الرئيسية / الأعداد / لذة الكتابة على الهامش عند عبد الفتاح كيليطو وخورخي لويس بورخيس – عبد الحميد عبد الرفيع

لذة الكتابة على الهامش عند عبد الفتاح كيليطو وخورخي لويس بورخيس – عبد الحميد عبد الرفيع

لذة الكتابة على الهامش عند عبد الفتاح كيليطو وخورخي لويس بورخيس

 عبد الحميد عبد الرفيع*

 

  • مقدمة

يتمرد الكاتب بأسلوبه وكتاباته المستحدثة على بناءات وأساليب الكتابات السابقة، ويرسم آفاقا مغايرة للحقائق والوقائع، وللأحداث التاريخية، وللمسرودات المتخيلة، ويقوم بتحوير ونقل وظيفة اللغة المباشرة، المتخذة من السطحية والوضوح، طريقة للتعبير من موقعها الأول إلى موقع يصير فيه النسيج اللغوي شائكا وملتبسا وغامضا، ويعكس عالما يشتغل على الترميز.

تتكشف بفعل الترميز، بعض أوجه التمرد في اتخاذ نصوص غير حكائية، مكونات لبناءات نصوص حكائية، وهذا شبيه بـعملية تفعيل عملية السرد، واختراع حكاية أو خطابات أدبية أو تاريخية، تحمل دلالات وأنساقا من الماضي، أو أنها تعبر عن لحظة من اللحظات، يستعيدها المؤلفون، ويدمجونها في نصوصهم الجديد، مفعلين بذلك تقنيات التناص والاستعارة والتورية، محاولين بعدها تملك تلك المقاطع الكلامية المنبثقة في حاضر الكتابة.

تنطلق عملية الكتابة بهذا، من إعادة تشكيل فترات ماضوية، يجرب فيها الكاتب عددا لامحصورا من الاحتمالات، غاية ربط تلك الوقائع والمجريات فيما بينها، وخلق لحظات تاريخية تميز كتاباته عن باقي الكتابات. وحين يتخذ كيليطو أو بورخيس من الكتابة الأدبية نفسها إشكالية للكتابة، فإنهما يسعيان إلى اكتساب الحرية في دمج اللحظات التاريخية والحقيقة والمتخيلة داخل نسيجهما اللغوي دون التزام بالحدود التاريخية والثقافية والادبية وحتى اللغوية، وإنما تأتي استجابة لمقومات الكتابة الموازية للفترة الزمنية للكاتب، كما تستند على العملية التجريبية التي تستجيب لتقنيات الكتابة لما بعد الحداثة؛ إذ معها تصير المقطوعات الهامشية والغائبة موضوعات، ومحور كتابات متعددة الأوجه والصياغات.

  • الكتابة على هامش الثقافة

لا يمكن النظر إلى الكتابة على أنها نقل صريح للوقائع والمجريات والتواريخ، أو أنها تعبير مباشر عن واقع معروف ومألوف، إنما تنحاز أحيانا إلى التعبير عن الحواشي وهامش الثقافات، أو أنها تتخذ من نصوصها الغابرة والمطمورة، موضوعات ومجال دراسة، ما يعزز إمكانيات الكتابة ووظائفها. لهذا تقودنا مصوغات وتراكيب الكتابة عند كيليطو وبورخيس، إلى إعادة النبش في الإنتاجات الثقافية، والبحث داخلها عن إبداعات الهامش، لكونهما كاتبين يكتبان على حاشية الأدب والثقافة. فهما لا يتبنيان فكرة كون الإبداع البشري يتلخص فيما هو معترف به من قبل المؤسسة الأدبية، بل يشمل كل ما أنتجته مختلف مكونات المنظومة الثقافية. لهذا، وجّها اهتمامهما نحو قراءة التراث الأدبي دون تمييز، وانصب تركيزهما على قراءة نصوص الهامش.

لقد قدم كيليطو مجموعة من المؤلفات المترنحة بين الكتابة الإبداعية والكتابة النقدية، يهتم فيها بقراءة التراث الأدبي العربي، لا لكي يحلل النصوص وفق آليات نظرية ومنهجية معينة، إنما ليستنبت منها حكاياته ونصوصه الأدبية التي يعيد بها صياغة تاريخ هذه المتون، وكشف خباياها وأنساقها الثقافية المضمرة في عملية الكتابة، المجسدة لتداخل مصوغات البناء الحكائي ومقومات الفعل القرائي. إن الكتابة النقدية ومحددات التأويل عند كيليطو بمثابة حكي، كما يتجلى الحكي عنده في فعله القرائي. إذ تجسد كتابته فعلا متشابكا، يخلط بين الكتابة النقدية والكتابة الإبداعية، إلا أنه يركز من داخل هذه الكتابة على المناطق المخفية في الثقافة، والتي تتستر فيها كتابات الحواف والهوامش، هذه الكتابات المعبرة عن التاريخ المنسي والغائب للإنتاجات الثقافية.

تتأسس عملية الكتابة عند كيليطو، من قراءاته التي وجهها صوب الظواهر الإبداعية المهملة، وصوب الإنتاجات الأدبية خارج المؤسسة الأدبية. ففي مؤلفه “الحكاية والتأويل” يقدم كيليطو فكرته عن هذه الإشكالية؛ إذ أنه، وبالرغم من بروز أصناف أدبية متنوعة في حقبة تاريخية محددة، إلا أن المؤسسات الأدبية، أعلت من شأن أشكال أدبية وأقصت أخرى، إلى أنْ سلّم النقاد بالأمر وانصرفوا عنها بدراساتهم، و«صحيح أن هناك محاولات في الميدان، لكنها تصب اهتمامها على السرد “الأدبي”. انطلاقا من مفهوم ضيق للأدب، ويتناول الباحث أصنافا معينة من السرد، ويقصي أصنافا أخرى لا يعتبرها أدبية»[1]. وهذا ما جعل كيليطو، يقدم بكتاباته  قراءات مغايرة لهذا الإرث الأدبي، متجاوزا أشكال التصنيف والتخصيص الذي وضعته المؤسسات.

يحاول كيليطو تغيير رؤية القراء حول المنجز السردي العربي وفق منظوره، من خلال توجيه معتقد القارئ المتمركز على اختصار التراث الأدبي العربي على متون معينة، اعتبرت كلاسيكية، لأنها معتمدة في المدراس، إلى الإيمان بأن هذه الثقافة، تضم نماذج أكثر أدبية وجمالية. فـ”المقامات” أو “ألف ليلة وليلة” مثلا، تقود متلقيها ودارسها إلى مناطق خفية داخل الثقافة العربية، وإلى متاهات يصعب توقع منافذها ومخارجها، لاعتبارها «متنا يضم عددا لا يحصى من المخطوطات والطبعات والترجمات والإضافات والشروح والكتابات المعادة»[2]، كما يكمن سرّها في تنوع حكاياتها، بالإضافة إلى الأنساق المضمرة التي تخفيها، حول طبيعة كتابات الفئات المنطوية في هامش الثقافة.

يتشارك كيليطو وبورخيس نفس الاهتمام، رغم اختلاف منظوريهما حول طبيعة تلقي هذه القضايا والإشكاليات. فبِخلاف كيليطو الذي يشتغل على دراسة المتون القديمة دراسة مغايرة، يكشف بها أصلها وامتدادها، وما تخفيه من أسرار وأنساق ثقافية مضمرة، يقوم بورخيس باستدعائها، غاية تفنيد فكرة وحدة الإبداع البشري، وأصله المكون من تكوينات وتشبيهات مشابهة، تتكرر وتتجدد عبر الزمن وبين الثقافات. فهو يستحضر الأثر الأدبي، بهدف خلق أثر جديد من الأثر الأول، وذلك بتركيزه على الإبداعات المهمشة على غرار كيليطو.

من خلال هذا، يبادر قارئ بورخيس، بتشكيل صورة ذهنية عن المراجع العربية الإسلامية لبورخيس، بيد أن رؤيته تتبدد حين يبدأ البحث عن الاتساق بين تلك المقطوعات والتلوينات المتعددة. وهذا راجع إلى الخلط، وتداخل المرجعيات وازدواجها بين الحضور والغياب وبين الحقيقة والتزييف. لأن بورخيس يجعل من الأثر توهمات وتخيلات، يقصي بها بدايته الأولى، ويجعل له بداية جديدة، في فعل يستجيب لما يفترضه عن فكرة الزمن، أو مفهوم الأبدية في محاضرته عن “الزمن/Timpul“، حيث تتجلى البداية في بعث ذلك الأثر؛ أي في لحظة الحاضر المجردة التي تربط الماضي بالمستقبل، والتي تنفصل فيها المقطوعة المستعادة مع بدايتها بالرغم مما تحمله من مؤشرات عن أصلها. وبهذا يكون استدعاؤه للمقطوعات السابقة بمثابة إحياء لها، وبالأحرى خلق بداية جديدة لها، رجوعا إلى فكرة ارتباط الزمان بالزوال والفناء[3].

يخلط بورخيس في كتاباته مختلف المقطوعات والآثار الأدبية الهامشية والمتنوعة مع تخيلاته وتوهماته للأصول، بهدف تسْطير تاريخ جديد مخالف لتاريخ تلك المحكيات، بإعطائها رمزية مغايرة، الأمر الذي يخلق اللبس والحيرة في نصوصه[4]. لبس وحيرة وتشابك،  يتقاسمه مع كيليطو داخل عوالهما الكتابية، بعد تشكيلها والمزج فيها بين الحقيقة والخيال، وربط الماضي بالمستقبل، بغية توليد المتعة من ترابط عناصر متنوعة ومغايرة، ومن انزياحات قراءاتهما من المعقول إلى اللامعقول، ومن الألفة إلى الغرابة. وبه، يتخذ كيليطو وبورخيس من الثنائيات أساس كتاباتهما، ومنبع توليد «لذة النص» أو «متعة الأدب» التي تمنح دلالات النص قيمتها بتعبير رولان بارت[5].

  • لذة الكتابة على الهامش

يربط “رولان بارت” «لذة النص» و«نص المتعة»، بالرغبة في مواصلة القراءة، وبالدهشة التي يتركها هذا الكيان في نفس المتلقي، فبمجرد قراءته، ينجذب القارئ نحوه، ويندفع نحو طرح أسئلة تؤطر بحثه عن استفسارات حول تلك العلائق والخيوط الرابطة بين مقطوعاته المشتتة والمغايرة. إذ يزعزع النص «ثوابت القارئ التاريخية والثقافية والنفسية، ويغير من معايير تذوقاته، وقيمه، وذكرياته، ويضع علاقته باللغة موضع شك»[6]، وكأنه يسلب ذات القارئ ووجهها من جديد. يعيد هذا النص تأليف الأحداث والوقائع، وكذا ترتيبها في الزمن، ومنحها ظهورا مغايرا، يستحضر المواد الخفية في الثقافة، ويستدعي أنساقها المضمرة وإبداعاتها المطمورة. ويتموقع على أنه نص، يرسم آفاقا مفتوحة للقارئ كما الكاتب، من خلال الكشف عن الإبداعات الهامشية في الثقافات.

وهكذا، نلحظ من اهتمام كيليطو وبورخيس أن إبداعات الحواف والهوامش، بمثابة تصوير مماثل للوجه التعيس داخل الثقافات، وغالبا ما تكون عناصرها المبتدعة، خارجة عن سياق القواعد السائدة لحظة تشكلها، لكنها تتضمن جماليات أدبية مستجدة أو غير مألوفة، تخفي خلفها آثارا وأنساقا تفضح الأسرار التي تضمرها المؤسسات الأدبية، وربما تكون هذه العناصر المخفية، ذاكرة وخزينة للمتعة التي يبحث عنها القراء.

تعادل الْتفاتة كيليطو نحو المقامات، بحثه عن اللذة الأدبية بعيدا عن الأشكال الأدبية السائدة، من خلال تفكيكه بناءات تلك النصوص الهامشية والمستعصية، كاشفا داخلها عن الأنساق الثقافية المضمرة، وعن العناصر المعرفية، والتراكيب اللغوية، وتشكلات الجماليات الأدبية الغريبة؛ لأن «المقامة  حكاية. تبدأ المصاعب حين يتعلق الأمر بموقعتها إزاء الأنماط الأخرى للحكاية التي عرفتها الثقافة العربية، وحين يتعلق الأمر بدراسة العناصر السردية المكونة لها، وعلّة تتالي هذه العناصر تبعا لنظام ثابت، أو يكاد يكون ثابتا، وحين يتعلق الأمر بمساءلة الدلالة، لا الأدبية فحسب، بل كذلك الدلالة السوسيولوجية لهذا النظام»[7]؛ فيتمكن القارئ حينها من الإحساس بمتعة الأدب.

تتضمن فطنة كيليطو بالرجوع إلى نصوص الهامش، والمتداولة في نطاق شعبي “عامي” بعيدا عن نطاق الفئات “العالمة” القريبة من المؤسسة الأدبية، جزءا من جوابه على السؤال الذي تطرحه “الدراسات الثقافية” وبالأخص “النقد الثقافي“: «هل في الأدب شيء آخر غير الأدبية…؟»[8] هذا السؤال الذي نردفه بالتساؤل: هل نصوص الهامش خارج الأدب؟ وهل يقتصر وصف نص ما، بالأدبية أو بالنص الكلاسيكي على معايير وضعتها المؤسسات الرسمية التي تتبنى الأدبية؟ ألا تتحدد قيمة الأدب في الأثر الذي يخلّفه وراءه وعلى متلقيه وداخل ثقافته؟

أفرزت لعبة القراءة عند كيليطو مفهوم “النص الثقافي” -الذي تكلمنا عنه سلفا- والمتمرد على معايير ومقاييس الكتابة الأدبية لحظة تشكله، لكونه مفهوما شاملا، يضم تلوينات أدبية متعددة، تشمل الأدب الرسمي والأدب الغير الرسمي. يكشف كيليطو عبر هذا الفعل القرائي عن شيء وراء البناءات الجمالية، وعن الدلالات الأدبية لا عن معايير بناء النصوص.

بحث كيليطو بقراءاته، عن النسق الثقافي الثابت في كل ثقافة داخل إبداعاتها، والمتحول باعتباره بناءا مجردا، ومشتتا بين نصوص عديدة لا في النص الواحد؛ بحيث يمكن أن «يتحقق في نصوص تداعبه أحيانا، وفي الحالات القصوى تشوشه وتنسبه. غير أن السخرية والباروديا والانتهاك، بدل خلخلته، لا تفضي في الغالب سوى إلى تثبيت متزايد له»[9]. تحمل عملية الكشف عن الآثار ومنافذها ومراجعها داخل النص، تأكيدا على أن الكتابة عملية منتظمة ومددة، تربط الماضي بالحاضر وبالمستقبل، و«أما النص فهو مشدود إلى المتعة، أعني إلى اللذة التي لا تنفصم»[10]، وتظل مرتبطة بطبيعة القراءة وطبيعة المتلقي، وغايته من قراءة النص، بالإضافة إلى مدى مقدرته الوصل إلى عمق النص، وبذلك الوصول إلى مناطق المتعة فيه.

يقتصر هذا المنظور الذي يتوجه به كيليطو نحو التراث الأدبي العربي، على موقعه الثقافي وفكرته حول الثقافة والأدب والكتابة عامة. وينطلق من إيمانه بضرورة إعادة قراءة هذا الإرث، والكشف داخله عن أشياء تتعدى ما سطره النقد الأدبي العربي القديم، وما أنتجته الثقافات السالفة، وتقويض منظور المؤسسات الرسمية. وتظهر هذه الرغبة التي أبداها كيليطو بكتاباته في إعادة قراءة  وتحليل التراث الأدبي العربي القديم، ومحاولة تغيير منظور القراء حوله، عكس ما أقدم عليه بورخيس في كتاباته الذي اتجه نحو إعادة صياغة وإنتاج هذه المتون، ومماثلتها وتحويرها بأسلوبه.

يكتب بورخيس من شتات المعارف والثقافات، ولم يتّخذ من المتون القديمة ولا نصوص الهامش، مدعاة لتقديم قراءات مناهضة للمركزية الأدبية، أو ردّا على المؤسسات الرسمية. يعتبر بورخيس الأدب عامة موضوعة للكتابة، ومن شخصياته والكتاب محور قصصه. ما جعل كتابته تنأى عن العادة، وعن المألوف السائد في الكتابة. اختار بورخيس الكتابة عن موضوعات مستجدة، وهامشية وغير معهودة، واخترع عوالم افتراضية لكتاباته الموازية للعوالم التي يمتد ويتمدد فيها الأثر الأول.

وفي ظل هذا المسار الذي ميّز به بورخيس كتاباته، بعيدا عن الرؤى النقدية والإبداعية المألوفة، تتخذ الكتابة عنده بعدا تأويليا، يفضي إلى إعادة الإنتاج أو الإبداع، ويزعزع علاقة الكاتب بنصه، وثبات مجرى الحقائق والوقائع السالفة؛ وكأنه ينتقد مسار التأريخ الأدبي ويعدل فيه. وتشير طبيعة كتاباته وتجدد موضوعاته، إلى احتمال تجديد وتطوير بورخيس الأشكال النمطية، والأفكار السائدة عن الإنتاج الأدبي، المقسم إلى أدب رسمي وأدب هامشي.

ينطلق تصور بورخيس حول الأدب والكتابة عامة، من امتلاك القارئ أو الكاتب للحس الأدبي، ويرافقه تغيّر الفكرة القائلة بأن الكاتب بكتاباته، حامل بالضرورة  لرسائل وخطابات مشفرة، تجعل القراء –كما يقول بورخيس في حواره مع “ريتشارد بورغين”-: «يعتقدون أننا نكتب كل شيء غاية إثبات أمر ما. ليس بمقدورهم رؤيتنا كوننا نكتب بدافع المتعة التي نستشفها من الكتابة فقط، وفي حسن اهتمامنا بالشخصيات أو المواقف أو شيء آخر»[11]. يظل الكاتب عبر كتابته، يبحث عن شيء ما مبهم بالنسبة للقارئ، لأنه –وربما- يكون مجرد حكاية، أو أسطورة، أو توهما وتخيلات كاتب في الماضي، وبغيابه تغيب حقيقته كليا في العالم المحسوس.

نستشف في ضوء هذا التباين في استدعاء، واعتماد النصوص الأدبية عامة وليس نصوص الإرث فقط، تخلّق الموضوعة الأدبية التي تجمع بين كيليطو وبورخيس. تخلق راجع إلى الاعتقاد الذي تبناه الكاتبان عن الأدب، رغم اختلاف منظوريهما حوله وحول طبيعة توظيفه والعمل عليه. اتجها في مسار كتابي فضلا فيه النزوح عن المألوف، سواء في الكتابة الإبداعية أو الكتابة النقدية، وتماهيا بخلقهما لثنائيات على غرار، الحضور والغياب، الحقيقة والتخييل، المركز والهامش، ليعدلا عن قواعد الكتابة القديمة النمطية.

يعود فعلهما الكتابي، إلى رغبتهما في تقديم شكل أو نوع أدبي جديد، يمسان به الجوانب الهامشية وغير المألوفة في الأدب والثقافة، وينضاف إلى ما قدمه  الكتّاب قبلهما، فهو كما يقول بورخيس: «أعتقد أن الأدب لم يثر العالم من خلال الكتب فقط، إنما عبر تقديم صنف جديد من رجالات الأدب».[12]

تجسد هذه الرؤية فكرة بورخيس القائمة على حركية الأدب وتجدده، وهي نفس الفكرة التي تبناها كيليطو عند عودته إلى قراءة التراث الأدبي العربي، محاولا الكشف فيه عن جديد يقوي به كتاباته التي يفكك بها إشكالية قدمها من ذي قبل: «كيف يجوز التخلي عن الأدب العالمي والانكباب على دراسة كتب لا تصلح إلا لذوي الأذهان السخيفة؟…ولكن شيئا ما كان يتهيأ ويتحرك في السياق الجامعي، وكان لا بد لي (ولغيري) من التفكير في تجديد تكويني»[13]. وينطلق التجديد من الحديث عن الإشكاليات المتناسية، والأمور الجانبية، وعن اللامألوف داخل الكتابة في الزمن وعبر الثقافات.

  • خاتمة

يمتد التماهي بين ثنائية الحكي والتأويل في كتابة كيليطو وبورخيس، إلى أن يخترق شكل الكتابة وتصنيفها وموقعها، لأنه يفضي إلى تشكل ذلك الجسر، الناتج عن تنوع منابع ومرجعيات قراءاتهما، والتي تربط الماضي بالحاضر وبالمستقبل، ويحترقان بها الحدود المتولدة من اللعب بقوانين الكتابة السردية، ومن منظورهما حول الأدب، وحسّهما المخالف للمتعة الأدبية.

بهذا، اتخذ كيليطو وبورخيس لكتاباتهما مسارا مغايرا، وملازما لإشكالات الهوية والثقافة واللغة والأدب المسايرة لسيرورة الأدب. وبالرغم من اختلاف مقارباتهما لهذه المسائل، تميّزا بخرقهما القواعد النمطية للكتابة الكلاسيكية، وجسدا في كتاباتهما منظوريهما حول هذه القضايا الشائكة، والمتعلقة بعلاقة الإنسان بالفكر وباللغة وبالأدب وبالثقافة.

تبعث كتابتهما المتفحصة والمفككة للنصوص المرورثة، إمكانية تولد القلق والحيرة والالتباس والارتياب على ذات المتلقي، جراء الأسئلة المرتبطة بالهوية والثقافة والأدب وكذلك اللغة. وتتغير منظورات القراء حول هذه الآثار، نتيجة إنتاجهما لنصوص متشابكة ومتداخلة، تضم مختلف العناصر المعرفية وأنساقا ثقافية متعددة، وتمتاز بازدواجها ودمجها لثنائيات متقابلة ومتضادة مثل: الذات والآخر، الحضور والغياب، الظاهر والباطن، الحقيقة والتخييل، المألوف والغريب، ما يجعل من كتاباتهما كتابات تجريبية وتجريدية، متماهية على حدود  عناصر ومكونات الكون المعرفي والثقافي البشري.

لائحة المصادر والمراجع

  • عبد الفتاح كيليطو، المقامات- السرد والأنساق الثقافية، ترجمة: عبد الكبير الشرقاوي، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، ط2، 2001.
  • – الحكاية والتأويل، دراسات في السر العربي، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، ط:1، 1988.
  • – العين والإبرة، ( دراسة في ألف ليلة وليلة)، ت: مصطفى النحال، نشر الفنك للترجمة العربية، 1996.
  • – الأدب والغرابة، دراسات بنيوية في الأدب العربي، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، ط3، 2006.
  • عبد الله محمد الغذامي، النقد الثقافي، قراءة في الأنساق الثقافية العربية، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط:3، 2005.
  • رولان بارت، في الأدب والرواية والنقد، ت: عبد الرحمن بوعلي، دار نينوى للنشر والتوزيع، ط1، 2014.
  • Jorge Luis Borges, Eseuri, Editura Polirom, Romania, 2015.
  • Jorge Luis Borges, Obras Completas, 1923-1972, Emecé Editores, Buenos Aires, 1974.
  • Roland Barthes, le plaisir du texte, Éditions du Seuil, Paris,1973.
  • Richard Bourgin, Conversations With Jorge Luis Borges, Holt, Rinehart and Winston, New York, 1969.

 

[1] / عبد الفتاح كيليطو، الحكاية والتأويل، دراسات في السر العربي، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، ط:1، 1988، ص: 8.

[2] / عبد الفتاح كيليطو، العين والإبرة، ( دراسة في ألف ليلة وليلة)، ت: مصطفى النحال، نشر الفنك للترجمة العربية، 1996، ص: 10.

[3]/ Jorge Luis Borges, Timpul, in : Eseuri, Editura Polirom, Romania, 2015. P : 426-428.

[4] / للتمثيل على هذا الأمر، نستحضر استدعاءه لشخصية مارتن فييرو في قصته “النهاية/ El fin“، والتي يمثل بها لموقفه المعارض للتفسيرات والقراءات التي اعتبرها خيانة للتراث، بعدما أقدم على قتل فييرو في نهاية القصة، موجها رسالة مفادها، أن على المرء الإيمان بأن إنتاجاته بمثابة إعادة إنتاج لما أنتجه الآخرون قبله:

Jorge Luis Borges, El fan, in : Obras Completas, 1923-1972, Emecé Editores, Buenos Aires, 1974. p :519.

[5]/ يقول رولان بارت بهذا الخصوص: “لذة النص بمثابة قيمة تمنح الدال مرتبة رفيعة”، أما “المتعة فتقوّض الموضوعات، وتزيحها وتشتت معناها”. Roland Barthes, le plaisir du texte Éditions du Seuil, Paris,1973. p : 25 – 103.

[6]/ Ibid. p :25-26.

[7] / عبد الفتاح كيليطو، المقامات، – السرد والأنساق الثقافية، ترجمة: عبد الكبير الشرقاوي، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، ط2، 2001، ص: 7.

[8] / عبد الله محمد الغذامي، النقد الثقافي، قراءة في الأنساق الثقافية العربية، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط:3، 2005، ص: 13.

[9] / عبد الفتاح كيليطو، المقامات، مصدر سابق، ص: 8.

[10] / رولان بارت، في الأدب والرواية والنقد، ت: عبد الرحمن بوعلي، دار نينوى للنشر والتوزيع، ط1، 2014، ص: 115.

[11]/ Richard Bourgin, Conversations With Jorge Luis Borges,  Holt, Rinehart and Winston, New York, 1969. P: 67.

[12]/ Ibid. p: 129.

[13] / عبد الفتاح كيليطو، الأدب والغرابة دراسات بنيوية في الأدب العربي، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، ط3، 2006، ص: 5-6.

باحث بكلية اللغات والآداب والفنون- جامعة ابن طفيل من المغرب

عن madarate

شاهد أيضاً

جسد المرأة من الوظيفة الإغرائية إلى الغاية الحجاجية، “هواجس شجرة”؛ لانتصار عباس – الخليل اخنيبيلة

الخليل اخنيبيلة*    مقدمة تعرف القصة عموما بأنها “مجموعة من الأحداث يرويها الكاتب”[1]. وأما القصة …

اترك تعليقاً