الرئيسية / الأعداد / العدد الرابع والسبعون / أعمدة ثابتة 74 / “برقياتٌ عاجلةٌ من أرْضِ غَزَّةَ” مدخل لقراءة المجموعة القصصية “قبل وعد الآخرة” للمبدع مولاي أحمد صبير الإدريسي – محمد دخيسي أبو أسامة

“برقياتٌ عاجلةٌ من أرْضِ غَزَّةَ” مدخل لقراءة المجموعة القصصية “قبل وعد الآخرة” للمبدع مولاي أحمد صبير الإدريسي – محمد دخيسي أبو أسامة

مختبر النص

“برقياتٌ عاجلةٌ من أرْضِ غَزَّةَ” مدخل لقراءة المجموعة القصصية “قبل وعد الآخرة” للمبدع مولاي أحمد صبير الإدريسي

محمد دخيسي أبو أسامة

 

قال تعالى في سورة الإسراء: ﴿إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ (7)

اقتبسَ المبدِعُ القاصُّ والروائيُّ مولاي أحمد صبير الإدريسي الآيةَ، ليجعلها عنوانًا كبيرا تتفرعُ عنه عتباتٌ صغرى الحجمِ[1]، واسعةُ الإدراكِ والفهمِ، لتكونَ المجموعةُ القصصِيةُ القصيرةُ جدا “قبْلَ وَعْدِ الآخِرَة” صورةً مكبَّرَةً عنْ واقعٍ شاسعِ الأطرافِ جغرافيا، مديدِ الأطيافِ تاريخيًّا؛ إنهُ الرقعةُ المحبَّبَةُ “غزةُ العِزَّة”، أو “غُرَّةُ العِزَّة”؛ التي وَحَّدَتْ كلمةَ السياسيِّ، وَمَجَّدَتْ لفظَةَ المُبدِعِ، وسدَّدَتْ رؤيةَ المُفكِّرِ، لِلتعبيرِ عن أفقِ انتظارِ متلَقٍّ مُتطلِّعٍ للأفضلِ.

“وعْد الآخِرة” هي الصرْخةُ الأخيرةُ التي تَمْحي أثرَ الفسادِ في الأرض، فسادِ بني إسرائيل في الأولِين والآخِرِين؛ لتكونَ الآخرةَ “طوفانُ الأقصى”، وليُتَبِّروا ما عَلَوْا دَمارًا وخرابًا، وَهوَ وعيدُ جلَّ علاهُ لهمْ.

“وَعْدُ الآخِرَةِ” سيرةٌ قصصيَّةٌ قصيرةٌ جِدا، وقد وسَمْتُها بـ”برقياتٌ عاجلةٌ من أرضِ غزَّة”، تَتوشَّحُ بوِشاحِ المقاومةِ، والشهادةِ، واستشرافِ المستقبل. أو “صرْخاتٌ” يبُثُّها قلمُ المبدعِ مولاي أحمد صبير الإدريسي، ضمنَ نسقٍ تصاعديٍّ تدْريجيٍّ، يَبْني من خلالِه حَبكتِه القصصيةِ وَفقَ رؤيةٍ نقدية للواقع المعيشِ، ليُكرِّسَ فكرةَ “نهاية الفساد”، ويُوطِّن “رَدَّة الفعل الانتقاميِّ”؛ عنوانُه المقاومةُ والنضالُ.

بالعودة إلى المجموعة القصصية القصيرة جدا “قبل وعد الآخرةِ”، نقفُ عند تجنيسِ النصِّ، الذي يأخُذُ نصيبًا من الأهميةِ، بالنظرِ إلى المستوى الشكْلي الذي انتَظَمَتْ به النصوصُ، ومن خلالِ مستوى بنيتِها التي تؤَثَّثُها المستوياتُ التركيبيَّةُ والدلاليَّةُ.

فمِنَ القضايا التي تثيرها القصة القصيرة جدا، نذْكُرُ:

  • عنصر الدهشة: إذْ يغلُبُ على بنية النص المستوى الدافع إلى إثارة فعل المفارقة بين الواقع الحقيقي، وخطاب النص من حيث دفع المتلقي إلى تغيير أفق توقعه؛ فتكون الومضة الخاطفة التي تسكبها ألفاظ النص دافعة إلى التساؤل.

يقول أحمد صبير الإدريسي في نص بعنوان “إرادة”:

“دسّ في يد والدته ظرفا وأوصاها أن تفتحه عندما يرقص قلبها ذات مساء. أمام قناة الأقصى أطل المذيع بـ “خبر عاجل”، رقص قلبها، مدت يديها المرتعشتين، فتحت الظرف، ثم قرأت:

_ سامحيني أمي، وأخبـري والدي أننـي صرت كما أرادني أن أكون.”[2]

إذ يتحول “الخبر العاجلُ” من مجرد قُصاصةِ أخبارٍ إلى مصْدرِ دَهشةٍ للشخصيةِ الرئيسَةِ في النصِّ أولًا، ثمَّ لدى القارئِ الذي يقَدِّمُ أكثرَ من تساؤلٍ استفساريٍّ حول علاقةِ الخِطابينِ؛ خطابِ الابنِ سالفًا، وخطابِ الوصلة~ الخبريةِ الآنيَّةِ. كما لا يقفُ الأمرُ عند هذا الحدِّ، بقدْرِ ما يُكرِّسُ لدينا حقيقةَ البحثِ عن أبعادِ النصِّ، ووظائِفِهِ البلاغيَّةِ والجماليَّةِ…

  • عنصر التكثيف: وهو ما عبَّرُ عند النقاد القدامى واللغويونَ بالإيجاز، من ذلك ما قاله الجاحظ: “وقد ذكرنا أبياتًا تُضافُ إلى الإيجازِ وقِلَّةِ الفُضولِ، ولي كتابٌ جمعتُ في آيًا من القرآنِ، لتَعرِفَ بها [فصل] ما بينَ الإيجازِ والحذْفِ، وبينَ الزوائِدِ والفُضولِ والاستعاراتِ..”[3] وقد سعتْ مجموعةٌ من النظريات النقديةِ الحديثةِ استجلاءَ النصِّ الأدبيِّ بناء على مستويات مختَلِفةٍ، منها على الخصوصِ التفكيكُ والتلَقِّي الذي يرى ضرورةَ ملءِ الفراغات، أو البياضِ، أو تغييرِ الأفُقِ، أو بناءِ الأفُقِ الجديدِ، كما ذهبَ إلى ذلكَ ياوس وغيرُهُ.

لذلك، فقراءةُ نصوصِ القاصِّ أحمد صبير الإدريسي لا تخرجُ عنْ هذا الإطارِ؛ مما يوَفِّرُ فُسْحةَ التأويلِ، وأخذِ مسافةٍ بين النصِّ والقراءةِ الواعيَةِ. كما أن دلالات النصُ لا تَبْرَحُ القضيةَ الأساسَ: قضيةَ الشعبِ الفلسطينيِّ الأسيرِ تحتَ قيودِ الاحتلالِ الغاصبِ، وبخاصةٍ “قطاع غزَّة”، واستشهاد مجموعةٍ من المناضلينَ وعلى رأسهمْ “الشهيد السنوار” كما في نص عنوان:

“نحيفا كعود زيتون، أشيب كزهر الياسمين، صيّتا كرعود أغسطس، فاح أريجه، ساح لهيبه، صار عنوانا للقضية.

السّنوار.”[4] والشهداء لا يموتون[5].

هذه بعضُ الإشارات إلى المستوى الدلاليِّ والتركيبِيِّ، ويمكنُ التركيزُ أيضا في هذا التقديمِ، على بِنْيةِ المجموعةِ متكامِلَةً، وَفْقَ تصَوُّرٍ جامعٍ، لنُؤكَّدَ أن الكاتبَ استطاعَ أنْ يشَكِّلَهُ تصاعُديًّا مع تصاعُدِ حِدَّةَ المقاومّةِ.

فانتقلَ منْ:

  • اليقين: الذي يُستهَلُّ بالإيمانِ بالقضيَّةِ الأساسِ، وتحريكِ الوجدانِ والفكْرِ؛ للانتقالِ من جَذْوَةِ النفسِ إلى لَوْعَةِ الفكْرِ، وتخليصِ الذاتِ من الشوائِبِ التي قد تُنزِلُ درجةَ الحماسِ. وقد شكلتِ النصوصُ الأولى هذا المستوى الأول، نذكُرُ مثلا: (يقين، إرادة..)
  • الانتقالُ إلى المستوى الثاني، الذي يبداُ من خلالِهِ تكوينُ الفعلُ الاحتجاجيُّ القادِرُ على تمريرِ فكرةِ التمرُّدِ والثورةِ. ومن النصوص التي تؤكِّدُ ذلك: (احتجاج، رهاب، تضامن..)؛
  • المستوى الثالثُ، يُدرَجُ ضمن نسقِ الارتقاء إلى أعلى العليينَ مع الشهداء والصالحين، فتتوطَّدُ العلاقةُ بين الإيمانِ بالفكرة، والاستشهاد في سبيلِ تحقيقها” (ارتقاء، استعجال، وصية…)؛
  • أما المرحلةُ الأهمُّ، والمستوى المبتغى، فهو تقديمُ نماذِجِ هذا الارتقاءِ، من خلال أسماء بعض الشهداءِ المخلِصين: (طلقة، طوفان، أحيى وأمات…)؛
  • لنصلَ إلى الارتقاء الثاني، والحزْنِ الذي يؤدي إلى الانزياحِ عن الواقعِ، والتفكير في الانتقامِ الجماعي المبني على فكرة الامتناعِ عن الاستسلامِ، وسلْكِ مشوار السنوارِ: (شعار، انزياح، امتناع عن الكسر، عصا السنوار…)

والملاحَظُ، أن ترتيبَ هذهِ المستوياتِ، كان مواكِبًا للترتيبِ الذي وضَعَهُ الكاتبُ نفسُهُ لقصصِهِ، دون أيِّ تعديلٍ مِنا أثناءَ القراءَةِ الثانيةِ. لذلك نستخلِصُ أخيرا؛ أن النسقَ التصاعديَّ لهذه البرقياتِ العاجلةِ، كانَ من ورائهِ إيمانُ الكاتبِ بالقضيَّةِ أولا، وإيمانُهُ بالوظيفةِ الجماليَّةِ والتعبيريَّةِ والتأثيريَّةِ للنص السرديِّ القصيرِ جدًّا؛ إيمانٌ من ورائِهِ وعيٌ بأهميةِ إيصالِ الفكرةِ عبْرَ عابِرَةِ الكلمةِ الهادفةِ المكثَّفةِ، والومضةِ المُدهِشَةِ التي تسْتمِدُّ مشروعِيَّتها منْ الحدثِ الأساسِ، وتبني مكوناتِها ضمنَ التدرجِ من الفكرةِ إلى الفِعلِ، إلى الشهادةِ العليا: “قبلَ وعدِ الآخرةِ”..

الإحالات:

[1]– قبل وعد الآخرة، قصة بشرى، ص.

[2]– قبل وعد الآخرة، ص.

[3]– الجاحظ: كتاب الحيوان، تح وشرح. عبد السلام محمد هارون، شركة مطتبة ومطبعة مصطفى البابلي وأولاده، مصر، ط. 2، 1385ه- 1965م، ج. 3، ص. 86.

[4]– قبل وعد الآخرة، ص.

[5]– المرجع نفسه، نص توأم، ص.

ناقد من المغرب

عن madarate

شاهد أيضاً

الحرف الكبير والزوج الصغير: حين تنتقم الكاتبة من المثقف العاجز عن الكتابة – عمر أيت سعيد

عمر أيت سعيد*   من رحم الأدب العالمي، اخترنا لكم رواية “مارسيلا لاكوب“، في قراءة …

اترك تعليقاً