﻮرة واﻧﺰﯾﺎﺣﺎﺗﮭﺎ ﻓﻲ ﺷﻌﺮ اﻟﺤﺪاﺛﺔ«، أﺣﻤﺪ اﻟﺼﻐﯿﺮ، ﺿﻤﻦ ﻣﺠﻠﺔ »ﻋﻼﻣﺎت ﻓﻲ اﻟﻨﻘﺪ«، إﺻﺪارات اﻟﻨﺎدي اﻷدﺑﻲ اﻟﺜﻘﺎﻓﻲ ﺑﺠﺪة، اﻟﻤﺠﻠﺪ 18، اﻟﺠﺰء 71، ذو اﻟﻘﻌﺪة 1431ھـ/ﻧﻮﻧﺒﺮ 2010م، ص .289

(7) نفسه، ص 291.

(8) ديوان «أسرار الظل الأخير»، مرجع مذكور، ص 25.

(9) «الخيال: من الكهف إلى الواقع الافتراضي»، شاكر عبد الحميد، سلسلة عالم المعرفة، منشورات المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، العدد 360، فبراير 2009، ص 50.

(10) ديوان «أسرار الظل الأخير»، مرجع مذكور، ص 26 – 27.

(11) نفسه، ص 33 – 34.

(12) مقال «تداخلات الصورة وانزياحاتها في شعر الحداثة»، مرجع مذكور، ص 289 – 290.

(13) نفسه، ص 54.

(14) ﻣﻘﺎل: »ﺗﺤﻮﻻت اﻟﺼﻮرة اﻟﺸﻌﺮﯾﺔ ﻓﻲ ﻗﺼﯿﺪة ﻣﺎ ﺑﻌﺪ اﻟﺤﺪاﺛﺔ«، مرجع مذكور، ص 62.

(15) ديوان «أسرار الظل الأخير»، مرجع مذكور، ص 31 – 32.

(16) نفسه، ص 43.

(17) نفسه، ص 59.

(18) نفسه، ص 57.

(19) «بنية اللغة الشعرية» جون كوهن، ترجمة محمد الولي ومحمد العمري، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، الطبعة الأولى: 1986، ص 37.

(20) ديوان «أسرار الظل الأخير»، مرجع مذكور، ص 7.

(21) «الصورة الفنية في التراث النقدي والبلاغي عند العرب، جابر عصفور، المركز الثقافي العربي، بيروت/ الدار البيضاء، الطبعة الثالثة: 1992، ص 119.

(22) نفسه، ص 201.

(23) ديوان «أسرار الظل الأخير»، مرجع مذكور، ص 7.

(24) نفسه، ص 73

 

ناقد من المغرب

عن madarate

شاهد أيضاً

الجمعية الإقليمية لرعاية الشؤون الثقافية تعقد اجتماعاً حاسماً لتنزيل موسمها الثقافي 2026 والتحضير لملحونيات

في إطار ديناميتها المستمرة وحرصاً على تنفيذ برنامجها السنوي الطموح، احتضن مقر الجمعية يوم السبت …

اترك تعليقاً