بين الشعر والرواية: تقاطعات الإبداع وأسئلة الذات والموضوع

حسن إمامي*
في كلمة أولية، ورصد التاريخ، والحضور المتميز للجنسين، نسجل طبعا أقدمية الشعر ومساره الإبداعي والفني والاحتفالي. وفي تاريخ الحضارة العربية الإسلامية، اعتُبر الشعر ديوان العرب، وما يزال. بل يمكننا القول إنه البناء الأساس أو ما نسميه بالبنية التحتية لتطور اللغة وتأريخها مادة وذاكرة وتداولا وألفاظا ومعاني تُترجم البيئة والإنسان والثقافة والتاريخ والعيش المجتمعي ككل الجماعات والعشائر والقبائل، وما ارتبط بها من تفاعلات بين الثقافات والشعوب. تتسع الدائرة لتستوعب وتندمج كذلك لتشمل دوائر جغرافية بشرية وثقافية بين بلاد الرافدين والشام وبلاد اليمن ومدار شبه الجزيرة العربية ومراكزها التجارية والدينية، وكذلك قوافلها التي يمكننا اعتبارها سفيرة هذه الرسالة اللغوية والشعرية والخطابية.
هذه البدايات هي التي شكلت صورة الشعر وأهميته كجنس أدبي وإبداعي، وكخطاب ثقافي وسياسي وفكري وديني أيضا. لا ننسى تشكلات بناء القصيدة الشعرية ومقاطعها المرتبطة بالحِكم والشذرات والعبر والنظرات عبر أجيال وعصور. هكذا تشكلت ألوان متعددة داخل فضاء الإبداع الشعري. نستحضر كإشارة المقامات وملاحم والمنظومات. وكم من شعر كان أقوى في رسالته، وكان دافعا لحركية وصراع وأُهبة موقف ومواجهة رد فعل تجاهه. حتى مع بداية الدعوة الإسلامية كان الشاعر يشكل خطرا عليها، وكان رد الفعل تجاهه في بعض الأحيان بسلاح الشعر كذلك، وفي أحيان أخرى بسلاح عدم التسامح، بل والدعوة لقتل الشاعر وقصيدته كعدو لدود لا رحمة مع لسانه.
مع هذه الإضاءات، ننتقل ونترك حيزا للمقارنة والمنافسة والإضافة، فنتكلم عن الرواية كجنس أدبي له قوة الحضور والتفاعل والتألق اليوم. فهل حظي هذا الجنس اليوم بنفس قيمة الشعر التاريخية؟
لا يمكننا الحديث عن جنس الرواية دون استحضار الأجناس التي منها تبلور وتطور. السرديات بأنواعها وما أثارته من اهتمام وتوظيف، كلها ملهمة وبنية تحتية للمتن الروائي الذي سيتطور عبر القرون. حتى من الفنون غير المكتوبة كان لها دور في توجيه وتجميل الأداء التعبيري الروائي.
طبعا، ميزة العصر الذي نعيش فيه هي اتساع دائرة الوعي والفكر والتعبير لتصبح كونية وعالمية، متفاعلة مع مستجدات الذوق الجمالي والإبداعي الإنساني ككل.
وقد لا تحتاج أسئلتنا إلى إجابات ما، ما دامت بعض مسلمات العصر تبرهن على قوة حضور الرواية كجنس أدبي يؤدي وظيفته بقوة إن جماليا أو سياسيا أو حضاريا.
قد تكون الرواية مع تطورها داخل أوربا وأمريكا وإفريقيا وداخل العالم العربي، قد احتضنت الأجناس الأدبية ككل، وكانت منطلقا لها في التفاعل والإبداع. مثلما أن الشعر تفاعل مثلا مع المسرح ومع السيرة ومع التشكيل.
وهل يمكننا المجازفة والقول بعبارة أصبحت متداولة “الرواية ديوان الشعوب الجديد” مثلما قيل عبر التاريخ بأن الشعر ديوان العرب؟
سؤال تتكاثف رؤانا لكي تنتج داخله فهما وتحليلا واستنتاجا. حينما كان الشعر هو الذاكرة المسجلة للأمجاد والوقائع وأوضاع العيش والتعبير، كان ديوانا مسجلا فعلا، وبقي هو المنقذ لهذه الذاكرة وهذه اللغة إلى جانب الشفهي ومدونه عند الشعوب. إنما الرواية اليوم يزاحمها الاشتغال بعالم السرديات، لكي تكون هي جزءا منه، ومساهمة في مشاريعه الكبرى والصغرى. حتى إننا يمكننا تقزيم الهالة الكبرى التي أعطيت للرواية، فنقول إنها باخرة كبيرة تمخر عباب البحار والمحيطات وتواجه الأمواج والعواصف داخل العالم الإبحاري الكبير الذي يقوم به السرد كصدر أعظم تتنفس بأكسجينه الرواية مثلها مثل باقي السرديات وفنون السرد.
على أن هذه الملاحظات لا تقزم بقدر ما تحقق موضوعية وواقعية تعقلن الخيال الجامح والحب الكاسح الذي يبنيه أحدنا مع جنس أدبي معين.
في عالم السياسة والمختبرات الجامعية والأكاديمية الكبرى، ستكون الرواية هي الفتاة الفاتنة والنجمة الساطعة في عوالم السينما والغناء والمسرح. وقد تكون نجما بطوليا ومحبوبا كذلك. لا ذكورة ولا أنوثة، فقط تلميح وتشبيه بما يمكنه أن تكون الرواية داخل عالم السرديات. هكذا نجعلها داخل الحقل الأدبي حقل الإبداع والجمال والفن والذوق الرفيع. وهي عناصر يريدها المتلقي ويطلبها في كل عمل روائي. هكذا إذن قد نستنتج بأن الرواية ليست ديوان العصر، بل عنصرا مشكلا لهذا الديوان. نستنتج كذلك بأن حقلها يأخذ مشروعيته داخل درجات ترقي المجتمعات في الثقافة والفكر، وفي التعليم الرقي باللغة وخصائص العيش الحضاري في ارتباطها بفئات المجتمع على تعددها وتنوعها.
قد تأخذ الرواية طابع الوظيفة التشريحية التي تمفصل وتفكك وتعيد تركيب الحقائق والوقائع لأجل إعادة قراءة هذا الواقع والمواضيع المتشكلة داخله. وهنا ستكون خطورها في درجات الاختراق للواقع كما للوعي البشري. ربما نصوص روائية من مثل حفلة التيس لماريو بارغاس يوسا تكون نموذجا ومثالا لذلك. ربما أخرى تعري حقيقة الاستغلال الإيديولوجي والديني والسياسي لطبقات مستبدة باسم المقدس والسلطة. كلها امثلة مناسبة لتبيان أهمية الكتابة الروائية في هذا التشريح المطلوب لأجل تطوير الوعي البشري.
وبالمثل، كانت هناك وما تزال قصائد زعزعت الثوابت ودعت إلى تغيير الفهم كما الواقع وأحدثت أصرها الخطير الذي يستدعي المرافعة لأجل القصيدة أو لأجل هدم وإعدام القصيدة والشاعر الذي نظمها. ما يبين أهمية الجنسين في الحياة الإبداعية والتعبيرية والجمالية وكذا في كشف الواقع وتعريته وتغييره.
قد لا ننزلق لنقول إن الرواية أزاحت الاهتمام بالشعر. فهذا تصور استهلاكي مرتبط بالثقافة الرأسمالية التجارية في بُعد من الأبعاد. فقط نقول بتحفظ إن مستوى التعليم والقراءة، وواقع الكتاب والاهتمام بالثقافة والفن، مسؤولان في تقويم قيمة الشعر كما قيمة الرواية ووظائفهما، ورسائلهما. وهذه أفكار مطروحة للنقاش وليست مجرد استنتاجات نهائية قد تُفهم في هذه الورقة المعروضة هنا.
تبقى إشكاليات كثيرة مطروحة متعلقة بمفهوم الشعرية وتحققه بين القصيدة والرواية، وبدرجات الأصالة من مجرد التقليد في الإبداع ومستوياته.
لعل الشعوب اليوم في حاجة إلى مادة أدبية قريبة من ذوقهم الجمالي والتعبيري في التلقي. لكنها في حاجة كذلك إلى ما يفكك الواقع ويفسر العالم والوجود والعيش المجتمعي بأدبية قريبة من المنطق التحليلي ومن الرسالة المركبة تركيب هذا الواقع بأبعاده المتعالية والخفية.
كاتب من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي