الرئيسية / الأعداد / هجرة الروح، وصراع الكينونة والوجود في رواية سراب للكاتب والروائي عادل لشكر – حسن الطيبي

هجرة الروح، وصراع الكينونة والوجود في رواية سراب للكاتب والروائي عادل لشكر – حسن الطيبي

  هجرة الروح، وصراع الكينونة والوجود في رواية سراب للكاتب والروائي عادل لشكر

حسن الطيبي*

 

مدخل القراءة:

الرواية حاجة فنية واجتماعية، تدفع بالروائي إلى التعبير والكتابة من أجل البوح، وجعل فضاء الرواية فضاء ترتفع فيه أصوات المقهورين في جوقة الحياة، لذلك يتطلب تشييد المعمار الروائي حضور العمق الإنساني، وصراعه الدائم مع الواقع المظلم الذي يطار كينونته ويهدد وجوده.إن هذا التشييد يكسب النص قوة وخلودا في روح قارئه، لأنه يلامس وجدانه ويتسرب داخله من خلال ثنائيات متعددة: الجسد والروح، الكينونة وصراع الوجود، الأمل واليأس، الكائن والممكن .

وموضوعات أخرى أخرجت الرواية المغربية على وجه الخصوص من دوائرها التقليدية، وهذا ما حققته رواية “سراب ” لكتابها الروائي عادل لشكر، حيث تناول هذا العمل وقائع وأحداث وتطورات سردية في متن روائي يجوز تصنيفه في الكتابة الروائية ما بعد الحداثة.

وفي هذه القراءة النقدية سأحاول دراسة متن الرواية لا بوصفه نصاً مغلقا على ذاته، بل بوصفه فضاء مفتوحا على صراع الإنسان مع ذاته ومع الوجود.

وقبل الخوض في غمار هذه القراءة سأتوقف قليلاً عند عتبات النص مقتصرا على عنوان الرواية وصورة غلافها .

العنوان: سراب

العنوان هو عتبة النص الأولى وبوابته التي تعكس فلسفة العمل وبعده الرمزي، وتجذب انتباه القارئ ليكون جزءا من العمل الإبداعي لا قارئا عاديا له، حيث يعد عنوان هذه الرواية المتقدمة رحماً خصباً يتمخض فيه النص وينمو، أي بمثابة سؤال إشكالي يأتي النص ليقدم إجابة عنه:

ونعلم جميعا أن السراب هو ما يراه المرء أو الناظر في الصحراء فيتوهم أنه ماء .¹ أو كما ورد في قوله تعالى: { وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا}

وإذا ربطنا دلالة العنوان بالموضوع المطروح في متن الرواية، اكتشفنا قدرة كاتبته على عدم الإفصاح المباشر، وهذه ميزة متفردة في الكتابة الروائية الحديثة التي تنحو منحى الإيحاء والترميز

 صورة الغلاف:

يتوسط الصورة قارب يحمل بين ثناياه مجموعة بشرية هاجرت أرواحها قبل أجسادها في تجاه المجهول والسراب ، حيث لا مس الشراع عنوان الرواية تعبيرا عن الهجرة نحو الوهم والسراب وسط أمواج منصهر بين برين : بر وطن لا يرحم، وبر أرض الأحلام، التي تبدو غير ممكنة.

إن الروائي عادل لشكر لا يقدم من خلال منجزه الروائي “سراب” إحصائيات حول ظاهرة الهجرة السردية، أو ما يسمى في العامية “الحريك”، أو يفصل في أسبابها أو يقترح لها حلولا وإنما يجعلنا نحن القراء نغوص في الجانب الإبداعي المتخفي من خلال رصد الصراع القائم بين الذات ودواخلها الممتدة نحو الوجود الإنساني، وليس صراعا مع الناس، بل مع الفراغ الذي يظهر لك في لحظات الصمت .

وكلنا نعلم أن صراع الوجود لا يحل ولا ينتهي بل يعاش. وهو الصراع نفسه الذي عاشته شخصية “أحمد” بطل رواية سراب. لذلك اخترت أن أتبع هذه الذات الفردية الدالة على الذات الجماعية،  معتمدا على المقاربة السوسيو- نفسية من خلال مفترة ما قبل العبور وتضم هاته الفترة مرحلتي التفكير والاستعداد .²

1- مرحلةالتفكير:

إن الهجرة في مفهومها الوجودي تبدأ من اللحظة التي يشرع الشخص بالتفكير فيها، وذلك لأن المهاجر السري يهجر وطنه الأصلي فكريا ونفسيا، قبل هجرة الجسد، ويبدأ في تركيب علاقة حالمة مع نفسه .

( الرفاهية والترف والمال) وهو ما جاء على لسان أحمد في الصفحة السابعة “كانت الهجرة بالنسبة لي أكثر من حلم… كانت وعدا بالسعادة ووعداً بوطن لم يولد بعد”⁷ يوضح هذا المقطع أن “أحمد” قد تشبع بتلك القيم، وراح يفكر في الضفة الأخرى، إنها فترة من التأمل الذاتي والصراع الداخلي المنشطر بين فقدان دفء الأسرة وحنوها ، والحلم الذي يمتطي قمة البلد الأخر .يقول مرة أخرى في ص 9 “وبدأت الهجرة تتسلل إلى رأسي كشيطان حنون… تعدني بالخلاص وتحذرني من البقاء.”⁹⁹

2 – مرحلة الاستعداد:

وفيها يحاول المهاجر استجماع قدر من المال، إما بضغط على العائلة لبيع أرض فلاحية أو بيع قطيع من الماشية ، أو مجوهرات الأم التي يخصم في الأصل من قيمتها. لكن هذا التصور لم يحضر في رواية سراب، كون الشخصية البطلة، شخصية عصامية وقوية، لم تمارس ضغطا ماديا على العائلة بمختلف أفرادها ا، وما أكسبه ذلك هي الضربات المتوالية على روحه ،من بينها  هجرته الفاشلة إلى ليبيا، قبل أن يصطدم بالواقع القاسي في عهد الرئيس الراحل معمر القذافي، عاد أحمد إلى قريته واركي قلعة السراغنة وحلم الهجرة لم يفارقه« عدت إلى دوار العميرات واركي ، مدينة قلعة السراغنة فإذا بها نفس القرية التي تركتها : صامتة مهمشة ، تقتات من الفلاحة ، وتقدم لأبنائها الوهم على أنه مصير » ⁹  لذلك أعد أحمد العدة والزاد من أجل تحقيق حلمه، وحلم كل شباب قرية لعميرات ،وقبل توجهه إلى مطار الدار البيضاء، توجه صوب، أسرته ليودعها قبل ركوب السراب رفقة سرب من أصحابه.

فكما استيقظ أحمد باكرا على وقع سيارة الأجرة التي ستأخذه للضفة الأخرى، استيقظت روحه على وقع صمتٍ قاتل.

فلحظة وداع الأم لابنها المهاجر مؤثرة، ولكن لحظة وداع أحمد لدفء الأسرة أكثر وجعاً، حيث انشطرت كينونته بين قريته والهناك المجهول، وانشطرت روحه بين عالم الأحياء وعالم الأموات .

فترة أثناء العبور : وتضم مرحلتي التربص والعبور وهي مرحلة تسافر فيها روح المهاجر في انتظار جسده، الذي قد يصل في ظروف صعبة أو قد لا يصل فيصبح الموت مصيرا لأحلام رسمت بألوان الوهم والسراب.

1-التربص :

ولا تقل هذه المرحلة خطورة من غيرها. فالمرشحون للهجرة السرية يضطرون للإقامة عند سماسرة الهجرة، في ظروف صعبة، يطبعها الجوع والخوف والقلق، في انتظار أن يتم قبول رشوة من طرف خفر السواحل أو من لهم القدرة على ذلك .

يقول أحمد ص 43: “بعد أن ودعنا المهرب بابتسامة تخفي خلفها الكثير، اصطحبنا الشخص المكلف بِنقلنا إلى الباخرة… مرت ساعات طويلة ونحن ننتظر، كل دقيقة تمر تزيد من ثقل القرار الذي اتخذناه“.

فإذا كان أحمد يقول : كل دقيقة تمر تزيد من ثقل القرار وهو وسط الباخرة، فإن روحه كانت تقول:  في سرها كل دقيقة تمر تزيد من ثقل السراب والوهم، لذلك جعلت الرواية من هذه المرحلة محطة لتمزق الكينونة بين ثنائية الوجود والعدم .

2-العبور: وفيها يركب المهاجر السري قوارب الموت، أو حاويات الشاحنات، أو صناديق السيارات، أو مخازن الطائرات… تحت تهديد الموت غرقاً، أو اختناقاً، أو سحقاً، أو رمياً بالرصاص، لتصبح بذلك الروح المهاجرة معذبة مرتين: الأولى   في الوطن الكائن ، والثانية في الحلم الممكن.

يقول أحمد في ص 57 « فجأة ظهر خفر السواحل التركية على الأفق، ارتفعت موجة من الذعر بيننا» وهذا المقطع من الرواية هو إشارة إلى الفشل في تخطي المياه الإقليمية التركية ، وإلى بداية ظهور ملامح السراب بدل التخطي والوصول .

ابتلعت هذه المرحلة معظم أنفاس الرواية، ولم تترك للحكاية إلا همساً على الهامش، كونها شملت أغلب فصول الرواية ( الوصول إلى تركيا ، سجن سوريا ، العودة الى تركيا ، إيران )  أشار فيها بطل الرواية «أحمد » إلى العذابات والضربات التي تعرض لها رفقة باقي المهاجرين باختلاف لغاتهم وأجناسهم ورد في الصفحة 70 « الزنازين كانت ضيقة جداً، ثلاث زنزانات فقط لأربعة وسبعين رجلاً»

وتستمر هذه المعاناة في الفصول الأخرى الدالة على فترة العبور سواء تعلق الأمر بالسجون أو تجاوز الحدود البرية التي لا تقل خطورة عن البحرية .

يقول أحمد بصوت مشبع بالآلام :

” أتذكر جيداً أنه كان شهر رمضان، كنا نصوم… ومع حلول الإفطار كنا نتشارك خمس تمرات فقط، وبعض الماء”. ¹¹²

ما بعد العبور : وفيها يصل المهاجر إما للموت، أو الطرد، أو التواجد غير القانوني في الأرض الموعودة، وفي أقصى الأحوال تسوية وضعيته ليصبح فاعلاً في مرحلة التغرير بالوهم والسراب.

استفاق “أحمد” في الفصل الأخير من أحلامه وأوهامه خاصة عندما وجد نفسه في مكان غير الذي صنعه في مخيلته

ص 218″ عندما استيقظت..، فتحت عيني ونظرت من النافذة، مشهد الشوارع الهادئة أمامي مختلفة عما تخيلته.

ويقول أيضاً في سياق الاستفاقة من الوهم

“حملت معي آمالاً كبيرة وطموحات بلا حدود، لكنني أيضاً كنت أحمل في قلبي خبيئة أمل وخوفاً من المجهول”.

وصل لضفة الغربة والطرد، والفقدان واليتم الروحي إنه سؤال الكينونة الذي لا ينتهي سؤال الوجود العدم.

إن المهاجرين ليسوا سواء، فمن اختار الهجرة بطريقة شرعية ليس كمن ألقى بنفسه في قوارب الموت هرباً من خفر البحر كما هو حال بطل رواية سراب “أحمد”، أمله الوحيد أن يصل به القارب نحو الضفة الأخرى مناجياً ربه أن يكون البحر رحيماً، مُتمنياً ألا يواجهه شبح الغرق والموت، راغباً أن يصل بأمان إلى ذلك العالم الذي لطالما اعتبره سبيله الوحيد للحرية والأمان وتحقيق الأحلام، والحقيقة المُرّة أنه قد يصل أو لا يصل، هو يعلم أن هذه مجازفة قد تنتهي بالموت وخيبة الأمل لكنه في معركة لا يريد أن يخسرها، إنها معركة الصراع من أجل الوجود والبقاء.

لقد استطاع الروائي عادل لشكر أن يضعنا أمام واقع الهجرة السرية وما يرافقها من أوهام وآمال تصطدم بواقع قاسٍ. وقد نجح الكاتب في تصوير معاناة “أحمد” الباحث عن مستقبل أفضل، مبرزاً الثمن الإنساني والنفسي الذي قد يدفعه المهاجر في سبيل تحقيق أحلامه. وتخلص الرواية إلى أن السعادة والنجاح لا يكمنان دائمًا في «الضفة الأخرى»، بل قد يتحققان بالإرادة والعمل داخل الوطن. وهكذا تصبح «سراب» رواية تشتغل على روح المهاجر وكينونته قبل جسده.

التحليل النقدي لرواية “سراب” يبدو عميقاً ومثيراً للاهتمام؛ هل هذا النص جزء من مراجعة أدبية، أم مقال، أم واجب دراسي تود تطوير أسلوبه اللغوي أو محتواه بشكل أكبر؟

المراجع:

  • دراسة تحت عنوان: الهجرة السرية في الرواية المغربية – د. عبد الواحد العرجوني، 2009.
  • ذاكر، عبد النبي: تخييل الهجرة السرية، المركز المغربي للتوثيق والبحث في أدب الرحلة، الطبعة الأولى.

كاتب من المغرب

عن madarate

شاهد أيضاً

الحرف الكبير والزوج الصغير: حين تنتقم الكاتبة من المثقف العاجز عن الكتابة – عمر أيت سعيد

عمر أيت سعيد*   من رحم الأدب العالمي، اخترنا لكم رواية “مارسيلا لاكوب“، في قراءة …

اترك تعليقاً