الهايكو من أجل المحبة، في مواجهة الكراهية

محمد بنفارس*
يا أيها الحلزون
تسلّق جبل فوجي…
على مهل، على مهل
إيسا كوباياشي (1763-1828)
من لقاء إلى سؤال
حضرتُ مؤخرا بطنجة لقاء ثقافيا حول موضوع: “دفاعا عن الحب، في مواجهة الكراهية، في زمن الرقمنة”. وقد تناول المتدخلون أشكالا متعددة من خطاب الكراهية، وكيف تحول إلى صناعة تشتغل عليها دوائر محلية وعالمية ذات مصالح سياسية واقتصادية وإعلامية، حتى صار الحديث يدور عن “اقتصاد الكراهية” و”صناعة الكراهية” كآليتين لإنتاج الخوف، والتفاهة، والاستلاب والتبعية، وإدامة الصراعات، وتوجيه الرأي العام.
وأعترف أن موضوع هذا اللقاء أجج لدي سؤالا آخر كان يشغل بالي منذ مدة: هل تقتصر الكراهية الرقمية على الفضاء الاجتماعي والاقتصادي والسياسي؟ أم أن لها وجها آخر، أقل ظهورا، لكنه حاضر في الدوائر الثقافية والفنية والأدبية والفكرية؟
الكراهية تتمدد للثقافة
حين يُذكر خطاب الكراهية، يتجه التفكير عادة إلى التحريض على أساس الدين أو العرق أو اللغة أو الهوية. غير أن الكراهية قد تسللت أيضا إلى الحقل الثقافي، ولكنها لا تقل أثرا وتدميرا.
ما يمكن معه الحديث أيضا عن الكراهية الثقافية كظاهرة باتت ممارسة معتادة في كثير من الأوساط الفكرية والفنية والأدبية.
والمقصود بالكراهية الثقافية تلك الممارسات التي تستهدف إقصاء منجز الآخر أو تبخيسه أو إنكاره، ليس بالاستناد إلى نقد معرفي أو جمالي، وإنما بدافع التعصب، أو المنافسة غير الشريفة، أو السعي إلى احتكار الاعتراف والمكانة داخل الحقل الثقافي.
إنها كراهية لا تتجلى بالصراخ أو الشتائم عادة، لكنها تقيم بصورة ناعمة وراء الأضواء والعناوين الكبيرة، وتمارس فعلها بالصمت والتستر والتجاهل المتعمد، وحجب الاعتراف، والتقليل من قيمة الأعمال الجادة وتلك التي تخرج عن النمطية والنموذج المستهلك، أو تحويل الاختلاف في الفكر والذوق الجمالي إلى خصومة شخصية.
ولذلك، يمكن اعتبار الكراهية الثقافية من أخطر وأخبث أشكال الكراهية، لكونها تضرب الثقافة من داخلها، وتحطم قيم الإبداع والحوار والإنصاف والاعتراف.
الكراهية الثقافية: أفراد ومؤسسات
يلاحظ أن الكراهية الثقافية لا تمارس بالطريقة نفسها، بل تتمظهر في مستويين متكاملين:
- كراهية فردية: وتصدر عن شاعر أو أديب أو فنان أو مفكر أو إعلامي، بل وحتى عن شخص عادي، حين يعجز عن تقبل نجاح الآخر، فيلجأ إلى التبخيس، أو الإنكار، أو التشويه، أو التجاهل المتعمد. وهو سلوك غالبا ما يكون مدفوعا بالحسد، أو التعصب، أو وهم امتلاك الحقيقة والإبداع والجمال والريادة.
- كراهية مؤسسية: حين تتحول آليات العمل الثقافي إلى وسائل للإقصاء بدل أن تكون
أدوات للإنصاف. ويتجلى ذلك، مثلا، في اختلال معايير التغطية الإعلامية، أو في تنظيم التظاهرات الثقافية، أو في سياسات الدعم، أو في آليات التحكيم والانتقاء، أو في توزيع فرص النشر والاعتراف، عندما تغيب الكفاءة والشفافية وتحضر الولاءات والانتماءات الضيقة.
ولا يعني ذلك أن كل مؤسسة تمارس هذا النوع من التهميش، وإنما إن المؤسسات، مثل الأفراد، تتحول تدريجيا إلى فضاءات لإعادة إنتاج الكراهية الثقافية في غياب مبدأ العدالة الثقافية ودمقرطة تكافؤ الفرص.
ومن هنا، فإن مواجهة الكراهية الثقافية لا تنحصر في الإدانة على مستوى الأفراد فقط، بل تقتضي سياسات عمومية ترسخ ثقافة الاعتراف، والشفافية، والاستقلالية، والنزاهة في مختلف المؤسسات الثقافية والإعلامية.
بين النقد والإقصاء
وغني عن البيان أن كل اختلاف ليس كراهية، وكل نقد ليس عداء. فالنقد، كما ينبغي أن يكون، يقرأ العمل، يناقش أفكاره، وله أن يختلف معه بالحجة والبيان. أما الكراهية الثقافية فلا تنشغل بالعمل بقدر ما تنشغل بصاحبه، فتسعى جاهدة إلى إقصائه أو تهميشه أو إنكار أثره.
ولهذا فإن الثقافة التي يغيب فيها النقد الموضوعي وتستحكم فيها الشللية والمحسوبية، يتغول فيها الإبعاد والتغييب، وتنعدم فيها رائحة الإبداع.
الهايكو… ثقافة محبة
في جوهره وفي أبعاده الفلسفية والجمالية، نتعلم من الهايكو كيف ننظر إلى العالم بعين أكثر تواضعا وإنسانية. نتدرب على ملاحظة ما يغفل عنه الآخرون، وعلى اكتشاف الجمال في الأشياء المتواضعة وفي أضعف الكائنات…
ومن البديهي، أن من يتعلم احترام زهرة برية، أو نملة عابرة، أو قطرة ندى، يصبح أكثر استعدادا لاحترام الإنسان وإبداعه، وأكثر قدرة على الاعتراف بمنجز الآخر دون شعور بالتهديد أو فقدان المكانة.
وبناء على هذا الفهم، يرقى الهايكو إلى مرتبة التربية على المحبة، والاعتراف، والتواضع.
ثقافة الاعتراف
ومن نافلة القول، التأكيد على أنه ليس بوسع أي ثقافة في أي مكان من العالم، أن تنمو بالإنكار والتحييد الممنهج، وإنما بالاعتراف المتبادل وفسح المجال للأفكار المبادرة والطاقات المجددة. على أن الاعتراف بإبداع الآخرين لا ينتقص من قيمة أحد، بل يعزز الثقة في النفس، ويجعل الاختلاف موقفا بناء لا مادة تغذي العداء.
فالمشهد الثقافي الذي يتسع للأصوات المتعددة والمبدعة حقا يكون أكثر قدرة على الخلق والتجديد من مشهد يتكرر تتحكم فيه الحسابات الضيقة وغياب الشفافية في آليات الاختيار ودعم المشاريع.
كلمة أخيرة
الإنسانية اليوم مدعوة إلى مقاومة خطاب الكراهية الذي احتل الفضاء الرقمي والسياسي والاجتماعي، كما أنها مدعوة أيضا إلى محاصرة تمدد الكراهية الثقافية في مجال ينبغي أن يبقى نقيا خالصا للإبداع والقيم العالية.
فالهايكو، كما أحسبني أفهمه، رؤية فلسفية للعالم، تعلي من قيمة الحياة، وتنمّي شعور التعاطف، وتفتح باب الإحساس والقبول بوجود الآخر مهما كان صغيرا وهامشيا.
وتبعا لذلك، فعندما نقدم فن الهايكو كطريق مضيئ، فإننا ننادي بإرساء ثقافة المحبة، في مواجهة كل أشكال الكراهية… ومنها الكراهية الثقافية.
مساء ضبابي –
في نظرة الطفل
يبرق الغد Haut du formulaire
محمد بنفارس (هودج الرحيل)
هايكيست ومترجم من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي