الرئيسية / الأعداد / حوار مع المبدع جورج مسعود عازار

حوار مع المبدع جورج مسعود عازار

حوار مع المبدع جورج مسعود عازار

حاوره الشاعر الحسَن الگامَح

تتجلّى الكتابةُ في تجربة المبدع جورج مسعود عازار بوصفها إبحاراً حراً بلا جلبابٍ أو جواز سفر، وسفراً دؤوباً في أروقة النفس والوجدان للانتصار للقِيَم الإنسانية والمُثُل الأخلاقية. تأسست ملامح هذه التجربة الثقافية من بيئةٍ سورية غنية بالذاكرة؛ بدءاً من مرابع نشأته الأولى في مدينة القامشلي، مروراً بـ دمشق التي سكنت روحَه وشكّلت وعيه الأدبي من خلال دراسته وتدريسه فيها، وعمله الميداني في اتحاد الكتاب العرب. وهناك، أتيحت له فرصة الاستغراق في المشهد الثقافي والاقتراب من قاماتٍ وأساطير أدبية سورية وعربية نذكر منهم: نزار قباني، سليمان العيسى، ممدوح عدوان، وألفة الإدليبي، ممّا أسهم في صقل شغفه الباكر وترسيخ خياره الأدبي. ولم تُثْنِ سنواتُ الغربة والعيش في المهجر (السويد) المبدعَ جورج عازار عن الالتصاق بقضايا الوطن وذاكرته، بل غدت الغربةُ حافزاً إضافياً للبوح، وتجسيداً حياً لأسئلة الذات والوجود عبر أجناسٍ أدبية متنوعة تمزج بين القصة القصيرة، الشعر النثري، والمقالة النقدية والسياسية. وقد تجسّد هذا العطاء في عدة إصدارات بارزة، منها المجموعتان القصصيتان “من عبق الماضي” (2022) و*”زمن الذئاب”* (2023)، إلى جانب دواوينه الشعرية “عندما يموت الضوء”، “ترانيم الروح”، و*”تنويعات على وتر النهايات”*، فضلاً عن مشاريعه القادمة في القصة والنقد والرواية. يتناول هذا الحوار الشامل أربعة محاور رئيسية، يتتبع من خلالها الباحث الرؤية الفنية والمسيرة الإبداعية للأديب، وينقب في آليات العملية الإبداعية وتحدياتها في ظل الاغتراب، كما يطرح قضايا أدبية عامة ترتبط بالمشهد الثقافي العربي، الأدب النسوي، وأثر التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، وصولاً إلى رؤى شخصية ومستقبلية حول الذات، الجوائز الأدبية، والمشاريع القادمة.

 

ورقة عن المبدع جورج مسعود عازار

نشأ وترعرعَ في مدينةِ القامشلي في سوريا ودرسَ في مدارسِها حتّى حصوله على شهادة الدِّراسة الثَّانويّة.

انتقل بعد ذلك إلى العاصمة دمشقَ، حيث استقرَّ هناك من أجل متابعة دراساته الجامعية، والعمل فيها بعد التَّخرُّج.

وعمل في مجال التَّدريس في بعض المدارس الثّانويّة في دمشقَ لعدّة سنوات قبل أن يتوجّه للعمل في اتّحاد الكتَّابِ العربِ. وبعد ذلك تفرغ للعمل الأدبي.

اهتمَّ بحقل الكتابة والأدب منذ الصِّغر وقام بنشر العديدِ من المقالات الأدبيّة والسِّياسية والنقدية، والقصص القصيرة والقصائد الشّعريّة والخواطر الأدبيّة و في بعض الصُّحف والمجلّات العربية الأسبوعية.

صدر له مجموعتين قصصيتين الأولى بعنوان “من عبقِ الماضي” وقد صدرت في عام 2022، والثانية بعنوان “زمن الذئاب” وقد صدرت في عام 2023، وكذلك له ديوانا قصائد نثرٍ وهما ديوان بعنوان “عندما يموتُ الضوء”. وقد صدر في نهاية عام 2023 وديوان آخر بعنوان “ترانيمُ الرُّوح” وقد صدر العام 2024 كما صدر له في عام 2025 ديوان بعنوان: تنويعات على وتر النهايات.

وله ديوان قصائد نثرية “قيد الإنجاز” بعنوان “أحصد الريح بمنجل الخيبة”, وكذلك ديوان قصائد نثر بعنوان “خريف يعرش فوق أيامي”، وكذلك كتاب: مقالات وقراءات نقدية، وله قيد الإنجاز مجموعة قصص قصيرة بعنوان: “الهبوط نحو الأعلى”، ويعمل حالياً على كتابة رواية ستكون باكورة أعماله الروائية إن شاء الله.

يهتم بإدارة الندوات والأمسيات الفكرية والأدبية وسبق له استضافة العديد من القامات الثقافية والفكرية والأدبية في الكثير من المنتديات الأدبية المختلفة ، ينشر العديد من المقالات والقصائد والقصص القصيرة في مختلف المواقع الالكترونية والمجلات والصحف الورقية العربية المختلفة.

نصوص إبداعية للمبدع جورج مسعود عازار

 

نص قصيدة خريف يُعرّش فوق أيامي:

 

خريف يُعرِّش فوق أيامي

بُرعُمٌ في غاباتِ عَتمتي

يتراقَصُ

وفَراشةٌ فوق وريقاتي الصَّفراء

تُعاينُ لونَ اليَباسِ

وتُداعبُ تَاريخَ النِّهايات

حِيرَتي وجَعٌ

ونفحةُ الطِّيبِ من خَديها تنسكِبُ

كالبَدرِ في صَحنِ السَّماءِ

وأنا ما تَبقَّى من الهِلالِ

خريفٌ يُعرِّشُ فوقَ أيامي

والرَّبيعُ صَوتُ ذِكرى

فأين المَفرُّ

من صَاعِقةِ البَرقِ

وهَديرِ الرَّعدِ

ليتَ من رَتَّبَ الفُصُولَ

كان قد صَاغَ

من ربيعِكِ تؤامين

وبَدَّدَ خريفاً

بِكُلِّ مَكرٍ في سَالفي

قد تَبَدَّى

جراحُ الحَسَراتِ تَستفحِلُ

فلا آسٍ يُداوي

ولا أعشابُ العَطَّارِ باتت تَنفعُ

هل أبطأتِ في القُدومِ

أم أنني قد حَضَرتُ قبل الآوانِ

ليتَكِ كُنتِ قد أبكرتِ

وليتَ قِطارَ عُمري

من أجلِكِ

كان قد تأخَّرَ

تَلتَهِمُ مني السُنونُ ما تَبقَّى

والتَّوقُ يَفضحُ حُرقةً

بين الأضلاعِ تَشتعِلُ

هادرَةٌ أمواجُكِ

وزورقي عَتيقٌ

ومن غيرِ مَجاديفٍ

فكيف إلى موانئِك الوصولُ

وأنا أخشى الإبحارَ

في لُججِ الإِعصَارِ

وكُلُّ المنارات مُطفأةٌ

والدربُ عسيرٌ

فكيف من تُوهِ عينيكِ تكونُ النَّجاةُ

أنا صَمتُ الخَريفِ

وأنتِ ضَحكةُ الرَّبيعِ

في فَضاءاتِ الياسمينِ

تُغرِّدُ

صار البِشْرُ جَوَىً

وأضحى الفِرارُ هو الظَّفَرُ

عجبا كيف تُبدِّلُ الأزمانُ

كُلَّ المُعادلاتِ

فيصيرُ الانهزامُ انتصاراتٍ

والنأيُ بالنَّفس ِ

هو المطلبُ وهو المُرادُ

 المحور الأول: الرؤية الفنية والمسيرة الإبداعية

1. كيف يرى المبدع جورج عازار الكتابة بصفة عامة، وما هي رسالتها برأيك؟

الكتابةُ هي تعبيرٌ عما يجولً في الخاطر ويطوف في الوجدان، هي تعبيرٌ عن الذات وعما يجيشُ في النفسِ من أفكار وعواطف وأحاسيس، وهي ربما أيسرُ السُّبل للوصول إلى ما ترغب وتتمنى البوح به دون الحاجة للإفصاح عن الخصوصيات أو الحميميات من المشاعر، إنّه إبحار إلى المكان الذي تريده دون الحاجة إلى سمة فيزا أو جواز سفر، إنه انطلاق إلى عوالم وفضاءات شتّى بلا قيود ولا حدود. فالكتابة تعطيك مَجاديف للإبحار نحو عوالم مختلفة هو شغفٌ ورغبةٌ وغوصٌ في بحار الأدب، يوجه بوصلته ذلك الحافز اللامرئي الّذي يقودك إلى الرسم بالكلمات والبوحُ بما في داخل النفس، والرسالة هي إيصال هذه المشاعر بالطرق المُثلى ومحاولة الانتصار للمثل والقيم الانسانية والأخلاقية وإزاحة الظلمة بغية السَّماح للنور أن يتسلل إلى الأعماق رويداً رويداً.

2. من أين استمدت تجربة الكتابة لديك، وكيف دخلت بحر الإبداع؟ وما هو أول نص كتبته (أو عمل بارز في بداياتك)؟

ولد هاجس حب الكتابة منذ فترة الصّغر، وبدأ يبرز دافع الكتابة رغم تواضعه عبر ما كان يسفر عنه من دروس التعبير في مرحلة الدراسة الابتدائية وغيرها من أجل صياغة المواضيع المختلفة الّتي كان يقررها مُعلم الصفّ، وبالتالي أخدت موهبة حب الكتابة والصياغة تبرز على شكل هواية محببة وأثيرة، وهكّذا بدأ الهاجس يتحولُ إلى رغبة ملحة في تحويل الأفكار إلى موضوعات مختلفة، إن كان على صعيد المقالة أو الشعر أو القصة القصيرة وشيئاً فشيئاً بدأ الامر يتحول إلى مراسلات للأسبوعيات العربية والصحف العربية بغية نشر نتاج أدبيٍ متنوعٍ أنذاك.

واتيحت الفرصة لي للبقاء على مقربةٍ من العمل الأدبي حينما جاءتني فرصة العمل في اتحاد الكتاب العرب، والذي كان المفتاح الحقيقي لمواصلة الاهتمام بالكتابة والقراءة والمطالعة وإمكانية التواصل مع القامات الفكرية والأدبية والتي كانت تتردّد على مبنى الاتحاد حينذاك وهكّذا اُتيحت لي فرصة  الالتقاء بعباقرة الأدب العرب والسوريين ومن بينهم: السادة ممدوح عدوان وألفة الادلبي ونادية خوست وكوليت خوري وأنيسة عبود وعبد النبي حجازي وجان الكسان ومسعود جوني وفايز خضور وخيري الذهبي وهاني الراهب وشوقي بغدادي، والكثير الكثير غيرهم من الشعراء والأدباء الكبار الّذين كانوا يترددون بين الفينة والأخرى على اتّحاد الكتاب العرب ولعل الالتقاء بأساطير وعمالقة الشعر في تلك الفترة مثل العملاق الشاعر الكبير نزار قباني والشاعر الكبير سليمان العيسى قد زاد حينذاك من الرغبة والشغف في الأدب والكتابة.

وكتبت في ذلك الوقت المقالة والقصة القصيرة وكان النص الشعري الأول الذي كتبته هو نص نهاية الرواية:

نِهاية الرِّواية

 

هالةُ الصَّغيرةُ صارت كَهلةً

لم يبقَ لها أسنانٌ تمضغُ لُقمةً

أو حتَّى تَجترَّ ذِكرى

ما عادت تلهو بدُميَتِها

تَحنو عليها تغسلُ وجهَها تُلاطِفُها

تَسكُبُ عليها عِطراً

من كُلِّ الألوانِ

تُسرِّحُ شَعرَها … تُقبِّلُ خدَّها

وبِكُلِّ حُبٍّ إلى الصَّدرِ تَضُمُّها

تَنامُ بجوارِها في كُلِّ مساءٍ

تَقصُّ عليها حَكايا رَوتَها جَدَّتُها

قبل أن تُوارى تُرابَ النِّسيانِ

***

هالة الصَّغيرةُ صارت كهلةً

ما عادت غضَّةً يانعةً

كالخُضرةِ في أقاصي الوِديان

أغمضت عينيها تغفو.. تسهو لحظةً

هاجمها وحشُ الزَّمانِ.. خطفَ دُميتَها

قصَّ جديلتَها.. بكت بِحُرقَةٍ

ذرفت مليونَ دَمعةٍ

نما لها نهدانِ.. صارت

صارت عَورةً

وتكبرُ.. تكبرُ هالةُ

 تُصبحُ.. أُخرى

تُخيفُها ظُلمةُ ليلٍ

يهزُّها زِلزالٌ

يثورُ في حناياها بُركانٌ

تُهلوسُ بِحكاياتٍ عن فارسِ الرَّغبةِ

وأحلامُ يقْظَةٍ تَهزُّ كيانَها

تجتاحُ خلاياهَا

تَسري في شراييِنِها

طلاسمُ رَعشةٍ غامِضةٍ

ومن جديدٍ

يَسرقُ منها الزَّمانُ

 بُرهةً

***

ينحسرُ الطّوفانُ وتخمدُ الثُّورةُ

يرحلُ كُلُّ الفُرسانِ

 ويحلُّ المَغيبُ ذاتَ مَرَّةٍ

مُرغمةً تتدثَّرُ بوِشاحٍ من صَقيعِ الوَحْدَة

وتُتمتِمُ تارةً بزفرةٍ

وتارةً بكلماتٍ بلا معنى

يتسلَّلُ الثَّلجُ إلى شَعرِها

فيصيرُ ذَهبُها.. فِضَّة

تتَّكئُ على أريكتِها العَتيقةِ

بعينينِ جامدتين كصَخّرَة

وتجاعيدِ حُزنٍ وآهاتٍ

وألفِ ألفِ غَصَّة

***

هالة الصَّغيرة صارت كَهلَةً

ما عادت تَنتظرُ فارسَ الصُّدْفَةِ

وما عادت تترقَّبُ عَودَةَ الدُّميةِ

هالةُ المِسكينةُ لا يَعنيها اليومَ

ضَجيجٌ ولا صَخبٌ

ولا تطمعُ في شيءٍ سِوى

بإسدالِ بَقايا السِّتارِةِ

وانتهاءِ تِلكَ الرِّوايةِ

 المُرَّةِ

3. أي صنف من الكتابة تجد فيه ذاتك أكثر حين تكتب (شعر، نقد، رواية، إلخ)، ولماذا؟

أعتقد أنني أميل أكثر إلى كتابة الشعر والقصة القصيرة، رغم أنني أكتب الأجناس الأدبية الأخرى وربما يعود السبب إلى أن النص الشعري والقصة القصيرة، وربما بسبب الكثافة والإيجاز التي تتميز بها هي الأقدر اليوم إلى الوصول إلى الهدف المرجو في دنيا باتت السُّرعة فيه هي التي تتحكم في عالم اليوم بكل إرهاصاته ومشاغله الجمة.

4. ماذا حقق المبدع جورج عازار في مجال الكتابة بحكم ارتباطك العميق بها؟

أعتقد أن الكتابة فتحت لي أفقاً جديداً، إن كان على صعيد التعرف بالكثيرين من السادة النقاد والأدباء من شعراء وروائيين وكتاب القصة والتعرّف على الكثيرين من المهتمين بالأدب والثقافة والفكر، ولعل النتاج الأدبي الذي استطعت تحقيقه تمثل في إنجاز مجموعتين قصصيتين والانتهاء من كتابة مجموعة أخرى بعنوان الصعود نحو الاسفل وإنجاز ثلاثة دواوين وكذلك انتهائي من كتابة ديواني شعر نثر قريبا سيتم طباعتهما وربما كان الدافع الأكبر لي في مجال الكتابة هو محاولة الارتقاء والتطور أكثر فأكثر في هذا المجال وتحقيق قفزة في المجال الأدبي.

 

المحور الثاني: العملية الإبداعية وتحدياتها

  1. ما هي أبرز التحديات التي تواجهك كمبدع في صنف الكتابة الذي تمارسه (شعر، نقد، رواية) ؟ وكيف تتعامل مع حصار الكلمات أو جفاف؟

ربما هذا الأمر أي موضوع حصار الكلمات والجفاف كان في البدايات يُشكل لي صداعاً فكرياً وأزمةً نفسيةً، واحساسي ربما أنني أعاني من فرملة إبداع وجفاف في العطاء لكنني عرفت بعد ذاك أنّ الأمر مؤقت وأن ذلك لا يعدو كونه فترة قصيرة لا يلبث أن يختفي مع قدوم الفكرة الجديدة، إن كان شعراً أو قصة قصيرة أو غير ذلك، وبالتالي فإن القلق بدأ يتلاشى شيئاً فشيئاً وأما عن التحديات الأخرى فربما كان الوقت هو المُشكلة الكبرى واحساسي أن ال 24   في اليوم غير كافية وأنها لو كانت أكثر لكان الأفضل بلا شك.

2. هل للبيئة الجغرافية أو الثقافية تأثير على أعمالك؟ وكيف ينعكس ذلك في نصوصك؟

أدا كان المقصود هو وجودي في بلد المهجر منذ ما يقارب أكثر من ربع قرن، فلا شك بأن هذا كان له انعكاساً على مسيرتي وظهر ذلك جليا في مجموعاتي القصصية ونصوصي الشعرية فالغربة خلقت لدي دوافعاً عديدةً للكتابة عن الوطن وذكرياته وهمومه وحتى لو كنت بعيداً عنه بالجسد فقد بقيت أحمله في الرّوح والنفس والذاكرة والوجدان، أما من ناحية أخرى ربما كان للعالم الافتراضي والسوشال ميديا الأثر العميق في التخفيف من أثار الغربة وذلك بتواصلي الدائم مع مختلف المنتديات وكذلك إدارتي وتقديمي للندوات الفكرية والأدبية عبر برامج التواصل الافتراضي مثل الزوم وغيره.

هذا النص كتبته إلى دمشق التي عشت فيها لسنواتٍ عديدةٍ وبقيت عالقة في وجداني دائماً:

وَجدٌ ووِصَالٌ للشَّامِ مِرسالٌ

دِمشقُ

فيكِ نِصفُ العُمرِ

وما تَبقَّى في روابي قاسيونَ

انتظارُ

وفي الغُوطةِ تَهيمُ الرُّوحُ

في معارِجِها

ولوعةُ الهُيامِ للمُشْتاقِ

إيثارُ

***

عَفوكِ يا شَامُ

إن خانَكِ اِغترابي

فإنَّ الفؤادَ

ما يوماً أخلفَ

ميثاقَ الهَوى بيننا

أو غشى الجَوى

غدرٌ وإنكارُ

كُلُّ الحِسَانِ وإِنْ كانت

دانيةً قُطُوفُها

لكِنَّه ما حَنَّ يَوماً لغيرِكِ

أو رَقَّ واشتهى

أو أعرضَ عن دُروبِ الوَجدِ

بلُؤمٍ شابَهُ إضْمَارُ

كُلُّ السَّماواتِ

بمَطرٍ وثلجٍ تَجودُ

وسماءُ الشَّامِ

بالزَّنبَقِ والنَّارِنجِ تزدانُ

***

بَوحُ الحَبَقِ

 في فَضَاءاتِ جِلَّقَ

يغازلُ شِغَافَ الفؤادِ

بحُلوِ الأريجِ

وفي حناياهُ

 ينسَكبُ ويُسَالُ

***

دمشقُ وَدِدْتُ لو ألقيتُ

على حُسنِكِ الفتَّانِ خِمَاراً

فغَيرتي وَجَعٌ

وبُعدي أنينٌ

ودولابُ الزَّمَان

خوَّانٌ وغدَّارُ

 

3. كيف ترى العلاقة بين القراءة والكتابة في مسيرة المبدع ؟ وما هو الدور الذي تلعبه القراءة في تشكيل تجربتك الإبداعية؟

الواقع بدأ اهتمامي بالقراءة منذ مرحلة الطفولة، ونما هذا الاهتمام في المرحلة الإعدادية والثانوية حيث أصبحت زياراتي إلى المراكز الثقافية لاستعارة الكتب بشكل دائم، حيث قرأت لمختلف الكتَّاب من الدول العربية والأجنبية. وهواية المطالعة هذه كان لها الأثر الكبير على اتجاهي للأدب وتعلقي بالكتابة، وقد استمرت لدي الرغبة بالقراءة حتى اليوم، لأن القراءة بكل بساطة تفتح أفاقاً غنية للتطور وصقل الموهبة والوصول إلى الغاية المرجوة للمزيد من التقدم على الصعيد الادبي والفكري والثقافي.
ولعل بعض الأسماء التي سأوردها الآن هي فقط على سبيل الذكر لا الحصر لأن كل كتاب قرأته في الواقع أضاف لي حتماً الكثير من الفائدة وإغناءً للفكر، أذكر من الأدباء العرب زكريا تامر وميخائيل نعيمة وجبران خليل جبران وعلى الصعيد العالمي أذكر بالطبع تشيخوف ودوستويفسكي وماركيز وفي مجال الرواية أذكر الادباء العرب نجيب محفوظ وحنا مينة، وفي مجال الشعر أعشق شعر نزار قباني ومحمود درويش وكذلك الشاعر العراقي محمد مهدي الجواهري وطبعا الكثير غيرهم ممن تركوا اثراً في التكوين الفكري والثقافي والذي بالتأكيد ينعكس بشكل مباشر أو غير مباشر على كتاباتي. فالقراءة بلا شك تصقل الموهبة، وتؤدي الى الارتقاء والتطور والتعرق على عوالم الثقافة وخباياها والاطلاع على خبرات الأدباء ونتاجاتهم وإبداعاتهم في مختلف أصقاع المسكونة.

المحور الثالث: قضايا أدبية عامة

1. كيف ترى تجربة الكتابة في العالم العربي ،اليوم، وما هي أبرز التحديات والفرص التي تواجهها؟

رغم اتساع رقعة السوشيال ميديا وإغراق الفضاء الأزرق بملايين الكتاب والمشاركات، التي تتدرج ما بين الغث والسمين، ولكن لا يمكن  في النهاية للصحيح إلا أن يبقى صحيحاً وبالتالي ينتهي أدعياء الثقافة في غربال الفكر، ولعل هذه من المشكلات التي أوجدتها مسألة فتح الأبواب للجميع، دون إيجاد ضوابط وقدرة على الحكم على الجودة والموهبة والإبداع ، من جهة أخرى ربّما يُشكل الجانب الاقتصادي أيضا عائقاً في وجه من يتوفر على الموهبة ويفتقد الامكانية المادية، لاشك أن المواهب الإبداعية ماتزال موجودة في عالمنا، ولا بد من توفير الفرص الحقيقية لإتاحة الظروف المناسبة للظهور والبروز على الساحة الثقافية، وهذه مسألة تقع على عاتق من لديه المسؤولية من وزارات ومؤسسات فكرية وثقافية، كي ترعى المواهب وتُنمّيها وترعاها من أجل أن تعطي وتزدهر.

2. ما رأيك في الكتابات النسوية في العالم العربي؟ وأين يمكننا ترتيب حضور الكتابة النسوية من خلال الإصدارات السنوية المتزايدة وحضورها في كل المجالات الإبداعية؟

ربما أختلف من الكثيرين في اطلاق هذه التسمية “الادب النسوي”، ففي اعتقادي أن الأدب هو أدب لا يهم جنس من يكتبه وما دمنا لا نقول أيضا الأدب الرجالي فلماذا نقول الأدب النسوي؟ لا أعرف من أطلق هذه التسمية حقيقة،  وقد تمّت مناقشة هذا الأمر في الكثير من المنتديات التي تواجدت فيها والبعض قال ليس ما تكتبه المرأة فقط بل ما يكتب عنها أيضاً من قبل الادباء الرجال يقال عنه الأدب النسوي بالنتيجة كما قلت الادب هو أدب بصرف النظر عمن يكتبه.

وبالطبع القصد من السؤال هنا عن القفزة التي حققتها النساء في البلدان العربية في مجال الأدب والثقافة، دعنا نتفق أنّ المرأة عندما تتاح لها  الفرصة فهي تُبدع كما  يُبدع الرجل، ولذلك يبقى المهم دوماً إعطاء الفرص لها في إمكانية الظهور على الساحة الثقافية دون مُعوقات واشكالات ودون وضع العصي في عربة التطور والارتقاء ، ولعلنا نّذكر أسماء البعض من الأديبات اللواتي استطعن التواجد بقوة على المشهد الثقافي مثل : مي زيادة، رضوى عاشور، نوال السعداوي، غادة السمان،  آسيا جبار، وأحلام مستغانمي والكثيرات غيرهن من اللواتي استطعن أن يثبتن أنفسهن بكل جدارةٍ وروعة على الصّعيد الأدبي بعدما تغلبن على سياسة التهميش التي فُرضت على الكثير من المبدعات، وإذا كنا نأمل بحركة نسائية واسعة على الصّعيد الفكري والثقافي، فلا بد من أن نبدأ بأنفسنا ونعمل لإنهاء سياسة الانغلاق والتغييب والتجاهل، وإنهاء العوائق المختلفة السياسة والاجتماعية والدينية من أجل إحداث تغيير ثوري في هذا المجال وفتح الباب على مصراعيه من أجل أن تواكب المرأة العربية جنباً إلى جنبٍ المسيرة الادبية صُحبة زميلها الرجل وهي قادرة وتملك كل مستلزمات الإبداع تماماً مثلها مثل الرجل.

3. مع تطور التكنولوجيا، هل تعتقد أننا قد نستغني يوماً عن الكتابة كوسيلة للتعبير أو التوثيق؟ وإلى أي مدى يمكن للذكاء الاصطناعي أن يؤثر على مستقبل الكتابة الإبداعية؟

الانسان هو الذي صنع التكنولوجيا وهو الذي يتحكم بها والكتابة فعل ابداعي خلّاق لا يمكن القول أنه سيندثر إلا باندثار الفكر والمعرفة وهذا غير وارد، ورغم المخاوف الجمة من الذكاء الاصطناعي الذي يمكن أن يكون سيفاً ذو حدين، في موضوع السلب والايجاب ،وهذا سيكون الدافع الاهم لإيجاد ضوابط وتنظيم لاستعمالاته وعدم ترك الحبل على الغارب لكل من هب ودب لكي يسرق ما يرغب من الذكاء الاصطناعي وينسب الأمر لنفسه.

 

المحور الرابع: رؤى شخصية ومستقبلية

  1. ما الكتاب الذي اثر في تجربتك الإبداعية وترك بصمة واضحة في مسيرة مسيرتك ؟

أعتقد أن كل كتاب قرأته أضاف الكثير لمسيرتي في مجال الأدب وعمق منها وارتقى بها نحو الافضل، وفي جميع المراحل العمرية، لأن الكتاب بكل بساطة هو الأساس من أجل توفير هدا الزخم والزوادة الفكرية اللازمة من أجل الاستمرار والتطور الثقافي، وبطبيعة الحال بقي لبعض الكتب أثراً عميقاً يَصعب نِسيانه مثل رواية” زوربا اليوناني” للكاتب اليوناني نيكوس كازانتزاكيس، ورواية “دون كيشوت” للكاتب الاسباني ميغيل دي ثيربانتس وكتاب “مائة عام من العزلة” للكاتب الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز وكذلك كتاب “الجريمة والعقاب” للعبقري الروسي الكاتب  فيودور دوستويفسكي ومن العرب كنت دوما استمتع بأدب الكاتب الرائع نجيب محفوظ والسوري المبدع حنا مينا والكثير من الكتاب العرب والغربيين

2. ما هو الكتاب الذي حلمت أن تكتبه ولم تتح لك الفرصة لكتابته بعد؟

ليس حلماُ وانما رغبة ملحة لأُنهي كتابة روايتي الأولى والتي معظم تفاصيلها في ذهني ولكنني أحتاج الى الوقت لاتمكن من كتابتها ونشرها بإذن الله.

3. كيف يرى الإنسان جورج عازار المبدع جورج عازار ؟ (سؤال للذات والتأمل)

ربما أعكس السؤال إلى: كيف تريد أن تكون مسيرة جورج عازار؟

الحقيقة أريد وألح دوما أن يكون التواضع والبساطة هي السّمة المُثلى للمرء من أجل الانسجام مع الذات، من أجل هذا أريد أن أكون أنا في جميع الظروف والحالات والا أكف أبداً عن التعلم وتطوير الذات في عالم لا يرحم أي تهاون أو تكاسل بل يجب دوماً مواكبة كل جديدٍ والنهل من كل الثقافات. أقول لجورج عازار كان جيداً ما حققته ولكن الأفضل والأهم هو الاستمرارية وعدم التفكير ولو لثانية أنّ ذلك كان كافياً بل على العكس يجب معايشة كل جديدٍ، وايجاد كل الدروب التي تفضي إلى المزيد من التطور والارتقاء والتحسن.

4. ماذا تضيف الجوائز الأدبية للكاتب (ة)، وهل تراها مقياساً حقيقيا للنجاح الإبداعي؟

إذا ما تحدثنا عن الجوائز التي تمنح في مجال الأدب قد يقودنا هذا إلى الحديث عن أكبر الجوائز في الدنيا بأسرها، وهي جائزة نوبل للأهداب، أنا أعيش هنا في السويد وكما هو معلوم فإن الأكاديمية السويدية هي التي تمنح جائزة نوبل السويدي للآداب، وفي كل مرة تتكرر مسألة هل كان ذلك الأديب أو الأديبة مستحقاً للجائزة أم لا؟ ولماذا لم تعطَ لفلان أو علان وهو الأجدر والأكثر استحقاقاً لها؟ أتحدث هنا عن أكبر الجوائز في العالم ناهيك عن الجوائز المحلية التي تُمنح للكتاب وحينها يستمر اللغط حول مدى استحقاقه لها.

اعتقد أن الجائزة وإن كانت في حد ذاتها تكريم وتقييم من قبل اللجان المختارة، ولكن بالطبع يجب ألا يغيب عن ذهننا المعوقات التي تمنع الموهوبون والمبدعون من الوصول إلى هذه المرحلة، وعدم وجود الداعم الحقيقي لهؤلاء للوصول الى تلك النجاحات. عود على بدء الجوائز هي بالتأكيد حافز من أجل بذل المزيد، وتعطي الشعور بأنّ هناك تقدير وتكريم للجهود المبذولة ولكن بالطبع سيكون أيضاً إبخاص لحق من لا يستطيع الوصول إلى تلك المنابر ولأسباب مختلفة لا مجال لذكرها هنا .

5. ما هي مشاريعك المستقبلية على الصعيد الإبداعي؟

قريباً سأرسل الديوان الجديد لي إلى الطباعة وهو بعنوان “أحصد الريح بمنجل الخيبة” وكذلك مجموعة قصص قصيرة بعنوان الهبوط نحو الأعلى وأنا أتابع الكتابة في نص رواية هي الأولى لي وأرجو أن أتمكن من إنهاء كتابتها قريباً.

 

 

عن madarate

شاهد أيضاً

جسد المرأة من الوظيفة الإغرائية إلى الغاية الحجاجية، “هواجس شجرة”؛ لانتصار عباس – الخليل اخنيبيلة

الخليل اخنيبيلة*    مقدمة تعرف القصة عموما بأنها “مجموعة من الأحداث يرويها الكاتب”[1]. وأما القصة …

اترك تعليقاً