محفل مضيء في ساحة الهايكو
سامح درويش*
حسنًا .. لأقل- مرة أخرى- إن فن الهايكو هو أن نعيد اكتشاف ما نعرفه وما ألفناه، لكن من زاوية التقاط جديدة، هو أن نستطيع القبض على هبّة ريح بُرهة ثم نطلقها إلى هبوبها الأبدي، هو أن ننجح في منح اللحظة الزائلة وجودا سرمديا، هو أن نتمكن من الاحتكاك والتفاعل مع الطبيعة والمجتمع من حولنا من زاوية ظلت مغفلة، هو أن نكتب وندون بتلقائية وبراءة طفل لكن بحنكة وخبرة شيخ، هو ذلك المطهر الذاتي للحواس من شوائب العادة، هو أشبه ما يكون بالتماع عينيْ قطّ وسط حلكة الظلام، على الهايجن أن يُوفّق في نقلها وإيصالها للمتلقي بما يعادل دهشة وجمالية وتلقائية التماع تينك العينيْن كما يحدث على حين غرّة في الواقع، بل هو – يبدو لي أحيانا – أقرب ما يكون إلى طائر السُّبد الذي يحمل لون الأرض التي يعيش فيها، هذا الطائر المتفرد الذي كلما اقتربتَ منه واعتقدتَ أنك على وشك القبض عليه يطير أماما ثم يحط غير بعيد عنك ليعطيك انطباعا مستمرا أنك قادر على القبض عليه، وهكذا دواليك من غير أن تتمكن من القبض المبرم عليه إلا إذا حدثت أعجوبة ما، لذلك فالهايكو يبدو لي مثل أعجوبة لا يمكن أن تحدث كثيرا، ويبدو لي “الهايجن” مثل من ينحت على الضوء لا تكاد منحوتته تكتمل حتى تبدأ في النقصان.

ولما كان الهايكو بكل تلك الأبعاد، فإنه يصير في النهاية عند تحقّقه لحظة استنارة وتصير ممارسته مهارة اقتناص تلك اللحظة الآنية في أبعادها الثلاثة. ولما كان في تشكّله اللغوي لا يشير إلا إلى ما يشير إليه، فإن ظل تلك الإشارة ليس سوى بحجم الحقيقة بدلالاتها في ثقافة معينة، بحجم الحقيقة فحسب وليس أبعد منها. ولما كان الهايكو أيضا لحظة حسية ضد العادة الشعرية، وليس شطحة خيال أو مناورة مجاز، ولا نزوة شعرية تتحقق بمضاجعة اللغة، فإنه يتوق إلى العودة بهذه اللغة إلى بساطتها وبراءتها أي إلى ما قبل تهجينها بالمجاز. ولما كان الهايكو -اليوم – قد تبوأ موطئ قلم في مشهدنا الشعري العربي، واستطاع أن يثبت حضوره في هذا المشهد باستقطابه لعدد هائل من الأصوات والأقلام، واستطاع أن يحظى باهتمام عدد من الباحثين والأكاديميين، وأن يلفت انتباه عدد من وسائل ومؤسسات الإعلام والنشر، وأضحت له نواديه وإصداراته، فإن الأمر قد أصبح يطرح تحديات جمة ويثير أسئلة جادة حول كتابة الهايكو وتذوقه وتلقيه وقراءته ونقده من داخل شعريتنا وثقافتنا العربيتين.
مناسبة هذا الاستهلال وتوارد هذه الأفكار، هي تلك الخلجات والأحاسيس التي اكتنفتني وأنا أقرأ مسودة مجموعة الهايكو الرابعة للهايجن المصري المنوفي حسني التهامي التي اختار لها عنوانا مفارقا: ” حفل راقص في ساحة المقبرة”، وكأنه يثير في القارئ منذ عتبة العنوان تلك الارتجاجة الساحرة التي يحدثها الهايكو الموفق عادة في نفس متلقيه، ويقدم عربونا للدهشة التي ستغمر القارئ وهو يستكشف الديوان من التقاطة إلى أخرى. فحسني التهامي الذي اكتشفت قلمه شيئا فشيئا على صفحات الهايكو العربية ونواديه منذ حوالي ثمان سنوات، وتتبعت تجربته المميزة في الهايكو كتابة وبحثا وترجمة، وازددت اهتماما بهذه التجربة بعد الاطلاع على مجموعته الثالثة في الهايكو ” مزار الأقحوان” الصادرة سنة 2021، وتتبع مختلف فعاليات الهايكو التي يشارك فيها هنا وهناك، وكذا مختلف ما يصدر عنه في هذا الموقع أو ذاك من نصوص هايكو ناضجة ومن مقالات تثري زخم تأصيل الهايكو العربي والتنظير له والتي أضحت تشكل أحد مراجع البحث في الهايكو العربي بعد أن تم جمعها في كتابه النقدي “ظلال الخيزران – الهايكو/ تنظير ومفاهيم ” الصادر سنة 2023 عن اتحاد كتاب مصر، ومن ترجمات إلى العربية لأسماء هايكو مرموقة من اليابان والعالم، من شأن الاطلاع على تجاربها أن يخصّب أكثر فأكثر تربة الهايكو العربي. لتتشكل لدي في إثر كل ذلك صورة واضحة عن هذا الهايجن المثابر، العارف بضوابط هذا النوع الفني وأسرار جمالياته، الممسك بأهم مقوماته وخصائصه وتقنيات بنائه، المطلع على أغنى تجاربه عبر العالم، ومدركا للحدود الفنية والبنائية الفاصلة بين نوع الهايكو وباقي أنواع الأدب الوجيز الأخرى المجاورة.
وعلاوة على ذلك فإن الهايجن حسني التهامي يتمتع قبْلا بحسّ شعري وقاّد، إذ أنه قدم إلى حديقة الهايكو عبر تجربة شعرية استطاعت منذ مطلع الألفية الثالثة أن تحقق تراكما إبداعيا محترما، مما أهّله للتوفر على حواسّ مرهفة -وهي النوافذ الأساسية للهايكو-، وعلى عتاد جمالي فعال وأدوات لغوية وفنية مكنته من امتلاك القدرة الإبداعية الكافية في ساحة الهايكو. ويكفينا أن نقوم بجولة خفيفة في هذا ” المحفل الراقص ” الذي بين أيدينا، لنكتشف لدى الهايجن حسني التهامي تلك الدربة والمهارة في إكساء لحظة الاستنارة الملتقطة من الواقع في حينها نتيجة تركيز فني و تأمل عميق (الساطوري) بالمفردات المناسبة بدون زيادة ولا نقصان وبالتكثيف اللازم (الشيبومي)، ونكتشف تلك البراعة في التقاط اللحظة الحسية الآنية بكل حيويتها وزخمها كما تحدث في الواقع، بدل الركون إلى المخيلة واصطناع لحظة خيالية بحثا عن إثارة ممجوجة تلوث صفاء الهايكو وتدفع به خارج حدود نوعه، فنقرأ له :
صباحٌ بارد
على سطح البُحيرة
رعشةُ الظلال
حيث يحافظ الهايجن على حضور الكلمة الفصلية / الكيغو ” صباح بارد”، ليس من أجل احترام إحدى قواعد الهايكو الكلاسيكي بشكل ميكانيكي، بل من أجل الانصهار في اللحظة وترك المشهد يعبر عن نفسه بنفسه، بمنأى عن “أنا” االهايجن التي تغيب من حيث السطح اللغوي وتحضر في عمق اللحظة من خلال الحلول في المشهد ومشاركته تلك الرعشة أو القشعريرة التي تحدث بواسطة الظلال. وحيث يتشكل نص الهايكو بشكل تلقائي من غير بحث عن زخارف بلاغية ومستحضرات بديعية لفائدة إكساء اللحظة بمفردات وتراكيب بسيطة تجعل من روح الهايجن جزء من المشهد وليس قوة خارجية تعكر صفوه وهدوءه، ليتحقق بنجاح ذلك التعاطف والانسجام مع الموجودات والكائنات في الطبيعة، أو ما يسمى في لغة الهايكو تقنية حضور عنصر ” الشيوري”.
ونقرأ له:
ضوءٌ خافتٌ
منكفئا أقلّبُ
“ظلُ الريح”
حيث يتأكد أن الهايكو لا يعكس فكرة بقدر ما ينقل مناخا متكامل الأبعاد والعناصر، إذ أن الهايجن يستحضر ما يعرف في الهايكو بعنصر الـ ” أوارِه”، أي مهارة الهايجن في تضمين نصه إشارة إلى ما يعكس خلاصة وجودية عميقة، وذلك من خلال استحضاره في السطر الثالث لرواية الكاتب الإسباني كارلوس ثافون الصادرة سنة 2001 تحت عنوان ” ظل الريح”. ولنسج تلك العلاقة العميقة بين هذا الهايكو ورواية ” ظل الريح”، ينبغي أن نعرف أن هذه الرواية هي الجزء الأول من رباعية ” مقبرة الكتب المنسية” التي تظل أحداثها عالقة بذهن قارئها إلى الأبد، مما يحيلنا بشكل خفيّ على عنوان ديوان حسني التهامي الجديد ” محفل راقص في ساحة المقبرة”، حيث يكتسب ظل الريح الذي يبدو في ظاهره مجازا لا طاقة للهايكو به ظلا آخر أكثر رحابة وشساعة. كما تتجلى في النص إيّاه استعمال ما يعرف بتقنية ” الشيبومي”، أي المهارة في الاستغناء عن المفردات التي يمكن لحذفها ألا يؤثر على جوهر النص، لنجد أن ست كلمات فقط بحسن اختيارها وتوليفها تستطيع أن تصنع كل هذا الجمال.
غير أن الخاصية التي أضاءت مختلف جوانب هذا المحفل الراقص هي جمالية المفارقة التي شكلت شريانا يضخ الدهشة في أغلب مفاصل الديوان، حتى حقّ لنا أن نقول إن الهايجن حسني التهامي هو هايجن المفارقة بامتياز. ويمكننا أن نلمس ذلك في “ريشة المروحة التي تتحرك عكس اتجاه نسمات الخريف”، وفي ” عازف الجيتار المسن الذي يحدق في الفراغ”، وفي ” المغترب الذي يقطف ياسمينة بناظريه”، وفي ” خيال المعماري الذي ينحت الفراغ”، وفي” صوت القبرات الذي أصبح بلون الحنطة”، وفي ” ظل رمسيس الضخم الذي يتقاطع مع جسد نحيل ” وفي غيرها من النصوص المبثوثة في عرض المحفل. ويكفينا في هذه العجالة أن نقف عند هذا النص:
عازفُ الجيتارِ الُمسِنّ
يُحدّقُ
في الفراغ …
لنستمتع مع الهايجن وعازف الجيتار المسنّ معا بالتحديق في الفراغ الذي يصبح كائنا فيزيقيا مرئيا، وتصبح معه لحظة الهايكو لحظة عزف، أي تصبح كينونة مشتركة بين العازف والهايجن، ليمتد ذلك افراغ الآهل بفيض المشاعر الإنسانية التي تستعيد ما مضى وتستشرف في لحظة واحدة ما سيأتي. فالتحديق في الفراغ هنا ليس ضياعا كما يحلو للشعر أن يعتقد، بل هو طمأنينة وتأمل وطريقة لقياس عمق اللحظة كما ينبغي أن يكون في الهايكو الواثق من بساطته وتلقائيته. حيث يلتحم عازف الجيتار المسن هنا بالفراغ ليشكلا معا إحدى جماليات الهايكو المتمثلة في ما يسمى بمكون ” سابي – وابي”، لتتجلى بإتقان مهارة الإشارة وبناء علاقة بين مكون زائل، قابل للتلاشي والاندثار وعنصر أبدي سرمدي لا يتأثر بفعل الزمن والعوامل المحيطة.
ومن دون أن نشوّش كثيرا على القارئ الذي سيصل إلى يديه هذا الديوان ويدخل هذا المحفل الراقص، بقي ان نشير إلى أن الهايجن حسني التهامي يبدع أيضا في فن الـ ” سنريو” الذي يعتبر شكلا من أشكال الهايكو، لكنه بدون كلمة موسمية وبدون أي علاقة مع الطبيعة، بقدر ما هو لون من الهايكو يلتقط مواقف ومشاهد من المجتمع وحياة الناس، إذ تحضر في هذا الديوان كثير من نماذج الـ” سنريو”، نكتفي بالإشارة منها إلى اثنين ليعي القارئ الفرق بين الهايكو والسنريو:
منصة “بيت الشعر”
شاعر حداثي
بقبعة أثرية
ثمّ:
قيلولة
منديل رأس العامل
مفرش لغدائه
ففي هذين النصين لا توجد أي كلمة تشير إلى الموسم لا بشكل مباشر ولا بشكل غير مباشر، كما لا نجد فيهما أي علاقة بالطبيعة التي تعتبر المناط الأساسي للهايكو، لكننا في نفس الآن نجد أنهما يحافظان على بنية الهايكو بباقي عناصره ومكوناته وجمالياته بما في ذلك المفارقة التي تمت الإشارة إليها آنفا، وأنهما يلتقطان مشاهد من المجتمع .. لكل ذلك وغيره فإنه لا يسعني إلا أن أقول إن ديوان “محفل راقص في ساحة المقبرة” هو أيضا “محفل مضيء في ساحة الهايكو”.
وجدة – المغرب في 14 دجنبر 2025
شاعر وناقد من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي
