الرئيسية / الأعداد / حين تتحول الثقافة إلى نص متعدد البنية: قراءة تحليلية في كتاب “السميائيات الثقافية: مفاهيمها وآليات اشتغالها” للناقد المعربي عبد الله بريمي – عبدالغفور روبيل

حين تتحول الثقافة إلى نص متعدد البنية: قراءة تحليلية في كتاب “السميائيات الثقافية: مفاهيمها وآليات اشتغالها” للناقد المعربي عبد الله بريمي – عبدالغفور روبيل

حين تتحول الثقافة إلى نص متعدد البنية: قراءة تحليلية في كتاب “السميائيات الثقافية: مفاهيمها وآليات اشتغالها”للناقد المغربي عبدالله بريمي- عبدالغفور روبيل

عبدالغفور روبيل*

 

لطالما اعتبرنا الثقافة مجرد صورة للعادات والتقاليد التي تعبر عن وجهة نظر لمجتمع ما حول الحياة والوجود بصفة عامة، فالإنسان عندما يمارس طقسا اجتماعيا أو ثقافيا فهو يكشف تصوره الخاص للعالم، أي كيف يرى الحياة ومدى استيعابه لها، فكل طقس ثقافي يمثل علامة ترميزية يمكن من خلالها معرفة مستوى وعيه وإدراكه؛ فالفرد يعبر عن رأيه وتفكيره من خلال أساليب متعددة، من بينها اللغة، والرسم، والرقص، والغناء… لذا اهتمت الدراسات الثقافية والسميائية بما ينتجه الإنسان، من أنشطة وطقوس بوصفها علامات دلالية، يمكن من خلالها قراءة ما وصل إليه الإنسان، أو الرسالة التي يريد تبليغها. لكن مع تطور الدراسات النقدية أضحت الثقافة أكثر دلالة وبعدًا معرفيًا، خاصة مع نظرية يوري لوتمان السميائية، التي أعطت مفهومًا جديدًا وقراءة مغايرة لمفهوم الثقافة بوصفها بنية مركبة بالغة التعقيد، ومعرفة متعددة الروافد. كل هذا دفع الناقد السميائي المغربي عبد الله بريمي إلى الاهتمام بنظرية لوتمان، خاصة بالجانب المتعلق بالثقافة، كمشروع يحمل سؤالًا جوهريًا: ما الذي يمكن أن تحمله الثقافة من قراءات في ظل تصورات ما بعد الحداثة؟

الثقافة في جوهرها معرفة لا يمكن فهمها إلا في سياق ذو بنية هيكلية منظمة، لذا عملت الدراسات الحديثة على دراسة الثقافة بوصفها موضوعًا تتداخل فيه عدة مباحث وعلوم، كاللغة، والأدب، واللسانيات، والترجمة، وعلم الاجتماع وعلم النفس، هذه الفروع الكبرى تشترك في نقطة مركزية، ألا وهي وصف إنتاجية التفكير الإنساني وفاعليته، فالثقافة موضوع شاسع لا يمكن فهمه إلا إذا وُضع في إطار محدد، ما دفع لوتمان إلى اعتبار النص فسيفساء ثقافيًا متعدد الصيغ واللغات، حيث يجمع حسب عبد الله بريمي “كل من ليفي ستروس، ورولان بارت، ويوري لوتمان، وبياتيغورسكي، وفاينير إرين بورتيس، وجون غالاتي، وإليزاب فاين… وكل من حذا حذوهم بأن الثقافة هي نسق ومجموعة من النصوص”¹، ما دفع الناقد بريمي إلى طرح مجموعة من التساؤلات المرتبطة بالمعنى الدقيق لمفهوم النص: هل يمكن اعتباره مجموعة من العلامات اللفظية فقط؟، أم أن الأمر يتعدى ذلك؟، مرورًا بسؤال: هل السميائيات تهتم بما هو هامشي دون مراعاة حركتي التاريخ والثقافة؟، وصولًا إلى التساؤل: ماذا يعني لوتمان بقوله: “إن الثقافة في مجملها تعد نصًا ذا بنية مركبة؟”²، من خلال هذه الأسئلة يسعى عبد الله بريمي إلى زعزعة التصورات التقليدية لمفهوم النص، ودفع القارئ إلى إعادة التفكير في حدوده الدلالية والثقافية؛ فالنص لم يعد حبيس الألفاظ والجمل، أي سجين اللغة، بل تجاوز تلك الحدود الضيقة إلى فضاء أوسع وأشمل بفضل عملية التأويل، التي جعلت العلامة متعددة المعاني لا تقف عند نقطة ما، أي غير منحصرة بين جدران النص التقليدي. هذا التوسع في العلامة دفع أيضًا إلى توسيع مفهوم النص ليتضمن كل ما هو لفظي وغير لفظي، ومن خلال هذا أصبحت الثقافة هي بدورها نصًا يتم تحليله وتمحيصه ونقده بآليات ومفاهيم في ظل المقاربة السميائية الثقافية.

ويشكل مفهوم النص حسب عبد الله بريمي أحد الأركان الأساسية التي تقوم عليها نظرية لوتمان السميائية، حيث يمكننا أن نذهب بعيدًا في قولنا إن سميائياته الثقافية تجعل من النص مركزًا لها، بل إنه هو الموضوع الرئيسي للدراسة السميائية، حيث يبدو أن تعريف النص عند لوتمان أشمل وأوسع بكثير حتى من مفهوم العمل الأدبي “فهو بالنسبة إليه فالقطعة الأثرية أو أي تحفة أو مصنوعة يدوية في أدائها الوظيفي ورسالتها الترميزية تعد نصًا. وكل ثقافة تنتقي من مجموعة نصوصها الكبرى نصوصًا فرعية هامة ومعبرة عن الهوية الثقافية لأفرادها. وإن انتقاء عدد من النصوص يمكن أن يكون مؤشرًا قويًا لظهور ثقافة دالة على التنظيم الذاتي للمجتمع، ويعكس القيمة السليمة والمتساوية بين النصوص في تصريف الثقافة”³، أي أن الثقافة حسب لوتمان تعد نصًا متعدد الصيغ واللغات يتجاوز حدود ما هو أدبي، لأنه مولد لعدد لا نهائي من النصوص؛ وهو بهذا التصور يكسب لوتمان السميائيات حياة أخرى، “إذ يتم النظر إلى النص باعتباره سيرورة دلالية متعاضدة (سميوزيس)، أو كونًا سميائيًا يتجاوز كل تصور ينظر إلى النص باعتباره الشيء، أو باعتبار النص فقط علامة لفظية. فالنص في تحديد يوري لوتمان يتجاوز ما هو لفظي مادي داخل ثقافة ما، باعتبارها مجموعة من النصوص، إلى ما هو لا مادي ورمزي”⁴.

كما نجد السميائي والناقد عبد الله بريمي يستعين بنظرية بورس وسوسير في شرح الكيفية التي يتم التعامل بها مع العلامة المرتبطة بالأنساق الثقافية؛ فهذه الأخيرة بالنسبة لبورس هي شيء ينوب بالنسبة لشخص ما عن شيءٍ ما، أي أن العلامة المتولدة عن الأولى تولد في ذهن هذا الشخص علامة موازية أو ربما علامة أكثر تطورًا، وهو ما يطلق عليها بالعلامة المؤولة. وبمعنى أدق نجد الماثول يحيل على موضوع عبر مؤول، أي عبر سلسلة الإحالات، وهو ما يطلق عليه السميوزيس في سميائيات بورس؛ “أي السيرورة المؤدية إلى إنتاج الدلالات وتداولها، وهي المسؤولة عن العلاقة السميائية التي تربط الماثول بالموضوع عبر الأشكال التوسطية التي يقوم بها المؤول”⁵، وبالتالي فالنص هو الوحدة الأساسية للثقافة، وحاصل كل نسق تواصلي إبلاغي، والموضوع الجوهري للدراسة السميائية بوصف النص نسقًا سميائيًا وأنموذجًا مصغرًا للثقافة، الذي يهدف إلى إنتاج المعنى داخل فضاء سميائي تغمره حركتا الثقافة والتاريخ من جهة، والنظر إلى الثقافة باعتبارها حدثًا نصيًا ذا بنية مركبة من جهة أخرى.

في هذا الإطار يرى عبد الله بريمي أن الخاصية التوليدية لبنية النص تتمثل في الخاصية التعبيرية أولًا، واللامحدودية ثانيًا، وأخيرًا الاتساق البنيوي الذي يحكم النص، ويضيف أيضًا أن تعبيرية النص “هي ما جعل من النص نصًا، وهي ما يتيح لنا تصنيف النص في فئة بعينها؛ أي اعتبارها أدبًا، وأيضًا اعتباره منتميًا إلى جنس أدبي بعينه وأسلوب بعينه، فمثلا حين نقرأ رواية جديدة فإننا تلقائيا نقارنها بغيرها فيما يخص الجنس الأدبي والأسلوب، لنصل إلى اعتبارها نصا له وجود مادي … فإن تعبيرية النص تشير أيضا إلى الغلاف المادي للنص وكيف يتم التعبير عنه، من خلال أي وسيط كيفما كانت طبيعته، سواء كان أصوات اللغة الطبيعية، أو صور الفيلم، أو الرموز المطبوعة على الورق، أو التي نراها على شاشة الكمبيوتر وما يهمنا هنا هو أنه حين يتم التعبير عن النص باستخدام مادة ما فإن تلك المادة تكتسب بدورها دلالات سميائية”⁶، فالنص حسب أو سبنسكي يخلق عالما خاصا به من خلال زمانه ومكانه، بل أكثر من ذلك فالنص لا يبقى منحصرا ضمن حدود الألفاظ بل يتجاوز ذلك ليدخل في علاقة بما يوجد خارجه، وفي علاقته باللانصوص،  حيث اعتبر أيضا يوري لوتمان الثقافة نصا، وهي نص متعدد اللغة بالغ التعقيد؛ لأن للنص وظائف نسقية، لذا فالثقافة بوصفها نصا في تقديرات يوري لوتمان يهدف إلى خلق لغة ثقافية تفردها.

ومن جهة أخرى يرى لوتمان أن للنص “وظيفتين أساسيتين: وظيفة تواصلية تتبدى في نقل النص لخبر أو معلومة ما، ووظيفة إبداعية تتبدى في توليده المعلومات جديدة. وتمتلك هذه الوظيفة قوة كبيرة على إحداث تشويش يطال النص مما يعرقل العملية التواصلية ويزيد من غموض النص وصعوبة توقعاته”⁷؛ لأن النص بهذه الوظائف تجعله يقوم بتوليد مجموعة من الدلالات والعلامات غير المحدودة، وعدم التوقع والتنبؤ داخل العمل الفني، مما يصعب على المتلقي الإمساك بماهية النص، وبالتالي ضمان السيرورة التاريخية للنص، والعيش عبر الأزمنة بفعل تعدد القراءات من طرف القارئ.

كل هذا دفع الناقد عبد الله بريمي إلى اعتبار أن اللغة لا تنحصر في القواعد والألفاظ والمعاجم المعروفة واللغات الرسمية، بل يطلق أيضا مصطلح اللغة على “العادات والطقوس والتجارة والمفاهيم الدينية. وبمعنى آخر، يمكننا أن نتكلم عن “لغة” المسرح والسينما والرسم والموسيقى والفن التشكيلي، بوصفها لغة منظمة بطريقة معينة”⁸، مادامت اللغة تتميز بعلامات دالة على معجمها وعلى قواعد تربط بين هذه العلامات، مما يسقط عليها عدم الثبات والفوضى، بل هي منظمة ومبنية في سلسلة من الحلقات والقواعد التي تضمن لها الوجود المادي والممارسة الفعلية. وقد عرض الناقد عبد الله تصور لوتمان حول إشكالية علاقة الفن بالحياة، “مفترضا أن الفن يشكل آلية وأداة معرفية وإدراكية. والعلاقة بين الفن والحياة هي علاقة قائمة على الاختلاف وليس على التشابه والتماثل فالفن بآلياته الخاصة قادر على إدراك الحياة عبر إعادة خلق واقع جديد”⁹، فالفن يعيد انتاج واقع آخر يخالف الذي ولد منه بواسطة اللغة، نظرا لمميزاتها وخصائصها التي تمكنها على خلق واقع جديد يتجاوز حدود ما نستوعبه، فالفن يشكل فضاء معرفي وجمالي فالوقت نفسه، وأداة يستوعب بها الانسان وجوده، وسحر الاشياء التي تحيط به، وبالتالي تكون للفن “قدرة على إضافة طبقات أو مستويات دلالية أخرى لأي نسق سميائي، فالتمثال الملقى على العشب مثلا ينتج علاقة جديدة بين الرخام والعشب وهو ما يعطي فرصة ميلاد دلالات جديدة. هذه الدلالات الجديدة هي ما يصطلح لوتمان على تسميتها بالأنساق المنمذجة الثانوية” ¹⁰.

وقد ذهب عبد الله بريمي أبعد من لوتمان في تعريفه للغة،  بهدف الدفاع عن فكرة الثقافة بوصفها نصا، إذ يقول: “إذا كانت اللغة في تحديد لوتمان عبارة عن أنساق منمذجة قائمة على الوظيفة التواصلية، فإنه لا يمكننا أن نتصور الثقافة إلا باعتبارها نسقا عاما يتكون من أنساق مختلفة ومتعددة تصوغ بدورها العالم على نحو خاص وخاضع لقوانين وإكراهات ثقافية خاصة”¹¹، وبهذا ينقل الناقد بريمي اللغة، من الحيز الضيق المتمركز في النسقية المفرطة في وضع الحدود، إلى مجال أوسع المتمثل في الثقافة، أي أن الثقافة هي لغة ونص له أسسه وبنياته التي تميزه عن اللغات الأخرى.

وبذلك لم تعد الثقافة تنحصر في بعدها الدلالي المعبر عن نمط فكري معين لمجتمع ما، وليس فقط في مجموعة من الممارسات والأفعال التي نلاحظها وننتقدها ونؤولها من زاوية ضيقة، بل أصبحت فضاءً مفتوحًا يسمح بتعدد الدلالات والمعاني المتضمنة داخل الثقافة. فهي مجموعة من النصوص التي تحمل وصفًا تاريخيًا وذاكرة جماعية وإرساليات سردية تحمل هوية مجتمع ما، وبهذا المعنى تحولت الثقافة إلى نص ذي بنية مركبة ومنظمة قابلة للقراءة والتحليل.

ومع ذلك يظل تصور الثقافة بوصفها نصًا مفتوحًا على التأويل الذي يطرح عدة إشكالات نظرية، خاصة في ما يتعلق بحدود هذا المفهوم واتساعه المفرط؛ إذ إن تحويل مختلف الممارسات الثقافية إلى نصوص قد يؤدي إلى تمييع الحدود بين النص الأدبي والظواهر الاجتماعية، وهو ما يدعو إلى إعادة التفكير في مدى صلاحية هذا التصور في تحليل التحولات الثقافية المعاصرة.

الهوامش:

  1. عبد الله بريمي، السميائيات الثقافية: مفاهيمها وآليات اشتغالها، دار كنوز، الطبعة الأولى، 2018، ص 71.
  2. المرجع نفسه، ص 72.
  3. المرجع نفسه.
  4. المرجع نفسه، ص 73.
  5. المرجع نفسه، ص 74.
  6. المرجع نفسه، ص 82.
  7. المرجع نفسه، ص 90.
  8. المرجع نفسه، ص 91.
  9. المرجع نفسه، ص 92.
  10. المرجع نفسه، ص 93.
  11. المرجع نفسه، ص 97.

 

 

 

عن madarate

شاهد أيضاً

جسد المرأة من الوظيفة الإغرائية إلى الغاية الحجاجية، “هواجس شجرة”؛ لانتصار عباس – الخليل اخنيبيلة

الخليل اخنيبيلة*    مقدمة تعرف القصة عموما بأنها “مجموعة من الأحداث يرويها الكاتب”[1]. وأما القصة …

اترك تعليقاً