رمضان الذي عشته بحينا… “

عبداللطيف بلمعطي*
كلما وفد رمضان علينا، إلا واجتاحتنا غمرة من السعادة والبهجة، كانت ترغمنا على حسن تدبير أيامه لعبا؛ إذ تبدأ الاستعدادات له قبل حلوله بأسبوع أو يزيد على ذلك، يشترك فيها الجميع داخل وحدة الحي الثقافية، قوامها العوائد الطيبة الموروثة عن الأسلاف.
ما إن يدنو الشهر الفضيل منا، حتى تتزين الأيام تجملا لقدومه؛ رائحة طحين يحرق بالأفران البلدية، وبيوت تفوح منها نسائم وجبات خاصة، لم نكن نشتم رائحتها إلا في هذا الشهر المبارك… يتجمل رمضان ويزيد رونقا حينما يطرق باب حينا، ذاك المكان المقدس لكل من عاش الطفولة بين أسواره. حي رائع ذو شكل دائري، معبور إليه عبر ثلاث مداخل، يحضننا كقلعة من العصور الفيودالية الغابرة. حي كانت نساؤه أمهاتنا جمعيا، بفضل طيبتهن سكن الدفء زوايا حينا.
بيننا نحن الصغار يومها، كان البحث متواصلا عن سبل متعتنا، حتى نلون من خلالها هذا الشهر بألوان الفرح… كنا نسابق بعضنا البعض، أينا يجد المعلبات الغذائية ذات الحجم الكبير (حك مطيشة) حتى يتسنى لنا تزينها على طريقتنا الخاصة، فنجعل منها مصابيح دراجات نارية، نستكمل وهمها بأصواتنا المزمجرة… نصوم من اليوم نصفه أو نخيطه بنصفه الآخر من الغد أو لا نصوم… ننتظر إذن الخروج بعد الفطور بفارغ الصبر، فنهتف من المتلازمات ما اقتبسناه عن من سبقونا سنا:
” تيريرا تيريرا هذا عام الحريرة… ”
يتوحد صوتنا هتافا، ويصير الحي كله صدى طفوليا… أجواء ماتعة لا تبلغ هذه الكلمات حجم فرحتها، ولا توفيها حق ما استشعرناه خلالها من جمال اللحظة.
كلها لحظات جميلة، غير أن ليلة السابع والعشرين كانت الأجمل وذروة ليالي فرح الشهر الفضيل.
يستعد الجميع لهذه الليلة استعدادا يليق بحجمها الثقافي داخل إطار مفهوم “العواشر”، وبمكانتها الدينية لكونها الليلة التي ترفع فيها أعمال المسلمين. ليلة كانت نساء الحي تتهيأن لها منذ الصباح، فتمتزج فيها رائحة الكسكس ببخور النيات الطيبة؛ غير أن استعداد البطن لدينا -نحن الصغار- كان الأكبر من هذا كله. كيف لا، ونحن على موعد مع اقتحام جل بيوت الحي، كي نتذوق مما كانت تغزله نساء الحي فنا في شكل “قصعات الكسكس”، وجبة واحدة لكن سياقاتها مختلفة من بيت لآخر.
نجتمع في ساحة الحي بعد آذان العشاء، دقائق معدودة حتى تنادي علينا إحدى رائعات حينا يومها: الوالدة “فاطنة الدكالية”، ثم الحاجة مي “ربيعة”، مي “الشعيبة الشاوية”، مي “نجاة”، مي “منانة”، مي “امباركة الرحالية”، ومي “الصحراوية”… رحم الله من وافتها المنية منهن، وأطال في عمر الباقيات.
كن زخما ثقافيا حيا، بمرجعيات اختلفت باختلاف روافد أصولهن القروية؛ تستقبلنا الواحدة تلو الأخرى بعد أن أعددن لنا مكانا يليق بنا، فنحن في أعينهن زمنئذ “ملائكة الرحمان” الذين سيملؤون بعد الأكل، جنبات البيت ترتيلا من قصار سور القران الكريم.
فجأة ! ويبرز “مروان” مشاكس الحي يومها، فيشرع في الدعاء خيرا لأهل البيت، يترحم على من غادرنا منهم إلى دار البقاء، ونحن نردد خلفه: أمين… أمين… أمين…
هكذا كان حالنا ليلة السابع والعشرين، ننتقل من بيت لآخر الى أن نستكمل البيوت المحددة، ثم نعود إلى ساحة الحي من جديد، نتبادل الطرائف التي صدرت منا لحظتها، ضاحكين فاكهين… إلى حين هتاف أمهاتنا بلزوم العودة إلى البيت، معلنات نهاية نسائم ليلة مباركة رائعة.
نخلد ليلتها إلى نوم هادئ، متاهات أحلامه لا تجاوز أسوار قلعة حينا…
كم كان رائع حينا.
قاص من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي