الرئيسية / الأعداد /  نظرات في التصور الغربي لمفهوم الثقافة – عزيز بعزي

 نظرات في التصور الغربي لمفهوم الثقافة – عزيز بعزي

نظرات في التصور الغربي لمفهوم الثقافة

عزيز بعزي*

 

أود في البداية أن أشير إلى صعوبة التوصل إلى تعريف ثابت قاطع للثقافة سواء في الفكر الغربي أم في الفكر العربي- الإسلامي، وليس في مقدوري الغوص في مثل هذه القضية حقيقة دون الوقوف أمام مشكلة تاريخية ولغوية واصطلاحية، بغية الوصول إلى دلالاتها ومعانيها ثم ماهيتها، بعيدا عن أي لبس أو شبهة تلحق بها في ثنايا تطورها،[1] ومن هنا يحق لنا أن نثير السؤال الآتي: ما هي أبرز دلالات كلمة الثقافة في الفكر الغربي؟

للدلالة على الثقافة والتربية، استعمل اليونانيون كلمة (PAIDIA)،[2] وفي اللغة اللاتينية نجد أن كلمتي التثقيف والتربية قد وردتا لمعنى كلمة (cultura)،[3] ذات الصلة الوثيقة بكلمة (CULTURE) التي تعود في أصلها إلى الفعل اللاتيني (CLERE)، والذي يراد به معنى ربى واعتنى،[4] وفي اللغات الجرمانية نجد أن مصطلح (BILDUNG)  يراد به التثقيف، والتنشئة والتشكيل[5]. وقد استعملت كلمة الثقافة في العهد الروماني للدلالة على جميع أصناف العلوم الإنسانية، من لغة وأدب وفن ومنطق… التي تحمل في طياتها فلسفات معينة واتجاها مميزا؛ حيث تستقل بها كل أمة عن غيرها من الأمم الأخرى، وعليه استخدمت بشكل مباشر للدلالة على الفنون غير العلمية وغير الطبيعية[6]. أما أول من استعمل مصطلح الثقافة (KULTUR)، وقالوا إنها الحضارة هم الألمان – كما ذهب المفكر والمؤرخ المصري حسين مؤنس- حيث استخدموها بهذا المعنى زمنا طويـلا[7]، وحتى القرن التاسع عشر، فالثقافة عند الألمان هي مجموع ما تنتجه الأمة سواء من الناحية المادية أم من الناحية العقلية؛ وهي لا تنحصر في كل ما أنتجه فريديريك هيجل وإمانويل كانط وغيرهما من رواد الفكر الألماني، بل تتعلق بكل البنايات الضخمة والمؤسسات الاجتماعية التي تتوفر عليها ألمانيا؛ أو بصورة أدق هي كل ما أنتجته الحضارة الألمانية عموما. و اللافت أن لكلمة الثقافة في اللغة الألمانية وجهان: وجه ذاتي، ويقصد به ثقافة العقل، ووجه الموضوع؛ ويراد به مجموع العادات والأوضاع الاجتماعية والآثار الفكرية، وكل الأساليب الفنية والأدبية، والطرق العلمية والتقنية، وأنماط التفكير والقيم الذائعة في مجتمع معين، أو بعبارة أخرى هي طريقة حياة الناس، وكل ما يملكونه ويتداولونه،[8] وقد اقتبس الألمان لفظ الثقافة (KULTUR) من (CULTURE) اللاتينية، ويراد بها إصلاح الشيء وتهذيبه وإعداده للاستعمال، والثابت أن كلمة (CULTURE) ذات صلة وثيقة بكلمة (AGRICULTURE) التي تدل على إصلاح الأرض وزراعتها، بحكم أن الإنسان الأوربي هو إنسان أرض، بينما حضارته هي حضارة زراعة[9].

بحكم أن الثقافة عند غير الألمان – أي الشعوب اللاتينية كالفرنسيين والإسبان والإيطاليين- ليس لها مدلول مادي بجانب المدلول العقلي، فهي تقتصر على كل ما أنتجه العقل فحسب[10]. ومن معاني كلمة الثقافة أيضا التهذيب بالروح (CULTURA ANIMI)، والتهذيب الرباني (DEI CULTURA) كما جاء في الأدب اللاتيني المسيحي، ولعل الدارس لمفهوم الثقافة(CULTURE) يجد أن الخطيب والسياسي الروماني المشهور شيشرون[11] تناولها بمعناها المجازي؛ حيث عرف الفلسفة بأنها تثقيف الفكر،[12] أي تهذيب العقل (PHILOSOPHIA CULTURA MENTES EST)،[13] مؤكدا أن مهمتها تكمن في تنشئة الناس على تكريم الآلهة[14]، كما يطلق على كلمة الثقافة أيضا العبادة (DEI CULTUS) أي عبادة الله، أو دين الله على أساس أن العبادة تتعلق بتهذيب الفعل وترويضه[15].

***

في فرنسا على وجه التحديد، اتخذت كلمة الثقافة معنى الطقوس الدينية (CULTES)،[16] خلال القرون الوسطى – التي امتدت من مطلع القرن السادس إلى القرن الحادي عشر الميلادي – وقد لازم هذا المعنى حقل الثقافة حتى عصر النهضة الغربية الحديثة – التي امتدت من القرن الخامس عشر إلى السابع عشر الميلادي – حيث كانت أوربا “مكان الالتقاء وبوتقة الانصهار لمؤثرات متنوعة؛ كالتراث الإغريقي والروماني والجرماني والأنجلوساكسوني مقترنا بتأثير الجزيرة العربية والصين”،[17] مما أدى إلى انبثاق جملة من الأعمال الأدبية الجليلة في الأدب والفن والفكر في القرن السادس عشر.[18] وهكذا انتقلت الكلمة اللاتينية (CULTURE) من الزراعة والعناية بالأرض إلى التعبير عن عطاء الفكر والواقع الاجتماعي،[19] وعليه أصبحت الثقافة عبارة عن “مجموع ثمرات الفكر في ميدان الفن والفلسفة والعلم والقانون”.[20] فالثقافة هنا ميراث من مواريث روما وأثينا، بينما النهضة تعبر عن عودة التاريخ القديم،[21] وهذا الرأي في حقيقة الأمر، لا يخرج عن دائرة إنكار ثقافة المجتمعات البدائية[22]. وعلى كل حال فقد عمد فلاسفة القرن السابع عشر إلى تطبيق المناهج العلمية في دراسة المسائل الإنسانية؛ لذا نجد أن فرانسيس بيكون ركز على صورة التثمير الزراعي، للدلالة على أحد مرامي الفلسفة، بينما استعمل جون لوك كلمة الثقافة بمعنى تهذيب الإنسان وتهذيب العقل، واستخدمها توماس هوبز للدلالة على العمل الذي يبذله الإنسان لغاية تطويرية، وميز بين التثقيف الذي يأخذ بعين الاعتبار القطاعات المادية وبين التثقيف المرتبط بالجانب النفسي، كالنشاط التربوي، والتعمق في المسائل الإيمانية[23]. وعلى اكتساب المعارف التي تنمي الحس النقدي والذوق والحكم؛ استعملت كلمة الثقافة في القرن الثامن عشر، بمعنى اكتساب معرفة متعمقة في ركن الفلسفة أو الأدب أو الفنون أو العلوم على اختلافها، ويمكن أن تتخذ معنى عاما يدل على المعرفة خارج نطاق الاختصاص؛ بحيث تمس المجالات الفكرية المتنوعة، والتي تعد ضرورية لكل إنسان مستنير، مما يتيح له التعامل مع كل قضايا الإنسان بدرجة راقية تتسم بالانفتاح والاستيعاب[24].

***

لقد أعاد رواد الفكر الفلسفي الألماني في القرن التاسع عشر النظر في طبيعة الثقافة وطبيعة الحياة الروحية، كما عالجوا العلاقة بين العلوم الثقافية والعلوم الطبيعية بناء على دراسة تاريخ الثقافة، وخلصوا في نهاية المطاف إلى أن لفظ الثقافة (KULTUR) يتعلق في الغالب الأعم بالعلوم الإنسانية في مقابل العلوم الطبيعية، وهذا الاستعمال قد تبناه الرومان كما أكدنا سابقا، و في هذا السياق أشار هيجل والفلاسفة الرومنطيقيون كنيتشه إلى القيم التي تتضمنها الثقافة، والعلاقة بين ما هو موضوعي وشخصي في التحول الثقافي. بيد أن معاصريهم من المفكرين الإنجليز انطلقوا من المسائل السياسية والدينية، لينظروا إلى الثقافة من جهة تطبيقاتها العملية[25].

ولقد حافظت كلمة الثقافة (CULTURE) حتى النصف الثاني من القرن التاسع عشر على جذرها اللغوي وكل الدلالات المشتقة منها؛ حيث انتقلت إلى إنجلترا، وأصبحت مرادفة لكلمة الحضارة.[26] ومن خلال تتبع كل التحولات التي طرأت على مصطلح الثقافة، يتضح أنه تطور مع نشوء وتقدم علم الأنثروبولوجيا[27] وعلم الإثنولوجيا[28] وعلم السيكولوجيا -النفس- وعلم السوسيولوجيا – الاجتماع -، وقد ظهر أول تعريف كلاسيكي للثقافة مع مؤسس الأنثروبولوجيا الإنجليزي إدوارد بيرنت تايلور، في أواخر القرن التاسع عشر، وفي أول فقرة من كتابه “الثقافة البدائية”[29] الصادر عام 1871م، عرف الثقافة بقوله “الثقافة أو الحضارة بالمعنى الإثنوغرافي[30] الواسع هي هذه المجموعة المعقدة التي تشمل المعارف والمعتقدات والفن والقانون والأخلاق والتقاليد، وكل القابليات والتطبيقات الأخرى التي يكتسبها الإنسان كعضو في مجتمع ما”[31]. ويعد هذا التعريف – العام والشامل لكل من الثقافة والحضارة والمدنية- من أولى الصياغات العلمية ذات الطابع الوصفي، وحسب ما ذهب إليه تايلور، فالثقافة تتألف من عنصرين أساسيين:- العنصر الأول: ويشمل الأمور المعنوية “اللامادية” كالمعتقدات والأخلاق والأعراف والقوانين،[32] وهذه المكونات في الحقيقة تمثل جوهر الثقافة، وأهم سماتها وأخطر ما فيها، بنظر دارسي الاجتماع الإنساني وعلم الإنسان، وهذا العنصر المعنوي من الثقافة يشكل محور تميزها واختلافها عن غيرها[33].

العنصر الثاني: يرتبط عمليا بالأمور المادية، كالوسائل والأدوات التي يستخدمها الناس في سلوكياتهم.

و الثقافة حسب هذا التعريف التـايلوري عملية اجتماعية بالكامل، مادامت الجماعة هي التي تقوم بصناعة معتقداتها وأخلاقها وقيمها، كما تقيم مصانعها وتمهد طرقها وأدواتها ووسائلها[34]. وإذا كان الأنثروبولوجيون قد استخدموا التعريف الذي صاغه تايلور للثقافة في أبحاثهم لمدة خمسين عاما،[35] فإن التقدم الذي شهده علم الأنثروبولوجيا أدى إلى تضارب، وتعدد التعريفات الخاصة بالثقافة إلى أن بلغت حسب بعض الدراسات النقدية عام 1952م حوالي مائة وستين تعريفا مختلفا[36]. وهذا الزخم في الحقيقة يضعنا أمام مشكلة اختيار تعريف واحد شامل للثقافة متفق عليه من لدن كل الباحثين، ولذا فمحاولة ” تحديد إطار ما تضمه [الثقافة] من مفاهيم في كلمات قليلة كمحاولة القبض على الهواء بالكف، إذ سرعان ما يدرك المحاول أنه موجود في كل مكان عدا ما في قبضته”،[37] وهذا ما جعل جابرييل جارسيا ماركيز الروائي والصحفي الكولومبي يصرح بأننا “جميعا نعرف في أعماقنا ما يعنيه اصطلاح الثقافة، ولكن من الصعوبة بمكان أن نصوغه في كلمات قليلة”[38].

بعد تايلور، يمكن للفاحص لمختلف التعاريف الموضوعة للثقافة أن يتوصل إلى حقيقة مفادها أن جل العلماء الذين درسوا هذا المصطلح بعناصره ومظاهره بدلوا وعدلوا، وأضافوا إلى التعريف التايلوري عناصر جديدة[39]. وعلى إثر ذلك برزت دلالات متنوعة للثقافة؛ حيث سعى الفكر الغربي إلى توسيع دائرة هذا المفهوم في كل مرحلة من مراحل التطور، وبروز معارف وعلوم حديثة، وعليه نجد أن تعدد تعاريف كلمة الثقافة أمر طبيعي يفرضه تعقد الحياة الإنسانية عموما،[40] وهذا ما يكتشفه الباحث من خلال ما ذكرته أشهر الموسوعات والقواميس والمعاجم الغربية حول مفهوم الثقافة.

***

تحت عنوان “الحضارة والثقافة”، ورد تعريف تايلور الكلاسيكي للثقافة[41] في الموسوعة البريطانية، وجاء فيها أن “الثقافة منهج للعيش تسلكه جماعة بشرية ما”[42]. وفي معجم “لاروس” نجد  أن الثـقافة تعني “مجمل الخصائص التي تتصف بها الحياة الثقافية والمادية في مجتمع بشري معين […] بلغ درجة قصوى من التطور”[43]. وللثقافة كما ذكر القاموس الفلسفي الشهير ل”لالاند” معنيين: معنى خاص ومعنى عام، فهي في معناها الخاص؛ تنمية بعض الملكات العقلية أو تسوية بعض الوظائف البدنية، ومنها تثقيف العقل وتثقيف البدن. وفي معناها العام؛ تدل على الخاصية التي تميز الرجل الحاذق المتعلم، من ذوق وحس انتقادي، وحكم صحيح[44].

بينما أشار قاموس “روبير” إلى أن كلمة الثقافة، مشتقة من فعل يعني الزراعة والاستنبات، وبعد ذلك استعيرت من هذا الحقل الدلالي الزراعي، و أصبحت تدل على تنمية بعض الملكات العقلية، بواسطة المران والتدريب الذهني المناسب[45]. أما قاموس أكسفورد فقد أشار إلى أن الثقافة “تمثل الاتجاهات والقيم السائدة في مجتمع معين، كما تعبر عنها الرموز اللغوية والأساطير والطقوس وأساليب الحياة، ومؤسسات المجتمع التعليمية والدينية والسياسية”[46]. بيد أن معجم ويبستر الدولي الجديد الثالث تناول كلمة الثقافة (CULTURE) بمعانِ مختلفة تتمثل في ما يأتي: “-أ- فن أو عملية الزراعة -ب- عملية التنمية الناتجة عن التعليم والنظام والخبرة الاجتماعية -ج- استنارة وامتياز التذوق اللازمين للممارسة الفكرية والجمالية “[47]. وفي هذا التعريف بالذات، يبدو أن معجم ويبستر جمع بين مفهومي الحضارة والمدنية، وجعلهما تحت مفهوم الثقافة رغم أن الفكر الأوربي – وخاصة الفكر الألماني- يرى أن الثقافة جزء لا يتجزأ من الحضارة، وهذا ما ذهب إليه معجم المجمع الفرنسي عام 1932م، والذي قسم بدوره الثقافة إلى عدة أنواع وصنفها إلى عامة وخاصة[48].

***

فالموسوعات والمعاجم والقواميس الغربية، لم تجمع على تعريف واحد للثقافة لذا تعددت وتشعبت معانيها، ويكتشف المتتبع لتفاصيلها أن مجمل التعريفات الاصطلاحية للثقافة في العصر الحديث متنوعة ومتعددة معا عند المهتمين والمشتغلين بها، تبعا للأغراض التي تؤديها، لكونها تتخذ معنى خاصا عند علماء الأنثروبولوجيا، وعند علماء الاجتماع وعلماء التربية[49]. فالثقافة لدى الأنثروبولوجيين، وأغلبية علماء الاجتماع تعني “جميع أنواع السلوك المتعلم والمتوقع في مجتمع، فيشمل المعنى العمران والأدوات ووسائل إنتاجها، كما يتضمن النظم والمعتقدات وأنواع المعرفة والفنون والآداب… والعادات والأعراف أي كل ما أنتجه الإنسان أو تبناه ضمن حياته الاجتماعية”[50]. ويرى علماء التربية أن الثقافة هي ” مجموعة الأفكار والمثل والمعتقدات والتقاليد والعادات والمهارات، وطرق التفكير وأساليب الحياة والنظام الأسري، وتراث الماضي بقصصه ورواياته وأساطيره وأبطاله، ووسائل الاتصال والانتقال، وطبيعة المؤسسات الاجتماعية في المجتمع”[51].

إذا فمكونات الثقافة ليست أمرا جزئيا بل هي أمر كلي، وهي ليست العادات والتقاليد منفردة، أو العقائد والمذاهب نفسها أو التربية بدلالاتها؛ وإنما كل واحد من هذه العناصر يشكل واحدا من عناصر الثقافة[52]. ومنذ نصف قرن تقريبا، ذهب المفكرون في الغرب إلى أن الثقافة تعني التهذيب، ومحاولة الوصول إلى الكمال، وأنها جماع المعارف الإنسانية، ورأى بعضهم مثل ت.س إليوت إلى أن الثقافة تجسيد لدين الشعب[53]. وفي عام 1970م عقدت منظمة الأمم المتحدة للثقافة والعلوم والتربية ندوة لمناقشة الحقوق الثقافية، وانتهت “الندوة” في إطار تناولها لمفهوم الثقافة إلى تعريفات شتى، ترتكز على “أن ثقافة شعب هي طريقته الخاصة به وموقفه منها، وآراؤه فيها وفلسفته تجاه مشاكلها ثم تصوره لوضعه في الحياة”[54]. وذكر المؤتمر العالمي بشأن السياسات الثقافية عام 1982م – تحت إشراف اليونسكو – أن “الثقافة بمعناها الواسع، يمكن أن ينظر إليها اليوم على أنها جماع السمات الروحية والمادية والفكرية والعاطفية التي تميز مجتمعا بعينه أو فئة اجتماعية بعينها”،[55] والثقافة هنا هي الطابع العام الذي يميز شخصية أية مجموعة من السكان القاطنين -أي المواطنين- في رقعة جغرافية معينة[56].

يكفينا القليل من التمعن، لنكتشف أن المفكرين الغربيين اختلفوا في تحديدهم لصيغة موحدة لعناصر مفهوم الثقافة، وهذا ما أدى إلى عدم الوصول إلى تعريف جامع مانع لها، غير أن هذا الاختلاف يظهر من ناحية الألفاظ فقط، بينما من ناحية المعنى فهي متقاربة؛ حيث يكمل بعضها البعض دون حصول أي تعارض بينها. فمجمل التعاريف الموضوعة للثقافة استفادت عمليا من التعريف الكلاسيكي الذي صاغه تايلور في أواخر القرن التاسع عشر. وقد سعى الفكر الغربي على كل حال إلى توسيع دائرة هذا المفهوم في كل مرحلة من مراحل التطور، وظهور ألوان عديدة من المعارف، والعلوم الحديثة المرتبطة بجميع الجوانب الإنسانية، وهذا كله يعد من أسرار تعقد ظاهرة تعريف الثقافة، رغم أن الجانب الثقافي من الركائز الأساسية التي ينبني عليها أي مجتمع؛ مادامت الثقافة والحضارة معا[57] تعبران عن هويته وأصالته؛ وتحدد أسلوب أفراده في الحياة، وتمثل قاطرة لتحقيق الحضارة والارتقاء والسمو،[58] وهذا ما يفسر كثرة الدراسات والندوات والاتفاقيات والمؤسسات المختصة بالمسألة الثقافية.

 

 

كاتب وباحث في شؤون الفكر العربي والإسلامي

 

 

الحواشي

[1] -Felipe verdugo-ulloa, Rôle de la culture dans le développement durable : portrait des débats et analyse des odd, Université du québec , Montréal, janvier 2018, p 6.

[2] – محمد صديق محمد حسن، دور التربية والثقافة في دعم التنمية البشرية، مجلة التربية، ع125، السنة27، يونيو1998م، ص ص42-55.

[3] – بمعنى استنبات الأرض.

[4] – عبد الرحيم السايح، أضواء حول الثقافة الإسلامية، ط1، د م، الدار المصرية اللبنانية، 1413هـ  1993م، ص21.

[5] – محمد رياض، الإنسان دراسة في النوع والحضارة، ط2، بيروت: دار النهضة العربية،1975م، ص173.

[6] – حسين مؤنس، الحضارة دراسة في أصول وعوامل قيامها وتطورها، عالم المعرفة، ع237، جمادى الأولى 1419ه، سبتمبر أيلول1998م، ص377. نادية شريف العمري، أضواء على الثقافة الإسلامية، ط4، بيروت: مؤسسة الرسالة، 1406هـ  1986م، ص14.

[7] – حسين مؤنس، المصدر السابق، ص377. يعقوب المليجي، المدخل للثقافة الإسلامية، دط، الإسكندرية: مؤسسة الثقافة الجامعية، 1985م، ص 33.

[8] – جميل صليبا، المعجم الفلسفي بالألفاظ العربية والفرنسية والإنجليزية واللاتينية، د ط، بيروت، دار الكتاب الوطني، مكتبة المدرسة، 1982م، ج 1، ص 378 – 379.

[9] – ول ديورانت، قصة الحضارة، ترجمة زكي نجيب محمود، ط3، القاهرة: مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، 1956م، مج1، ج1، ص5. حسين مؤنس، المصدر السابق، ص 377

-Paul Robert, Dictionnaire de la langue française, 2ème édition, Paris, p110

[10] – عبد الله إبراهيم، ثورة العقل، كتاب الجيب، ع1، أبريل 1999م، ص17.

[11] – الخطيب والسياسي الروماني المشهور.

[12] – معهد الإنماء العربي، الموسوعة الفلسفية العربية، ط1، د م، معهد الإنماء العربي، 1986م، مج1، ص311.

[13] – حسين مؤنس، المصدر السابق، ص377.

[14]– معهد الإنماء العربي، المصدر السابق، ص311.

عبد الله إبراهيم، المصدر السابق، ص 16-17.

[15]– حسين مؤنس، المصدر السابق، ص377.

[16]– الطاهر لبيب، سوسيولوجية الثقافة، دط، القاهرة: معهد البحوث والدراسات العربية،1978م، ص7. محمد علي كبسي، الثقافة بين إشكالية التجانس والتمايز، مجلة دراسات عربية، ع4، السنة20، فبراير 1984م، ص ص 22-39.

[17]– كلود ليفي ستراوس، العنصر والتاريخ والثقافة، ترجمة حليم أسعد، رسالة اليونسكو، السنة 48، فبراير 1996م، ص ص 30-32.

[18]– مالك بن نبي، مشكلة الثقافة، ترجمة عبد الصبور شاهين، ط4، بيروت، دمشق: دار الفكر المعاصر، دار الفكر، 1420ه-2000م، ص25.

[19]– أحمد نوفل، محمد عبد الغني المصري، محمود أحمد عويضة، في الثقافة الإسلامية، ط1، عمان: دار عمار، 1404هـ 1984م، ص7.

[20]– مالك بن نبي، مشكلة الثقافة، المصدر السابق، ص28. وفي هذا الصدد عرف هينري لاوست أحد كبار فلاسفة فرنسا الثقافة بأنها مجموعة الأفكار والعادات الموروثة التي يتكون فيها مبدأ خلقي لأمة ما، ويؤمن أصحابها بصحتها وتنشأ منها عقلية خاصة بتلك الأمة تمتاز عن سواها”. أما أرنيست باركر فقد رأى أن الثقافة هي” ذخيرة مشتركة لأمة من الأمم تجمعت لها وانتقلت من جيل إلى جيل خلال تاريخ طويل وتغلب عليها بوجه عام عقيدة دينية هي جزء من تلك الذخيرة المشتركة من الأفكار والمشاعر واللغة”. نادية شريف العمري، المصدر السابق، ص14.

[21]– مالك بن نبي، المصدر السابق، ص 28.

[22]– عكاشة، شايف، الصراع الحضاري في العالم الإسلامي، سلسلة دروس العلوم الاجتماعية، د ط، الجزائر: ديوان المطبوعات الجامعية 1984م، ص31.

[23] – معهد الإنماء العربي، المصدر السابق، ص12.

[24] – مصطفى حجازي، ثقافة الطفل العربي بين التغريب والأصالة، ط1، الرباط: المجلس القومي للثقافة العربية، 1990م، ص18.

[25]– معهد الإنماء العربي، المصدر السابق، ص 312. حسين مؤنس، المصدر السابق، ص 378.

[26]– الطاهر لبيب، المصدر السابق، ص12.

[27]– اصطلاح الأنثروبولوجيا تعريب للاصطلاح الإنجليزي ANTHROPOLOGY والاصطلاح الفرنسي l’anthropologie وكلاهما يرجع للجمع بين الكلمتين اليونانيتين ANTROPOS التي تعني الإنسان وLOGIA التي تعني علم أو دراسة أي أن المعني اللفظي للاصطلاح هو علم الانسان، فهذا العلم يهتم أساسا بالجانب البشري من حيث دراسة أجسام أفراده ومجتمعاته، وكذلك وسائل الاتصال في ما  بينهم وكل ما ينتجونه  سواء كان مادة أو فكرة أو علاقة اجتماعية. عاطف وصفي، الأنثروبولوجيا الاجتماعية، ط3، بيروت: دار النهضة العربية1981م، ص9-10.

[28]– الإثنولوجيا ETHNOLOGY علم يختص بدراسة ثقافات المجتمعات الموجودة وقت الدراسة، وكذلك الحضارات التي انقرضت بشرط توافر تسجيلات مكتوبة لشهود عاشوا في تلك  الحضارات، ومن ثم فإن الإثنولوجي يقوم بدراسة حضارة المجتمع أو المجتمعات التي يبحثها من حيث الدين والتقاليد والفنون الشعبية والنظم السياسية والاقتصادية وفروع المعرفة  والفنون الصناعية وكذلك المثل العليا والفلسفات. عاطف وصفي، المصدر السابق، ص15-16.

[29] – يعد كتاب الثقافة البدائية أول كتاب مدرسي في الأنثروبولوجيا. مارفن هاريس، الأنثروبولوجيا الثقافية، ترجمة أحمد حامد، د ط، الإسكندرية: منشأ المعارف، 1990، ج1، ص21.

[30] – إن كلمة إثنوغرافيا أوالناسوت هي الجزء الوصفي من النياسة “دراسة المجتمعات” فكلمة ETHNOS تعني قوم، ناس أما GRAPHEIN فهي تعني وصف، جاك لومبار، مدخل إلى الإثنولوجيا، ترجمة حسن قبسي، ط1، بيروت، الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، ص12.

[31] – مارفن هاريس، المصدر السابق، ص12-13، دينكن ميتشل، معجم علم الاجتماع ترجمة إحسان محمد الحسان، ط1، بيروت: دار الطليعة، 1981م، ص67. جاك لومبار، المصدر السابق، ص152-153.

[32] – علي أحمد مدكور، التربية وثقافة التكنولوجيا، ط1، نصر: دار الفكر العربي ، 1423ه – 2003م ، ص 25.

[33] – محمود عليمات، الثقافة الإسلامية وتحدي العولمة، مجلة إسلامية المعرفة، ع 24، السنة6، 1422ه-2001م، ص ص 89- 115.

[34] – علي أحمد مدكور، المصدر السابق، ص 25.

[35] – علوي طه الصافي، تعريف الثقافة ومفهومها، مجلة الفيصل، ع143، السنة 12 ديسمبر 1988م، يناير 1989م، ص ص 6-12.

[36]  – محمد علي كبسي، المصدر السابق، ص ص 22-39.

[37] – محمد صديق، محمد حسن، المصدر السابق، ص ص 11- 55.

[38]– بهجت النادي، عادل رفعت، لاباركا ميجيل، حديث مع جابرييل جارسيا ماركيز حرفة الكاتب، ترجمة حليم أسعد، رسالة اليونسكو، السنة48، فبراير 1996م، ص ص 4-7.

[39] – أحمد بن نعمان، هذه هي الثقافة، دط،الجزائر: شركة دار الأمة، د ت، ص 20. محمد السويدي، مفاهيم علم الاجتماع الثقافي ومصطلحاته، ط1، الجزائر، تونس: المؤسسة الوطنية للكتاب، الدار التونسية للنشر، 1411هـ1991م، ص46- 48.

[40] -أحمد بن نعمان، المصدر السابق، ص24.

[41] – عفت، الشرقاوي، في فلسفة الحضارة الإسلامية، د ط، بيروت: دار النهضة العربية 1978م، ص11.

[42] – علوي طه الصافي، المصدر السابق، ص ص 6-12. محمد العربي الخطابي، الثقافة الإسلامية مميزاتها وسبل تنميتها، مجلة الإسلام اليوم، ع12، 1415هـ / 1994 م، ص ص 17–30.

[43] – جاك لومبار، المصدر السابق، ص155.

[44] – محمد العربي الخطابي، المصدر السابق، ص ص17-30. جميل صليبا، المصدر السابق، ص 378.

[45] – مصطفى حجازي، المصدر السابق، ص18.

[46] – فؤاد زكريا، خطاب إلى العقل العربي، كتاب العربي، ع17، 1987م، ص14.

[47] – علوي طه الصافي، المصدر السابق، ص 7- 8.

[48] – نفس المصدر، ص8.

[49]– ياسين غادي، الثقافة الإسلامية في ثوبها المعاصر، ط1، مؤته: مؤسسة رام للتكنوجيا والكمبيوتر، 1415هـ 1994م، ص13.

[50]– إبراهيم عثمان، مقدمة في علم الاجتماع، ط1، رام الله: دار الشروق، 1999م، ص 156.

[51]– أحمد نوفل وآخرون، المصدر السابق، نقلا عن شفشق، التربية المعاصرة، ص39.

[52]– حسن عيسى عبد الظاهر، أحمد محمد الطيب، حسن عبد الرؤوف محمد البدوي، خليفة حسين العسال، بحوث في الثقافة الإسلامية، ط1، الدوحة: دار الحكمة، 1414هـ 1993م، ص14.

[53]– حسين مؤنس، المصدر السابق، ص 378.

[54]–  نفس المصدر، ص385.

[55]– أحمد بن نعمان، المصدر السابق، ص 23.

[56]– نفس المصدر، ص23.

[57] -SAMUEL P. HUNTINGTON, LE CHOC DES CIVILISATIONS, traduction française: ÉnmoNs ODILE JACOB,  PARIS, novembre 1997, p 37.

[58] – Serge Chaumier : L’Inculture pour tous. La nouvelle utopie des politiques culturelles. Éditions L’Harmattan, 2010, p.21.

عن madarate

شاهد أيضاً

الجمعية الإقليمية لرعاية الشؤون الثقافية تعقد اجتماعاً حاسماً لتنزيل موسمها الثقافي 2026 والتحضير لملحونيات

في إطار ديناميتها المستمرة وحرصاً على تنفيذ برنامجها السنوي الطموح، احتضن مقر الجمعية يوم السبت …

اترك تعليقاً