الرئيسية / الأعداد / سيميائية المكان في رواية (مملكة الجواري) للروائي محمد الغربي عمران – محمد ناصر السعيدي

سيميائية المكان في رواية (مملكة الجواري) للروائي محمد الغربي عمران – محمد ناصر السعيدي

سيميائية المكان في رواية (مملكة الجواري) للروائي محمد الغربي عمران

محمد ناصر السعيدي*

 

مقدمة

تعد السيميائية من أهم المناهج النقدية التي حققت تطورًا في دراسة الأشكال السردية، من خلال معرفة العلاقات بين العلامات، ونظرًا لأهمية المكان في الرواية التي تتجاوز كونه الإطار الذي تقع فيه الاحداث إلى بناء العمل السردي وإبراز الدلالات ونفسية الشخصيات؛ فقد حاولت هذه القراءة تقصي المكان سيميائيًا في رواية (مملكة الجواري) للكاتب محمد الغربي عمران؛ وذلك لما تحتويه هذه الرواية من أمكنة كثيرة تتحول إلى فضاءات مزدحمة بالأحداث والشخصيات والدلالات الفنية.

رواية (مملكة الجواري) منجز سردي يروي فصلًا من فصول التاريخ اليمني، إبان حكم الدولة الصليحية ،لا لإعادة إنتاج التفاصيل التاريخية برؤية فنية مختلفة وحسب؛ ولكن لإبراز علاقة السياسي بالمثقف خلال تلك الفترة، وهي ذات العلاقة المفخخة بالقمع والاضطهاد، والمجللة بالسجون والمنافي عبر التاريخ الطويل، كما تسعى الرواية إلى خلق رؤية للانعتاق لدى المتلقي، والتخلص من رواسب الجهل والطغيان والمذهبية المقيتة.

أنواع المكان في الرواية:

أولًا: الأمكنة المفتوحة

للأمكنة المفتوحة أهمية كبيرة في التعبير عن الحرية، ومنح الشخصيات القدرة على الحركة والتواصل، وتجسيد العلاقات الإنسانية والاجتماعية، وأهم الأمكنة المفتوحة في الرواية هي:

1-اليمن:

اليمن أو جزيرة اليمن كما جاء ذكرها على لسان الراوي تمثل المكان الكبير، والمسرح الواسع الذي احتضن الكثير من الأمكنة التي دارت فيها الأحداث وتنقلت خلالها الشخصيات، وذلك خلال حقبة الدولة الصليحية التابعة اسميًّا للدولة الفاطمية في مصر، خلال الفترة (429 – 532هـ / 1047 – 1138م)، واليمن في الرواية تتحول إلى علامة دلالية تشير إلى الاستقرار و الحياة الكريمة، كما تشير إلى الصراع والظلم وتعاقب الدويلات.

2-مدينة صنعاء (أحياؤها، وشوارعها، وأزقتها، وأسواقها):

مثلت صنعاء في جزء من الرواية عاصمة للدولة الصليحية ومؤسسها علي بن محمد الصليحي، وزوجته أسماء بنت شهاب، وابنه المكرم الذي انتقلت به زوجته سيدة إلى مدينة ذي جبلة؛ لينتقل معهما مركز الحكم والسيادة إليها، ولا يعني ذلك تغييب رمزية صنعاء السياسية وإحالتها إلى الهامش؛ لكنها ظلت هدفًا للطامعين، ومحطة للنفوذ والصراعات.

في الرواية يرد ما يشير إلى مكانة صنعاء التاريخية، وجماليات معمارها وخصوصية أسواقها وأحيائها وأزقتها، فهناك سوق للوراقين، وأسواق للملح والبخور والعطارة والطعام.. وهناك أزقة للصفارين والحدادين، وحي للدباغين، كما يظهر مدى التعايش السلمي، والتنوع الديني والاجتماعي فيها؛ فمع حضور الجامع الكبير (المقدس) كرمز ديني للمسلمين، يرد ذكر كنيس اليهود التي يمارس فيها العيلوم ومن معه من اليهود طقوسهم بكل حرية.

3-سوق الوراقين:

السوق هو المكان الذي يحمل دلالة اجتماع الناس بكل ألوانهم وفئاتهم، للبحث عن حوائجهم المعيشية، وإيجاد فرص الدخل، وتبادل المنفعة، وإضافة الوراقين إلى كلمة سوق تحمل معنى الاختصاص، وتمثل رمزًا للحياة المدنية في جانبها المشرق حيث يتواجد النساخ والكتب والقراء كقيمة ثقافية تعكس مدى الوعي والإيمان بالعلم والمعرفة في مجالاتها المختلفة لدى النخبة المثقفة في ذلك الزمان.

يقول جوذر: “أتذكر في تلك الأيام أن الملك المكرم استقر في صنعاء بعد حروب سنوات إخضاع أمراء الحصون والقبلع البعيدة.. لتزدهر أسواق صنعاء بوفرة السلع ورواجها.. وازداد الإقبال على نسخ الكتب. ولذلك خطيت لنفسي طريقًا تقضي بإتقاني في عملي.. وطلب أجر مضاعف على ما يطلب مني نسخه”.

4-القرى والمدن والجبال والوديان المنتشرة بين صنعاء وذي جبلة:

في الطريق جنوبًا إلى مدينة ذي جبلة العاصمة الجديدة للصليحيين، تمر الموكب الملكي ومن معه بالعديد من القرى والمدن والجبال والوديان التي تعكس التنوع الجغرافي والجمال الطبيعي لأراضي الدولة، ومن تلك الأماكن المفتوحة التي ورد ذكرها في الرواية: (بلاد الروس وسنحان، ومدينة ذمار، والعديد من الجبال والوديان والمنحدرات، ووديان حبيش والسحول، ومدينة الثجة (إب)، ووادي ذي جبلة، وغيرها من السفوح والأخاديد).

   كما تحمل هذه الأمكنة المفتوحة دلالة الولاء والانتماء، فسكانها يدينون بالطاعة للدولة الصليحية، ويتسابقون إلى شرف استضافة الملك والملكة وموكبهم، احتفاءً يليق بجلالتهم ويجدد العهد لموالاتهم، والوقوف ضد أعدائهم والخارجين عليهم.

 5-مدينة ذي جبلة:

مدينة ذي جبلة هي الوجهة الجديدة للملكة سيدة وزوجها المكرم؛ لطيبة أهلها وموقعها الذي يتوسط جزيرة اليمن، وتعد ذي جبلة العاصمة الأكثر أمنًا وولاءً لدولتهما، وفيها ستجد السيادة مبتغاها؛ لبسط النفوذ والسيطرة على أرجاء الدولة.

6- مكة ومصر:

يحمل هذان المكانان دلالة الارتباط الديني والسياسي بمكة، والقاهرة عاصمة الفاطميين.

7-زبيد والجند وتهامة وعدن:

تمثل هذه الأمكنة محطات النفوذ أحيانًا، وميادين المعارك، ومراكز الصراع والتنازع من قبل الدويلات أحيانًا أخرى، ففي تهامة كان مقتل الملك علي بن محمد الصليحي “على أيدي عبيده وهو في طريقه لكسوة الكعبة المشرفة”، وفي زبيد تم أسر زوجته أسماء بنت شهاب قبل عودتها إلى صنعاء، وإخضاعها تهامة وزبيد للدولة الصليحية مرة أخرى.

8-القلاع والحصون:

القلاع والحصون مآثر حضارية خالدة تدل على عظمة الإنسان اليمني في العمارة والتحصين ضد الغزاة الطامعين، تجسد الشموخ والجمال، ومهما كانت محكمة الإغلاق بالأبواب والأسوار المنيعة، إلا أنها أماكن عامة مفتوحة يجتمع في ساحاتها الأهالي والمحاربون، ويجتاحها الطامعون، وهي نماذج راقية لاستقرار وتبعية الرعايا؛ لتقديم فروض الخضوع والولاء للحاكم، كما تتحول أحيانًا إلى ميادين للمعارك والصراع بين الأطراف المتنازعة.

وقد اشتملت الرواية على عدد من أسماء القلاع والحصون اليمنية الشهيرة التي شهدت عبر تاريخها الطويل المتغيرات والصراعات السياسية، ومنها: (قلعة صنعاء، وقلعة العسال المتربعة على حيد وعلان، وحصن هران المطل على مدينة ذمار، وقلعة صيد (سمارة)، وحصن خدد، وحصن حب المطل على مدينة الثجة من جهة الشرق، وحصن التعكر، وحصن قيضان، وقلاع بني المظفر وآل الزواحي)، ونذكر منها على وجه التفصيل ما يلي:

 قلعة صنعاء : وتمثل مركز الحكم بقيادة علي بن محمد الصليحي، ثم زوجته الملكة أسماء بنت شهاب، وتمثل القلعة علامة دلالية لنجاح السلطة في بسط النفوذ، وتوثيق تعاليم الحكم المستقبلية التي خطتها الملكة وأوصت بها ربيبتها سيدة، كما تمثل القلعة رمزًا للظلم، وقمع المتمردين فكريًا وسياسيًّا.

حصن التعكر: هو الحصن المطل على مدينة ذي جبلة، ويحمل دلالة المنفى القسري والتخلص من أقرب المعارضين؛ إذ تم نفي المكرم الصليحي زوج الملكة سيدة إليه، حتى فارق الحياة، بدعوى أنه مريض يطلب الاستشفاء والابتعاد عن هموم الدولة، وأعباء السلطة.

9-الصخرة المسطحة التي على مشارف الغابة:

يمثل هذا المكان المتنفس الطبيعي الذي كان يهرب إليه جوذر ليلاً؛ ليتصفح النجوم ويقرأ الحنين الذي يشده إلى شوذب على وجه السماء، وجدران القصر، وأبراج الحراسة.

ثانيًا: الأماكن المغلقة

تعد الأمكنة الداخلية أكثر تعبيرًا عن الحياة الخاصة للشخصيات، وتحمل دلالات متباينة؛ كالشعور بالأمان والسعادة والاستقرار، وفي المقابل قد تمثل الانطواء، والعزلة، والحزن، وربما القمع والاضطھاد وتقييد الحريات.

1-حانوت المعلم:  

في سوق الوراقين بصنعاء يقع حانوت المعلم والد (شوذب)، ويعمل معه (جوذر) بطل الرواية ومنه يتعلم الكثير من المعارف والعلوم، والحانوت رمز للتنوير والفكر المستنير الذي يشكل خطرًا على أمن الدولة، ومذهبها الإسماعيلي؛ الأمر الذي حدا بالمستشار اليامي مصادرته كتب المعلم وهدم الحانوت، لتتجه التهمة إلى فاعل مجهول، ويفقد جوذر أعز الكتب إلى قلبه، ويتم اعتقاله وإيداعه في سجن قلعة صنعاء، ويتعرض للعذاب، ثم في حادثة قادمة يساق أسيرًا إلى ذي جبلة بتهمة عدم تسليم أمانة المعلم من الكتب والأوراق التي يبحث عنها القزم المستشار.

كما يمثل الحانوت نقطة البدء في مسيرة جوذر العاطفية بعد أن تعرف إلى شوذب ابنة المعلم ووقف حياته لحبها في سبيل اللقاء والزواج بها.

يقول جوذر:  “وحين نعود إلى معلمي يحدثنا بضرورة إعمال العقل وعدم التسليم بظاهر ما يعتقده الناس.. ولا بمسلماتهم.. وكان يدعونا دائمًا للبحث عما وراء ظاهر الأشياء لنصل إلى حقيقة جوهرها ولنصنع ألنفسنا ما نعتقده.”

2-سجن القلعة في صنعاء:

  بعد أن أطلقت الدولة حملة لتفتيش سوق الوراقين، والعثور على كتب تخالف المذهب، تم اقتياد جوذر إلى ظلمة الله (السجن)؛ دلالة على القمع وتكميم الأفواه .

“اقتادني عسكر القلعة في يوم بعيد وأدخلوني ظلمة تحت الأرض ولم أخرج الا بعد أكثر من خمس سنوات.. ظلمة لا تشبه أي ظلمة.. يسكنها مجموعة من المغضوب عليهم .. يتعايشون مع الموت وزواحف لا ترى”.

– يقول السجان: ” إن استمريت بالرفض سننقلك إلى مكان آخر”. ، فيقول جوذر:

“- تخيلت المكان الآخر ظلمة الله .. تداخلت حواسي ولم أعد أميز ما يردده.. وإن كنت أتابع حركة شفتيه وتلك النظرات الحادة”.

3-كنيسة اليهود في صنعاء:

مع اشتداد الصراع المذهبي بين طوائف المسلمين، وغلبة الدعوة الإسماعيلية في تلك الحقبة؛ إلا أن هناك مساحة من التسامح والتعايش السلمي مع أبناء الديانات الأخرى، وهذا ما يجعل وجود الكنيسة قيمة رمزية للتنوع والرقي الديني والفكري، والاستقرار الاجتماعي في إطار الوجود الإنساني المؤمن بالحب والسلام.

“عبر بي ممرات الكنيس حتى أوصلني حجرة جانبية.. ضجيج لحضور تردد صداه الجدران الداكنة.. وقف عدد من لابسي ملابس الطقوس. أشار عليّ أن أتقدم نحو رجل يقف وسطهم.. خطوت نحو نظراته.. قدمني للعيلوم..  تحركت مع من تحرك إلى قاعة مترامية الأرجاء.. انتشرت فيها شموع كثيرة منها المعلقة وأخرى على رفوف الجدران.. وأخرى على شمعدان فضي ضخم .. حقل من الرؤوس مغطاة بطواقي صغيرة تتراص بصمت”

3-دار النسخ:

  بعد وصوله مقيَّدً إلى قصر الملكة في ذي جبلة، يودع (جوذر) في دار النسخ كسجن جديد يحمل رمزية الرقابة اللصيقة، والاضطهاد ومصادرة الحرية، وهذه الدار لا يسمح له بالخروج منها؛ ليقضي كل وقته في الرسم والنقش، والتأملات والحنين إلى شوذب، والنسخ على الرقوق التي تأتيه من القصر ككاتب موكل بتنفيذ ما يملى عليه .

” أشعلت السراج.. خطوت لأكتشف المكان.. الحجرة التي نمت بها تعج بأثاث وثير.. ونافذة وحيدة تطل على فضاء تزينه النجوم.. عدة أبواب جانبية يفضي أحدها إلى بيت خلاء.. وآخر إلى عدة غرف خالية.. أطفأت السراج مقتربًا من النافذة الوحيدة.. أمسكت قضبان حديدها المتداخل.. أتأمل عتمة نجوم تومض بسخاء”.

4-غرفة شوذب:

في إحدى غرف دار النسخ يقوم جوذر بممارسة هوايته في النقش والرسم على الجدران؛ كمتنفس يخرجه من حالة العزلة التي يعيشها، ويطلق على هذا المكان غرفة شوذب؛ تخليدًا لصورتها المتخيلة على جدرانها كتعبير على مكانتها في قلبه؛ واللجوء إليها كمخلص وقارب للنجاة.

“في غرفة شوذب أخذت أنقش حدود وجه مدور.. فمًا صغيرًا.. أنفاً صغيرًا.. عينين تنظران إليّ .. شعرًا أسود هو ذاك وجهها يوم أن كناعائدين من الحانوت إلى دارهم”

“دخلت غرفتها وأمام نقشها أخذت أناجيها وعيناي تدمعان: سأحتمل إلغاء نفسي كما تأمر مولاتي الحرة.. سأحتمل تغيير اسمي .. سأحتمل الحبس.. وسأقبل بكل ما يراد مني.. فقط أن يظل الأمل بلقياك.. وأن أملي ناظري من وجهك الحبيب.. هذا أنا لا أطارد سرابًا.. وهذه أنت حقيقتي أخيرا”.

5-قصر الملكة (مجلس الملكة، والقاعات العلوية، والطوابق السفلية، وسراديب الجرذان والجثامين المتحللة، ومتاهة الأبواب السبعة):

   يتبدى دار الحكم أو قصر الملكة سيدة بنت أحمد في ذي جبله مكانًا منغلقًا، عصيَّ الانفتاح على أسرار المملكة وخفايا الدولة، وخلف أسواره تدار المعارك، وتحاك المؤامرات، ويصنع الوشاة، وترسل الجواري إلى الولاة لممارسة التجسس والغدر بهم إن لزم ذلك ، وفي القصر يتم اتخاذ القرارات النهائية بالتخلص ولو من أقرب المتمردين في سبيل إرساء دعائم السلطة، وتوطيد أركانها.

في القصر تتجلى حكمة ودهاء (سيدة بنت أحمد) المرأة الحاكمة التي لا تصلح للفراش، مستعينة بجواريها، وتعاليم سيدتها ومربيتها أسماء بنت شهاب، في إدارة الدولة الكبيرة وإخضاع الخصوم والمتمردين، ولو استدعى ذلك التخلص من زوجها المكرم وابنيها.

6-برج الصمت:

غرفة واسعة في برج عالٍ على سطح القصر، أطلق عليها جوذر برج الصمت، وهي معادل موضوعي للسجن والإقامة الجبرية، والعزلة المسكونة بالتأمل والتفكير؛ لكنها أكثر انفتاحًا من دار النسخ، مع تساويهما في حالة الرتابة القاتلة، إذ ينفذ جوذر ما يتم تكليفه به من نسخ الرقوق، ولا يغادر إلى مكان آخر إلا بأمر من الملكة.

 خاتمة

من خلال استعراض الأمكنة في رواية (مملكة الجواري) للروائي محمد الغربي عمران، نجد أن للمكان دورًا بارزًا في تشكيل بنية النص الروائي، وقد استطاع الكاتب أن يرمز ببراعة من خلال الأمكنة المفتوحة والمغلقة إلى دلالات فنية عميقة تحمل العديد من الدلالات النفسية والاجتماعية والسياسية، كما تتجلى العلاقة الوطيدة بين المكان والزمان كمكونين للفضاء السردي، وكذلك علاقة المكان بالوصف لتبدو المشاهد المكانية واقعية منسجمة مع الأحداث وأفعال الشخصيات.

المصدر

رواية “مملكة الجواري”، محمد الغربي عمران، دار هاشيت أنطوان، بيروت، 2017م.

ناقد من اليمن

عن madarate

شاهد أيضاً

جسد المرأة من الوظيفة الإغرائية إلى الغاية الحجاجية، “هواجس شجرة”؛ لانتصار عباس – الخليل اخنيبيلة

الخليل اخنيبيلة*    مقدمة تعرف القصة عموما بأنها “مجموعة من الأحداث يرويها الكاتب”[1]. وأما القصة …

اترك تعليقاً