الزجالة نجاة احساين : الكتابة بوصفها مقاومة للغياب وتشكيلا للمعني

حبيبة زوكي*
ليس الشعر مجرد كلمات متراصة أو معانٍ وانزياحات، بل هو ذلك الارتجاف الخفي الذي يوقظ فينا ما ظنناه خامداً، ويعيد تشكيل العالم بلغة أكثر شفافية ودهشة. ومن هذا الأفق الإبداعي، يطل ديوان “منين تتكلم الحروف” للشاعرة نجاة احساين، حاملاً تجربة شعرية تنبض بالحس الإنساني والتأمل العميق، حيث تتقاطع الذات مع الوجود، واللغة مع الحلم.

الزجالة نجاة احساين: الكتابة بوصفها مقاومة للغياب وتشكيلًا للمعنى
يشكل فعل الكتابة، في جوهره، ممارسة تفاعلية مع الواقع، وآلية للتعبير عن الذات ومساءلة العالم. ومن هذا المنطلق، يثار التساؤل حول تجربة الزجالة المغربية نجاة احساين: لماذا تكتب؟ أو بالأحرى، لماذا تتكلم عبر الزجل؟ وهل يمثل صوتها امتداداً لذلك الصوت النسائي الشعبي الذي جسدته الشيخة حويدة الغياثية؛ الشاعرة الشعبية التي ارتبط اسمها بفن “العيطة” خلال القرن التاسع عشر بمنطقة عبدة، والتي اتخذت من الكلمة الحرة أداة لاستنهاض الهمم ومواجهة القهر؟
إن قارئ ديوان “منين تتكلم الحروف” يجد نفسه أمام تجربة لغوية وشعرية متميزة، تحتفي بالكلمة باعتبارها حاملة للمعنى ومولدة للدلالة. فاللغة لدى نجاة احساين ليست مجرد وسيلة للتعبير، بل فضاء لإعادة تشكيل الواقع وبناء رؤية خاصة للعالم. ومن خلال التناسق الموسيقي للحروف وتكثيف المعنى، تُدخل المتلقي إلى عوالم من التأمل والاكتشاف، كما يتجلى في قولها:
“تشهيت نكتب قصيدة.. ماشي بحال لقصايد”
تكشف هذه الرغبة عن سعي الشاعرة إلى بناء كتابة مغايرة، تتجاوز المألوف وتبحث عن أفق دلالي جديد. فهي تستثمر الذاكرة المحلية والحمولة الثقافية للمنطقة التي تنتمي إليها، لتنتج لغة مشبعة بالرمز والاستعارة، حيث تغدو اللغة امتداداً للذات، وتصبح الاستعارة أداة للكشف عن العمق الإنساني والوجداني.
وتعبّر الزجالة بلغة سلسة وقريبة من نبض الحياة اليومية عن هموم المرأة وأحلامها، فتتحول كتابتها إلى صوت جماعي لنساء حُرمن من حق التعبير. ومن هنا، تتخذ القصيدة بعداً وجودياً وإنسانياً، إذ تنبع من الأعماق وتحمل صدق التجربة وقوة الإحساس، كما تقول:
“أنا القصيدة الخارجة م الأعماق.. لابسة هداوي و نمشي بلا زواق”
إن الكتابة عند نجاة احساين ليست ترفاً جمالياً، بل فعل مقاومة ورغبة في تثبيت الصوت داخل فضاء يحاول أحياناً تهميشه أو مصادرته؛ لذلك تصرّ على حماية الكلمة من التحريف والإقصاء، معتبرة الحرف كائناً حياً ينبغي الدفاع عنه:
“م تقيش حرفي.. م تغطيه م تدير ليه كمامة.. م تحرفه م تلوحو ف قمامة”
تحتضن الشاعرة الحرف بحنان الأم، وتمنحه قدرة على إنتاج معانٍ ذات أبعاد فلسفية ووجودية. كما تعتمد في بناء نصوصها على لغة منفتحة ومتعددة التأويلات، تُزاوج بين البعد الجمالي والإيقاع الموسيقي، بما يجعل المتلقي منخرطاً في عملية البحث عن المعنى واستنطاق الدلالات.
ومن ثم، تتأسس تجربة نجاة احساين الزجلية على وعي عميق بوظيفة الكتابة، باعتبارها فعلاً إبداعياً يهدف إلى إعادة صياغة الذات والواقع معاً. فالقصيدة لديها ليست خطاباً مباشراً، بل فضاء للغموض الجميل والانفتاح الدلالي، كما تعبر عن ذلك بقولها:
“تشهيت نكتب قصيدة.. معانيها ألغاز و حكايم.. اللي فهمها يعود بها هايم”
وهكذا، تؤكد تجربة نجاة احساين أن الزجل المغربي المعاصر لم يعد مجرد تعبير شفهي مرتبط باليومي والعابر، بل أصبح خطاباً شعرياً يمتلك أدواته الجمالية والفكرية، وقادراً على مساءلة الذات والمجتمع واللغة في آن واحد.
كاتبة من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي