حضور الجمالية اللّونية في تأثيث الصورة الشَّعريّة… في ديوان (عندما يحترق الثلج…) للشاعر العراقي مهند الشاوي

سعدي عبد الكريم*
يتمحور اللّون في النصّ الشعري النثري الحديث في تركيباته الفنية إلى حاضنة من المجسات الداخلية ذات الجرسيات المتنوعة، والإيقاعات المتعـددة، وفسّحة من الماهيات، والأفكار المتفاعلة مع الشكل الخارجي لبنائية النصّ الشعريّ والتي تهدف بالتالي إلى إزاحة الواقع المنظور، واستبـداله بالدلالات الرمزية، وإحالته إلى منطقة أكثر تأثيراً في الصورة الشعـرية، ومزامنته مع أشمل التوافقات والأنساق الباثة، والتجانسات الهادفة، لذا استطاع (اللّون) أن يتناغم مـع التشكلات السيميائية في اكتشاف معالم النصّ البنائية، والمستنبطة من العلامة، والإشارة، والدلالة، والأيقونة، والإيحاء، والتشفير لإغناء الوظائفية المتجددة للنصّ الشعري النثري الحداثوي.

وحينما يتجلى حضور الجمالية اللّونية في تأثيث الصورة الشعرية المائزة لتكون على موعد مع ملاحق الابتكار، حينها نكتشف بأن القصيدة قد ارتقت إلى مناطق أكثر إشعاعاً، وإبهاراً في ذاكرة التلقي، لأن (الشاعر) يستثمر هذه المنفعة للوصول إلى ملاحق قصدية في خبايا مشغله الشعري الذي يعيد من خلاله نتاج وفرة من الصور الشعرية التي يؤثثها على ضوء مخيلاته الخصبة، وتصوراته الواقعية، واكتشاف اللامرئي في آنية التدوين، وهذه السمات قد أسعفته كثيرا في إيجاد منافذ مشتركة بين اللغة، والصورة الشعرية، والإيقاع، والجرسية، والثيمة (الفكرة) المختارة التي بُنيَّ عليها النصّ، وادمجها داخل بوتقـة هيكلية فنية واحدة، للوصـول إلى مرجعية ذات دلالات رمزية شافعة له لتمرير دوافعه الوجدانية، والعاطفية، والفكرية الى دائرة الإنصات.
لذلك استطاع اللّون وفق أهميته القصوى في صياغة الفحوى القصدية باعتباره منطقة حرة للاختيار، والاستثمار في فضاء النص الشعري لإثبات خصائصه، ومناطق اشتغاله الفاعلة، والمتفاعلة مع الجسد الحسي للنصّ من خلال تأثيراته في المتغيرات السيميائية الدلالية منها والرمزية، والإشاراتية، والعلاماتية، والأيقونية، والتي أدت إلى تغيير خارطة الفحوى الثيمية، والإستنطاقية في قصيدة النثر الحديثة لتصوير المشهد على وفق عين (الشاعـر) المُبصرة للنصّ الشعري وصياغته التصويرية له، كما أكد على ذلك الجاحظ بقوله (الشعر صياغة، وضرب من التصوير).
لقـد امتلك الشاعر العراقي (مهند الشاوي) أدواته الفنية والشعرية في توزيع جهده اللّغوي، والتصويري (الواقعي + المخيالي) وقدرته الفنية التشكيلية، في تأثيث حاضرات اللّون في نصوصه الشعرية بمتن ديوانه الموسوم (عندما يحترق الثلج…) لتتجول ذاكرته اللّونية داخل لوحاته الشعرية التشكيلية ذات القدر الفني العالي، على وفق منظومة تَلمس إيقاع قصيدته المتدفق مع سلاسة لغـته التي تعـبر عن خلجاته الوجدانية والإنسانية، والانزياح صوب ناصية عدم الانغلاق على الذات، وإحداث انتفاضة ضد الثابت السائد ليحرره من عزلته، ويتجه به صوب المُتغير المُحرر الدائم في مشروعه الشعري اللّوني ليؤكد من خلاله على أن ثمَّة توأمة نبيلة، ومزاوجة خلاقة بين اللّون، والشعر.
ومن فحوى موسوم دراستنا النقدية (المقدمة) نجد بأن (الشاوي) اعتنى أيما اعتناء بإضفاء الحس اللّوني وحضوره الجمالي الطاغي ليرسم نصّه الشعري بعناية الرسام الماهر باعتباره فنان متخصص، دَرس ويُدرّس الفن، لذا نجده يمتلك ادواته الفنية في اختيار الحضور الفاعل في المساحة الجمالية اللّونية. ومن أجل دعم رأينا النقدي اخترنا بعض العينات من ديوان (الشاوي) لنقف على فاعلية استثمار اللّون في نصوصه الشعرية، ففي مقطع له من قصيدة (أنا شرقي) من الديوان والتي يقول فيها:-
أنا شرقيٌ
فتحملي صراحتي
ولا تأخذيني لعالمٍ وردي
لعالم زيفٍ تعاملَ بالقشور
رسمتهِ وكأنه نوعٌ من الأزهارِ
تدلى كعناقيدِ الكرومِ
أو كالثريا.. وهو الثرى
نتيقن هنا.. ومن خلال هذا المقطع المفعم بالتنوع الشعري الحضوري المُنغـم بالتوقد بالمُتجانس الأخاذ بين اللّون من جهة، وبين الثيمة من جهة أخرى، وبين استخدام اللغة المُعبرة من جهة ثالثة، فهو رجل شرقي، تحمله صراحته، (ولا تأخذيني لعالم وردي)، وهذا توافق تحقق بين الفكرة على كونه شرقي النزعة، متخم بالصراحة، كأنموذج للعربي الذي يتفاخر بهيبة بداوته، ليتنقل إلى مزاوجة فطنة بين واقعه إلى عالم حالم باللّون ليقترح على حبيبته أن لا تأخذه إلى عالمها الوردي، واللون الوردي كما هو معـروف لون مُعبر عن الترف، والرفاهية، والجمال، والزهو، والتحضر، والأناقة، والأنوثة، إن هذا التضادّ هو تناقضا داخليا مُتأجج داخل لواعج الشاعر، ليبين لنا قدرته على هذه المواءمة بين الصورتين.
لكنه في ذات الوقت يعارض الفكرة ليعود ثانية ويعتبر ذلك اللّون الوردي، عالم مزيف، يتعامل بالقشور، لكنه وبلمحة شعرية غاية في الدقة، والشفافية يعود لذاته اللّونية ليقرن ذلك العالم الذي رسمه (وكأنه نوع من الأزهار) وتنوع الألوان في الأزهار مدهش ولا يحصى لكونه لون الطيف الذي يغني الحياة بالانتعاش من خلال الوانه الزاهية التي تبعث فينا خلجات من الارتياح، والبهجة، وتؤكد على أن الجمال الطبيعي الأخاذ يكمن فـي دواخلنا قبل أن ننظر إليه من خلال وجوده الإلهي في الطبيعة، وبالتالي فهو يؤكد نزعته الجمالية اللّونية لينزح إلى عالم مليء بعناقيد الكروم، هذه العناقيد التي تمثل البقاء، والنقاء، والصفاء، واللّذة، والمنفعة التي ذكرت في النص المقدس، وبين الثرى والثريا، وهنا يتبين ذلك التفاوت اللّوني بين لون الثرى الترابي، وبين لون الثريا الأحمر اللامع اللازوردي الإلهي البهيّ.
وفي مقطع آخر وضعناه على مائدة التحليل، لارتباطه بذات المعنى الذي توحي مدلولاته، وتشفيراته الشعرية، بأنه مرتبط باللّون باعتباره المساحة الجمالية التي يعبر من خلالها (الشاوي) عن مكنوناته الفكرية، والوجدانية، فيقول في هذا المقطع من قصيدة (رؤيا):-
من بعيد أكادُ اسمعُ صوتاً
مشوشاً يُطوقهُ الماضي..
إني اسمعُ صوتاً يُنفِّضُ ما حوله
يُشتتُ الألوان..
صوتُهُ صارَ قريباً
يتوضحُ أكثر.. أكثر
انهُ يَتنفسُ كالإعصار..
ومن بداية المقطع يتجلى اللّون بأشكال مختلفة، وصفات متعددة، حيث يتمحور الصوت لديه بأنساق متجانسة ليتحول إلى لون من الوان الماضي الذي يستحضره (الشاعر) بصورة مشوشة، ويعود ليكرر عملية السمع لذلك الصوت ليشتت من خلاله الألوان (إني أسمعُ صوتاً يُنفِّضُ ما حوله، يُشتتُ الألوان)، إن هذا التشتت للألوان هو دلالة مرمزة لذلك الصوت الذي يوحي لنا بأنه من الألوان المحاذية للخيبة، ومأساة الماضي، فهو يقترب أكثر، فأكثر، بل أجاز (الشاوي) لنفسه في التعبير عن ذلك الصوت المبهم شكلا، والواضح لونا وكأنه لون الخراب الأسود لينهي مقطعه بعبارة (إنهُ يَتنفسُ كالإعصار) والتنفس للصوت يعني بدلالاته التعبيرية الحياة الأخـرى ما بعـد الإعصار، فهو يشتت الألوان، ويداخل الصور الشعرية ببعضها، ليصبح لونه الخرائبي الذي يوأد الحياة ليجعلها أكثر قسوة، وأعمق مأساة، لأنه اعطى للإعصار لونا قبيحا يقتل الألوان بسواده الموحش ليتسيد المشهد برمته.
ونحن نتناول مقطعا آخر من قصائد الديوان لإخضاعها إلى فسحات التفسير، والتحليل، وإحالتها إلى منطقة التأويل، نجدُ مـن الضرورة أن نقتطف هذا المقطتع من قصيدة (هموم) والذي يقول فيه الشاوي:
ما هذا الجمع؟
لِمَ هذا الكم مِنَ الطيور
منَ الحمام.. منَ النوارس
ما هذهِ أشجارُ الزيتون
ما هذا الورد
ما هذا ألآس
لمن هذا الياسمين ؟
إن هذا التشابك الوثيق بين الألوان الذي زاوجه الشاعر بجمالية أخاذة بين الألوان وحضورها الزمكاني النبيل في حاضرته الشعرية، فهو يطرح سؤالا فلسفيا ناجعا يدور في مخياله الآني، وربما الإستشرافي، وطرح هذا السؤال له ميزاته التأثيثية التي ستلي ما بعد السؤال حيث يقول فيه (ما هذا الجمع؟) هو يرى تجع لوني من الحياة، ثم يلجأ لوصفه ليثير الدهشة في لواعجه الإنسانية أولا، والشعرية ثانيا، ليبدأ بتفصيل المشهد المُتكون من أنواع متشابكة، وألوان مختلفة، ومسميات غير متجانسة إلا في حضورها الشعري المتموسق (لِمَ هذا الكم مِنَ الطيور) وهذا السؤال الثاني الذي نقف ازاءه لمعرفة ما سيحرص عليه (الشاعر) لتوصيله لذواكرنا المُتلقية لمعرفة أنواع هذه الطيور التي يسأل عنها، ربما يكون من المناسب أن نقف على الألوان الزاهية التي ستلي هذا الجمع من الطيور، فسنجد بأنه يختار أجمل وأبهى شكلا ولونا من الطيور في محيطنا الطبيعي، (الحمام + النوارس) وهذان النوعان من الطيور يرمزان إلى الحياة المناخية المستقرة، والحياة المهاجرة في ذات زمن التلقي، وهما يشكلان طيفاً من الألوان التي يمكن معها اختزال كلّ الألوان في الطبعية وأكثرها مشاهدة وألفة في حياتنا اليومية، فهو ينظر للمكان بعيون لونية وتشكيلية فنية راقية، وعيون شعرية واسعة وعالية الحضور في ذاكرته الإستقرائية للمشهد، ليأتي بعدها المشهد الأكثر جمالا فهو يتحدث عن لون اشجار الزيتون وضرورة وجـودها في الطبيعية، وإفادتها القصوى لحياة البشر (ما هذهِ أشجارُ الزيتون) إنه ينشر اللون الأخضر على لوحته الشعرية ليضفي عليها الكثير من الحياة، والدفء، والمواءمة بين المشهد برمته باعتباره الحياة، وبين اللون الأخضر باعتباره الحياة الأكثر زهوا، ورقيا لونيا باذخ الجمال، ثم يذهـب بعدها مباشرة إلى الوان أكثر اتساعا ووفرة وأبعـد رواجا في ذاكرة الجمال، والحب، والتوالد اللوني المتعدد الفصائل الشكلية للكتلة اللونية (ما هذا الورد) و (ما هذا ألآس) و (ما هذا الياسمين).
إن جلالة هذه الألوان هو ما يطمح إليه (الشاوي) في جمعه داخل بوتقة لونية واحدة لتكون سلة مفعمة بالدلائل والمعاني والعلامات ذات التوازن اللّوني الباهر، فهو يجمع (الورد) بكافة ألوانه الطبيعية الخلابة، و(أللآس) الذي يرمز إلى شيوع الجمال، و(الياسمين) وهنا يرسم لنا (الشاوي) بفرشاة شاعر لوحة ذات ألوان مختلفة ليشبع نوازعه الجمالية وحضور المرادف اللّوني في تأثيث فضاء مشهده الشعري.
ووفق تراتبية انحيازها إلى اختيار أربعة نماذج من المقاطع الشعرية المقتطفة من قصائد الديوان بغـية اعتبارها العينات لما يتوافق مع موسوم الدراسة النقدية لفريضة تطابقها معها، وبالتالي لتوافق رؤيتنا النقدية مع هذه الاختيارات الأربع رغم وفرة المقاطع والقصائد التي تحمل ذات التطابق الذي نرنو إليه في فحوى الإطار النظري في تحليلنا لتجليات حضور الجمالية اللّونية في قصائد الديوان، لذا كان الاختصار في اختيار (العينات) للفائدة أولاً، ومن ثم لعدم الإطالة في المقدمة ثانياً.
ونحن نعتبر الشاعر (مهند الشاوي) وفق نظرتنا النقدية الفاحصة، واحد من أهم الشعراء الذين يمكن القول، بأنهم تفردوا بتضمين اللّون وحضوره العلاماتي المرمز فـي قصائدهم، وتحويل اللّون إلى سمات بصرية مرئية من خلال استثماره لأدواته التقنية في فن الرسـم لتجديد فاعليته المتجانسة مع الصور الشعرية، وحين العـودة لاختيار الأنموذج الرابع من العينات التحليلية، ففي مقطع له من قصيدة (شكرا لحبك) والذي يقول فيه:-
مكسورة مُنهدة..
جزر الشط بعد امتلاء
بعد خضرة الورد والبستان
وعطر الياسمين والريحان..
شكرا لحبك أنه اسمعني
صوت الحفيف الذي يؤرقني
ينقلني لعالم وردي
يبدأ الشاعر هنا وفي هذا المقطع بالذات بالانكسار ويبدو عليه الوهن قبل أن يلج إلى عالمه المخملي المتخم بالسحر والجمال وهـو عالم الألوان، ففي أول المقطع يبوح بأنها (مكسورة منهدة) وهذا الكسر والتنهيد يأتي بعده مباشرة جملة من الايقونات اللّونية السحرية التي تحيل هذا الانكسار، والتنهيد إلى عالم مختزل بالجمال والفتنة وبهاء الألوان، فهو ينظر إلى (جزر الشط) هذا اللّون الخلاب الذي يفيض بالتنوع الجمالي والولادة الحيّة لكلّ ما هو حيّ، ونقيّ والمتأتي من لون زرقة ماء الشط، ولم يقل بحراً، لأن البحر غير مستكين، وغير آمن، وبديله (الشط) الذي يرمز إلى الأمان، والصفاءً، والبهاء، والصفاء في اللّون، ثم ينتقل بعـد هذا التكوين اللّوني المرهف إلى تكوين لوني آخر يُكمن في (خضرة الورد والبستان)، هنا يشير (الشاعر) إلى الخضرة بمعناها اللّوني الجاذب للنظر، لكنه يُبطنُ فعالية هذا اللّون التنوعية على جميع الألوان المجتمعة في دواخله بدلالة أنه أردف مفردة (خضرة) بالـ (الورد) الذي يشعّ بالعديد من الألوان الزاهية، ثم يتنقل إلى مستوى أكثر شمولاً تأثيره على أنساق الألوان وهو (البستان) الذي يساوي في تشكيلاته اللّونية المتعددة فخامة لونية باهرة مشتملة على جلّ الوان الطبيعة الدالة على فكرة ديمومة الحياة ونضارة الوجود، ثم ينهي هذا المقطع الشفيف (شكرا لحبك أنه اسمعني) فهو يشكر حبيبته لأن حبها يسمعه (صوت الحفيـف الذي يؤرقني)، إن الحفيف هو اصطياد ذكي لعذرية اللّون، فالشاعر يغذي نصّه ليجعل للحفيف لوناً مؤثراً في معنى المعنى الذي يشير إليه بقصدية بالغة الوضوح، وأخيرا يختم مقطعه بقوله (ينقلني لعالم وردي)، إن هذه الصورة الشعرية المشبعة بالحس الراقي، وحضور اللّون الجمالي في حاضرة القصيدة والذي يتولد من رحمها الجمالي صورة شعرية شاملة حيث يجعل من صوت الحفيف الذي يؤرقه غاية في التوازن في الوظيفـة الجمالية، ليتنقل بها إلى (عالم وردي) مثالي يرسمه بدقة متناهية، ومن المُلاحظ بأن الشاعر استخدم في ديوانه اللّون الوردي في عديد المواقع التي تحتاج إلى إشاعة الدفء، والاسترخاء، والجمال، لأنه يفصح عن دواخله المسالمة الجانحة للسلام، والطمأنينة، والتسامح، فهو لون رامز لصفاء السريرة لراحة عين الناظر، ولأنه خليط من الوان زاهية تعبر عن حياة مليئة بالحب، ومتخمة بشعرية ذات جرسية خلابة ترتقي بملهمات الإنصات حيث المشاعر الدافئة في تأثيث المشهد الشعري بتجاذباته اللّونية الدلالية التي تأخذنا حيث منصات شعرية لونية فاخرة لتزيح عن حاضرتنا دخان الحروب ومأساتها.
لقد اثبتت التجربة الشعرية للشاعر العراقي (مهند الشاوي) في ديوانه (عندما يحترق الثلج…) بأنه يتخذ من اللّون جسراً جماليا لتوظيف مستترات نوازعه الوجدانية، العاطفية والإنسانية، والفكرية التي يعتمدها عنصرا من عناصر بناء النصّ الشعري، وبالتالي فهي علامة ذات دلالات بنيوية بالاتفاق مع رؤيته الفنية، وتخصصه الأكاديمي، فهو يرسم قصيدته المبتكرة بفرشاة لغوية مخيالية حالمة، تصف مشاعره الجياشة، وأحلامه الفارهة، وانثيالاته المبتكرة، ليكشف لنا عن دواخله النازحة صوب اكتشاف عوالم أخرى أجمل من عالمنا هذا الذي نعيش من خلاله الحروب، والدمار، وننسى بأن من حولنا ثمَّة أيائل من العوالم الملونة التي نستطيع من خلالها أن ننسج عالماً من الألوان في حاضرة الشعر، والجمال، فالشعر عند (الشاوي) هو عبارة عن سجل يدون فيه جملة من دقائق حياته السعيدة والمتصالحة مع ذاتها، لأنه متناغم مع ذاته حسياً، وعقلياً، كما يذهب إلى ذلك (شيللي) حين يؤيد قائلا:- (الشعر هـو سجل لأروع الدقائق وأسعدها في أسعد العقول وأروعها).
لقد خصص الشاعر (مهند الشاوي) تجربته الشعرية المتفردة في الغوص داخل مساحات التساؤلات الكبيرة التي تؤرق متاخمات الذات البشرية، وتثير مشاعرها الوجدانية، إنها تجربة شعرية تلامس المضامير الحيّة المتداخلة في صراع التشابه، والتضادّ بين الفضيلة، والرذيلة، والحب واللا حب، والحقيقة، والخيال، والصدق والكذب، والأصالة والخيانة، والجمال والقبح، ولعل أرقى ما تمكن منه الشاعر في توصيل أفكاره المتنوعة هو امتلاكه لناصية توزيع اللّون في قصائده وكأنه يتقمص شخصيته كفنان تشكيلي مرموق، ليرسم لنا بريشته مقاطع شعرية تستدعي الملاحق الفكرية الواعية إلى ترتيب أوراقها الولوج إلى عالم (الشاوي) الوهاج باللغة الفاعلة، مع الصورة الشعرية المؤطرة بموسيقى داخلية رائعة وجرسية عالية، وتقطيع لفظي متجانس، يمكن لنا معه التمازج الخلاق لخلق حالة من الاندماج العاطفي، والفكري، بين الشاعر باعتباره الباث للنصّ، وبين القارئ باعتباره المتلقي.
لقد تحول اللّون في النصوص الشعرية للشاعر (مهند الشاوي) في ديوانه (عندما يحترق الثلج…) إلى مجسات داخلية متدفقة تهدف إلى إزاحة النمط السائد السطحي واستبداله بالدلالة اللّونية المرمزة، وإحالته إلى منطقة أكثر تأثيراً، وتفاعلا مع المحيطات الذهنية الإستقبالية، فقد استطاع أن يتوحد مع التوافقات السيميائية من الدلالات، والإشارات، والعلامات، والإيحاءات، والرموز، والأيقونات وإثبات قدرته المخيالية في التعامل مع بنائية الصورة اللّونية المكتنزة بالمتغير الحسي، والإنفعالي، والفكري، والإنساني، والوظائفي التغييري للذائقة الإجتماعية.
لقد تجلّت وظيفة (الشاوي) في رؤيته الفلسفية لبناء نصه الشعري النثري على قاعدة المشهد الشعـري الذي لا يخلو في تأثيثه من مخبوءات اللّون وتأثيراته الإيجابية على المتلقي، والذي اعتمد في ايصاله على الرمزية العالية المدعمة باللغة المفهومة، فهو يرسم مضامين، ومضامير نصوصه الشعرية من خلال لغته التشكيلية اللّونية مفسراً عبرها تجلياته المتداخلة من خلال العادلة المبنية على التواشج بين (المنظور الشعري المبتكر + اللّون المؤثر في تأثيث الصورة + المساحة + الكتلة والفراغ + الإنفعال الحسيّ + التوازن العقلي)، إن هذه المعادلة الشاملة، والمتعـددة الأطراف تبدو صعبة في تجميع وجهاتها التراتبية، وابتكاراتها الأكاديمية، إلا لمن استطاع إنجاز هذا المنتج الشعري ضمن تخصصه الفني.
لقد تفجرت طاقات الشاعر (مهند الشاوي) في جلّ هـذا التماثل الشعري والفني من خلال إنصهار انفعالاته الداخلية للتعبير عن خلجاته المكنونة من خلال ذلك المزيج الجمالي الراقي بين الحب، والحرب، والجمال، والحرية، والتوهج، والنقاء، والمرأة، إنه مزيج مهيب من التناظر الفهمي العالي للشاعر في إيقاد ذواكره الحيّة، ومن أجل أن يؤثث قصائده بهذه الطرائزية المذهلة، وبهذا الرقي الجمالي العالي، بعيدا عن الوصفية الطارئة، والسردية المحضة، فقد مال إلى تشكيل لوحاته الشعرية المتكونة من المناخات الحسية الداخلية والتي شكلت عنصراً هاماً من عناصر تشييد ملكته الشعرية، وخاصيته المُلهمة في تشييد دلالاته اللّونية والبصرية، والتي يستطيع المتلقي فرزها من خلال تتبع أفكار (الشاعر) عبر قصائد ديوانه، فالشاعر يدرك أهمية ما يؤثثه من صور شعرية ذات ألوان مختلفة وبنسيج شعري مختلف، فهو يلاحم بين الشعر من جهة، وبين الرسم من جهة أخرى، وعلى ضوء منظومة الإبتكار المدهش في المزج بين (الشعر + اللّون) وهو طابع ألهامي متفرد.
لقد برهنت قصائد ديوان (عندما يحترق الثلج…) على أنها موسوعة لونية دلالية تستطيع الولوج إلى محطات مهمة من مسلات مهام التلقي، فهي تتجلى بوضوح للانصهار داخل بوتقة السلاسة اللّغوية، وحضور الجمالية اللّونية، والصورة الشعرية الواقعية أحيانا والخيالية أحيانا أخرى لنقرر حينها بأنها عبارة عن سمفونية لامعة مزجت بداخلها جلً تلك المؤثرات في دائرة واحدة لتكون خلاصة لتجربة الشاعر في اقتحام منظومة التشظي، ليصل إلى ملاحق تعبيرية ذات دلائل فاعلة في جسد النصّ المؤسس بخاصية الجدل الحاصل بين اللّون من جهة، والمكان، والحب، والحرب، والوجدان، والمرأة، وجملة من التساؤلات المتفردة التي يطرحها الشاعر لأنها بالمصب النهائي وحدة ذات قوام متكامل، قائم بذاته، يسعى لتأثيث النصّ، وإخراجه إلى الضوء من خلال تنوعاته الداخلية التي فرضتها عليه خاصيته الوجدانية اللّونية والشعرية ليصل إلى مُثمرات حقيقية متفاعلة مع الحس الجمعي من خلال تراكمات من الأفكار المدهشة التي تستدعي الذاكرة الحيّة للإنصات إليها بروية أخاذة، لأنها كُتبت بلغة رصينة، ولأنها متخمة بالصور اليومية الحافلة بجمالية اللّون والهندسة الشعرية الرائعة كما يتوافق معنا (فلاوبرت) حيث يقول (الشعر علم دقيق شأنه شأن الهندسة تماماً).
إن الدلالات الواضحة على اكتمال الصورة الشعرية لدى الشاعر (مهند الشاوي) باعتبارها محفزات توالدية تخضع لجملة من المعايير التي حرص على توافرها في ديوانه الموسوم (عندما يحترق الثلج…) وهذه المعايير في رأينا النقدي تنحصر بالتالي:-
- توظيف عناصر اشتغالاته التخصصية باعتباره من المدرسين الأكاديميين للفن.
- التوافق الذهني بين مهارته الفنية، وبين لغته السلسة.
- توظيف اللّون باعتباره المحرك المرمز لنصه الشعري، واستثمار اقصى جهد جمالي في إبراز معالمه الدلالية.
- ابتكار مهاميز مشتركة بين اللغة، واللون، والثيمة.
- ملء الحيزات الواقعية بالرمز اللّوني، للابتعاد عن السقوط في فخ المباشرة، والسطحية.
- الاشتغال على ضرورات التوالد اللّوني من رحم الصورة الشعرية.
- توزيع رصيده التشكيلي على جملة من القصائد في الديـوان بذات الجهد المرمز.
- خلق حالة من التوافق الحسي بين اللّون، وبين وظيفة استخدامه في النصّ الشعريّ.
9- تزامن انبثاق اللحظة الشعرية بتجلياتها اللّونية، مع توقيت التدفق الإنساني
والوجداني الذي يعيشه الشاعر.
10- محاولة جذب المتلقي من خلال تجانس القيمات الفنية لنصّه الشعري، لإحداث تفاعل آني خلاق بينهما.
ومن خلال جملة المعايير والضوابط الفائتة نلحظ بأن الشاعر قد أسس له جسوراً من التلاقي التي عبرت حيّز اللّون ليرتقي بها إلى مراكز مدركاته العقلية الفاعلة في تركيبته الانموذجية الواعية، والمُفكرة، من خلال مدركاته الحسية النابضة بالحياة، والواقعة تحت سطوة الخيال الرحب، فاستطاع أن يمزج بين اعتناءه باللّون بصفته رساماً يُعنى باللّون ويدرك تمام الإدراك تنوع تدرجاته المؤثرة في اللفظة، وبين اخضاع نصّه الشعري الذي لم يتجاوز اللّون في جلّ الأحايين إلى ما هو أبعد حيث اعتنى (الشاعر) ببث أفكاره السامية والشاملة داخل مشروعه الفكري، وطرح العديد من الأسئلة التي تحتاج إلى إجابات مجتمعية، أو ربما سياسية، لأنه إبن الحاضر (الآن) وإبن الحضارة السومرية، والبابلية، والآشورية، ولأنه أيضا يعيش داخل هذا الخراب، والجمال في آن واحد، فهو تارة يكتب الشعر باللّون، وتارة أخرى يرسم اللون بالشعر، فهو يتغـزل بالحبيبة، ويخاطب الوطن، لذا نجد في قصائده هـذه الفورة الشعرية المأزومة والقائمة على أسس من التوافقات، والتناقضات التي تختلج في ذاته المستقرة أحيانا ومُستفزة أحيانا أخرى، فقد حاول (الشاوي) أن يُشيع ملاحم الحلم الذي يحسه حتى في يقظته المؤجلة، لكنه يصطدم بجملة من المتغيرات الآنية، والخيارات الصعبة التي تفرض ذاتها عليه للخروج من بوتقة (الشاعر) لتحيله إلى هيمنة (الرسام) الذي يحمل فرشاته المتخمة بالخطوط، والتجانسات، والتنافرات اللّونية ليرسم بها مقاطعه الشعرية وكما أشار إلى ذلك (لو كوربونييـه) حينما قال:- (أنا أفضل الرسم على الكلام، أو الكتابة، فالرسم يعبر عن الحقيقة بسرعة، ويترك قليل من المجال للأكاذيب).
ومن وجهة نظرنا النقدية.. نجد بأن (الشاوي) قد حقق معادلته الصعبة هذه في خلق ذلك التوازن بين اللّون، واللغة، والفكرة، والصورة الشعرية باعتبار اللون أحد أهم المزايا الطبيعية التي تنتج لنا هذا الجمال المحيط بنا، والبهجة المثالية التي نحسها، ولتلك الضرورة العميقة أثث الشاعر فضاء مشهده الشعري من خلال جمالية اللّون وتوظيفه كرمز، ودلالة، وإشارة، وعلامة في متن نصه الشعري المتجدد للخروج من السائد الثابت، إلى المُتحرك الجمالي بحكم وظيفته التشكيلية.
ناقد من العراق
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي