الرئيسية / الأعداد / المأساة في الرواية المنجمية: قضايا ونماذج من كتابات شرق المغرب – محمد احمداي

المأساة في الرواية المنجمية: قضايا ونماذج من كتابات شرق المغرب – محمد احمداي

المأساة في الرواية المنجمية: قضايا ونماذج من كتابات شرق المغرب

 محمد احمداي*

 

توطئة

على الرغم من الأهمية الاقتصادية للمنجم في الحياة الاجتماعية إلا أن وجوده ارتبط بالمأساة والمعاناة، كالموت والمرض والفقد والألم. وفي هذا السياق، جاءت الرواية لتنقل وتؤرخ هذه المشاهد والحالات الواقعية بصورة فنية ولغة أدبية تجمع بين جمال الأسلوب وعمق الموضوع. وقد اخترنا روايتي مينور شربون لمحمد الدويمي وفدان الجمل لعبد الرحيم كلموني نموذجين سرديين لإبراز مظاهر هذه المآسي والمعاناة في الرواية المنجمية.

أدب المناجم، هو ذلك الأدب الذي يتخذ من الحياة المنجمية موضوعا له، بمختلف جوانبها الثقافية والاجتماعية والحقوقية والاقتصادية، أي الأدب الذي يصور حياة العمال وأسرهم وظروف عيشهم ومعانتهم وهمومهم وصراعهم، مع تصوير مشاهد لنمط عيشهم وثقافتهم واهتماماتهم وانشغالاتهم، سواء في الرواية أو القصة أو الشعر أو الزجل أو المسرح أو غيرها من الآداب والفنون اللغوية.

أما عن روايتي مينور شربون لمحمد الدويمي وفدان الجمل لعبد الرحيم كلموني، فيمكن تصنيفهما ضمن صنف الرواية المنجمية باعتبار معيار الحدث / الموضوع؛ لأن أحداثهما تدور في بيئة منجمية، وتسرد حياة عمال الفحم، وتصف حالتهم المادية والشعورية. ويمكن تصنيف الروايتين أيضا ضمن صنف الرواية التاريخية – الاجتماعية على اعتبار أن السارد يمتاح أحداثه من مجتمع واقعي أمسى لحظة كتابة الرواية جزءا من التاريخ المعاصر، وأن الرواية أضحت نافذة لاستكشاف حقبة رئيسة من تاريخ مدينة جرادة، واستكشاف تراثها المنجمي، خاصة لدى الجيل الناشئ الذي انقطع عن حياة المنجم بعد غلقه.

أولا: راوية فدان الجمل

تعكس الرواية عالما تسوده القسوة، حيث تتحول حياة الشخصيات إلى سلسلة من المعاناة المتكررة المرتبطة بفضاء المنجم. فالمأساة هنا ليست حدثا استثنائيا، بل واقعا يوميا يعيشه العمال وأسرهم، إذ يظل الخطر حاضرا في كل لحظة، مما يجعل القلق والخوف جزءا من تفاصيل الحياة العادية.

الموت

يحضر الموت في الرواية باعتباره المصير المحتوم الذي يهدد العمال داخل المناجم. فلا يقتصر على كونه نهاية طبيعية، بل يتحول إلى تجربة جماعية تترك أثرها في المجتمع بأكمله. وتبرز الرواية كيف أن حوادث الشغل، والانهيارات، وظروف العمل القاسية، تجعل الموت قريبا ودائما، مما يرسخ الإحساس بعدم الأمان. لقد أجمل السارد عبد الرحيم كلموني هذا الوضع وهو يتحدث عن عمال المنجم: “لا يملكون سوى مصابيحهم المثبتة على جبهاتهم فوق الخوذة، معرضين أنفسهم للموت، من أجل لقمة عيش، اختناقا بالغازات المتسربة عبر السراديب، أو غرقا في المياه التي كانت تتفجر عيونا وتغمرهم وهم منبطحون على بطونهم أو متكئون على جنبهم أو ظهورهم في الأوردة الضيقة الوطيئة، أو زاحفون على مرافقهم، وفي أيديهم مطرقة الحفر الهوائية، وهم يستنشقون غبار الفحم الذي يستقر في ثنايا رئاتهم ليصيبها بعطل جزئي أو كلي”[1].

الفقدان

يتجاوز الفقدان في الرواية فقدان الحياة ليشمل فقدان الاستقرار والأمل والكرامة. فالشخصيات تعيش حالات من الانكسار النفسي بعد فقدان الأحبة أو مصادر العيش، وهو ما يخلق فراغا عاطفيا واجتماعيا كبيرا. كما يتجلى الفقد أيضا في ضياع الطفولة والأحلام، خاصة لدى أبناء العمال.

المأساة الاجتماعية

لا تقف المأساة عند حدود الفرد، بل تمتد لتشمل المجتمع بأكمله، حيث تكشف الرواية عن هشاشة البنية الاجتماعية، وانتشار الفقر، والتهميش، وغياب العدالة الاجتماعية. ويغدو المنجم رمزا للاستغلال الذي يفاقم معاناة الطبقة العاملة.

تقدّم رواية فدان الجمل صورة شاملة للمأساة في أدب المناجم، حيث تتداخل أبعاد الموت والفقدان مع معاناة المرأة، لتشكّل لوحة إنسانية قاتمة تعكس واقعا اجتماعيا صعبا. وبذلك، تتحول الرواية إلى شهادة أدبية على معاناة فئة مهمشة، وتعبير فني عن الألم الإنساني في أقسى تجلياته.

ثانيا: رواية مينور شربون

في رواية مينور شربون، لم يكن العامل وحده من يتجرع الآلام، بل كانت المرأة هي الأخرى تقاسي من الفراق والفقد والحرمان، وكانت تقاسم الرجل قساوة الحياة، وتفرح لفرحه، وتحزن لمرضه وموته، فشبح الفحم كان يطاردها ويؤرقها ويفزعها، ويهددها باختطاف رفيق دربها. وبهذا فقد صور محمد الدويمي المرأة في روايته في ثلاثة مشاهد كبرى: صورة المرأة الزوجة المؤنسة والمساندة، وصورة المرأة الأرملة المقهورة، وصورة المرأة الأم الثكلى المكلومة.

إن معاناة المرأة المنجمية لا تنقضي بانقضاء حدث أو حادث، بل تتغير من صورة إلى أخرى وتتطور من شكل إلى آخر؛ إن وفاة الزوج العامل المنجمي المعيل، سواء بحادث مهني أو مرض السليكوز يترك زوجته تواجه عالما جديدا لوحدها. والغالب والحال هذه أن يترك أيتاما صغارا، فتكون الزوجة هي الأم والأب معا.  وأحيانا يغادر الزوج زوجته في عهد مبكر، فيكون زواجها سرابا. وقد قدم محمد الدويمي مثالا لهذه الحالة وهو يسرد قصة العامل الشاب الملقب بالعمراوي الذي باغته الموت حين انهارت به إحدى الدعائم الخشبية فهوى إلى قعر الموت، تاركا زوجة مكلومة حبلى. يقول السارد: “كان العمراوي قد تجاوز بقليل العشرين سنة من عمره… عمل سنتين وقرر الزواج… لا زلت أذكر حين عزم جميع العاملين بهذا “لاطاي” إلى وليمة العرس… لبى أغلبنا النداء وباركوا له زواجه بمقر سكناه بدوار أولاد اعمر حيث يقطن رفقة والدته الطاعنة في السن”[2]. ويضف السارد مصورا هذا المشهد من المأساة الذي تنال فيه الزوجة القسط الوافر:

“مات العمراوي دون أن يفرح بازدياد مولوده.

دون أن يسمع أولى صرخاته.

دون أن يقبله.

دون أن يختار له اسما.

لقد كتب على هذا الجبين أن يعيش يتيم الأب في بطن أمه وعند خروجه إلى الدنيا.

مات العمراوي.

نشبت المنية أظافرها في شبابه.

ترك زوجة مكلومة، وأما ثكلى مصدومة، وجنينا لم ير النور بعد.

بكت أسرته الصغيرة كثيرا”.

وعندما تكون الوفاة تدريجيا بسبب المرض المهني فإن المشهد يتلون بأحزان من نوع آخر، وقد صوره السارد من خلال حالة العامل مولاي سعيد وهو على فراش الموت بجانب زوجته وأبنائه: “وجه بصره نحو زوجته.

تعلقت عيون أبنائه بأهداب عينيه الشاردتين.

حرك شفتيه.

قرأت زوجته كلماته من خلال هذه الحركة وإيحاءات عينيه الذابلتين.

دنت منه أكثر.

وضعت رأسه برفق في حضنها.

نظفت بمنديل رغوة بيضاء فارت من فمه وتجمعت عند شدقيه.

وضعت يدها على جبينه ووجهه.

انفجرت باكية.

تعالى بكاء أبنائه أيضا…

رفع أصبع يده اليمنى وتمتم بأشهد ألا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله، ثم ارتخى وسافرت عيناه بعيدا.

لقد تخطفه الردى من بين أحضان أسرته الصغيرة”[3].

وبعد هذه الأشواط من المآسي التي تمر على الزوجة حالة مرض الزوج ووفاته، تنطلق معاناة أخرى، تخرج فيها الأرملة لأول مرة لمواجهة وضع قاس يبدأ بجمعها لملف التعويض وتنقلها بين المحكمة والإدارات من أجل الحصول على تعويض هزيل، ثم بعد ذلك، تتولى مهمة تنشئة الأيتام ورعايتهم. يقول السارد معبرا عن هذا الوضع: “لم ينه الموت معاناة أسرة الفقيد. تبدأ معاناة من نوع آخر… سيصبح لزاما على تلك الأرملة التي دخلت العدة، وهي التي لم تكن تغادر بيتها إلا نادرا، أن تنتقل يوميا ولأيام عديدة بين المحكمة والشركة والبلدية والمركز الصحي ومكتب العدول قصد تكوين ملف إداري يخول لها انتزاع بعض التعويضات عن المرض المهني والحصول على تقاعد هزيل سيذوب بسرعة بين يديها… سيصبح لزاما كذلك على الأبناء أن يتعودوا قسرا على اليتم… أن يستبدلوا مرحلة انتظار عودة الأب من المنجم إلى زيارة خفيفة رفقة أمهم إلى المقبرة صبيحة كل يوم جمعة”[4].

خاتمة

إن المأساة في أدب المناجم، كما تتجلى في روايتي مينور شربون لمحمد الدويمي وفدان الجمل لعبد الرحيم كلموني، تصور حالة إنسانية جماعية تتقاطع فيها مصائر الرجل والمرأة داخل فضاء منجمي قاس تحكمه سلطة الخطر والموت. ففي مينور شربون، لا يصور محمد الدويمي المرأة إلا في مشاهد مأساوية، حالها حال الرجل العامل، إذ يتقاسمان معا وطأة الحياة المنجمية، حيث يواجه الرجل شبح الموت اليومي داخل باطن الأرض، ويكابد قسوة العمل وأمراضه الفتاكة، وعلى رأسها السحال الرملي، بينما تعيش المرأة على إيقاع الخوف والانتظار والفقدان، فتظهر إما زوجة صابرة، أو أرملة مثقلة بالمسؤوليات، أو أما مكلومة تنكسر أمام قسوة الواقع.

ولا يختلف الأمر في فدان الجمل، حيث تتسع دائرة المأساة لتشمل أبعادا أكثر شمولية، إذ يصبح الموت قدرا يوميا، والفقدان واقعا مستمرا يمتد ليشمل البنية الاجتماعية بأكملها. وتبرز المرأة هنا أيضا كوجه بارز لهذه المعاناة، تعيش تبعات الفقد وتتحمل أعباء الحياة في ظل غياب المعيل، مما يجعلها شريكا أساسيا في هذه التراجيديا، رغم بقائها خارج فضاء المنجم.

لائحة المصادر والمراجع

  • الأجناس الأدبية، إيف ستالوني، تر: محمد الزكراوي، ط1، 2014، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت.
  • عبد الرحيم كلموني، فدان الجمل، نشر سومكرام، المغرب، 2011، ص 103.
  • محمد الدويمي، مينور شربون، ط1، وجدة، 2021.
  • محمد الدويمي، جرادة… بقايا أيام متمردة، ط2، وجدة، 2024.

 

[1] عبد الرحيم كلموني، فدان الجمل، نشر سومكرام، المغرب، 2011، ص 103.

[2] المصدر السابق، ص95.

[3] المصدر السابق، ص106.

[4] المصدر السابق، ص108.

ناقد من المغرب

عن madarate

شاهد أيضاً

جسد المرأة من الوظيفة الإغرائية إلى الغاية الحجاجية، “هواجس شجرة”؛ لانتصار عباس – الخليل اخنيبيلة

الخليل اخنيبيلة*    مقدمة تعرف القصة عموما بأنها “مجموعة من الأحداث يرويها الكاتب”[1]. وأما القصة …

اترك تعليقاً