مأساوية الواقع” رواية معزوفة لرقصة حمراء لعبد القادر الدحمني نموذجاً

حليمة ازكري*
تُشكّل رواية “معزوفة لرقصة حمراء” المحطة الثالثة في المسار الروائي للكاتب المغربي عبد القادر الدحمني. إن أول ما يجذب انتباه القارئ في هذا العمل هو عتبة العنوان؛ إذ ينهض بوظائف “دلالية”، وتداولية واضحة وفق منظور “جيرار جينيت¹. يثير العنوان في ذهن المتلقي تساؤلات ملحة ومباشرة: ما سر هذا اللون الأحمر؟ هل يحيل على الدم، أم الثورة، أم الحب؟ ولماذا استبعد الكاتب ألواناً أخرى كالأبيض الذي يرمز للسلام؟ هذا التعدد التأويلي هو ما يصفه جينيت بـالوظيفة “الإيحائية”، والتي تتكامل مع الوظيفة “الإغرائية” بهدف تشويق القارئ واستدراجه لفض مغاليق النص وتصفح أوراقه بحثاً عن إجابات لتساؤلاته. وعند عبور هذه العتبة نحو عمق النص، نجد أنفسنا أمام بنية سردية متوسطة الحجم (399 صفحة)، تتوزع على تسعة فصول تتخذ العناوين التالية: “عودة السلمون”، “خارج القوقعة”، “ألغام التاريخ”، “خادم الأعتاب”، “ثعلب زفزاف”، “المثلث الأحمر”، “خرم إبرة”، “نطفة الوجع”، وصولاً إلى الفصل الأخير الموسوم بـ”اللعبة القذرة”. تنفتح هذه الفصول على قضايا واقعية مريرة؛ حيث جعل الروائي من شخصية حمان محوراً لتجسيد المعاناة الإنسانية. حمان؛ «مغربي، الرجل المسلم، لا يحب المشاكل، ولا يسعى لما يعجز الآخرون عن بلوغه؛ بل هو هين لين بئيس مبتئس يطلب السلام والعفو والغفران…»²، الذي وجد نفسه في مواجهة مبكرة مع شظف العيش، يوازن بين دراسته وعمله الشاق وهو لم يتجاوز السادسة عشرة من عمره بعد وفاة والده. ولم تقف حدود مأساته هنا، بل قاده القدر إلى خلف القضبان دون سابق إنذار، لتبدأ رحلة اجترار الألم والمساءلة الذاتية. وفي غمرة فراغه وعزلته، تتوالى عليه الصدمات؛ قد رحلت أمه (حضنه الدافئ) إلى دار البقاء وهو سجين، وتشتتت أسرته بين زواج أخته الكبرى حليمة، وتورط أخته مريم في قضية مخدرات، واختفاء شقيقه أحمد. أما الفاجعة الكبرى، فكانت مقتل -حبيبته- نبيلة على يد قوات التدخل السريع إثر مداهمة الحي الجامعي للطالبات وإلقائها من الطابق الرابع. اعتُقل حمان بسبب قصيدة كتبها رثاءً لنبيلة، وحين غادر أسوار السجن، اكتشف أنه لم يجد الانعتاق الأبدي، بل استبدل زنزانة ضيقة بسجن الحياة الأرحب، مؤكداً أن القيود الحقيقية لا تكون دائماً من حديد. يخرج حمان إلى العالم مثقلاً بالوحدة، ليلتقي بخاله الذي سيزيد من عتمة مشهده الحياتي. ولم يكتفِ الروائي برصد هذه المحن والجرعات المكثفة من الوحدة والاغتراب بأسلوب تقريري جاف، بل اتخذ من “المفارقات الزمنية”³ تقنية جمالية لتصوير شروخ الذات لدى البطل. وفي هذا السياق، يتحول الاسترجاع إلى زمن سحري يكسر خطية الأحداث المنطقية، ليعود بالقارئ إلى ركام الماضي ومخلفاته النفسية التي لم تفارق حمان رغم تقدمه في السن؛ إذ كلما حاول المضي قدماً نحو المستقبل، شدّه ماضيه ليبقى رهين انكساراته. إن الحنين إلى الماضي هنا لا يحضر كأداة للاستمتاع أو الاستئناس، بل كمنصة لمحاكمته وفهم أسباب الفشل في الحاضر. ويتجلى ذلك بوضوح في الصفحة الخامسة والثلاثين، حين يكشف الخال عن حجم المآسي التي عاشها وعن المرأة التي كانت سبباً في سقوطه قائلاً: «لا بد أن أحكي لك عن المرأة التي كانت سبباً في انكساري وسقوطي.. لقد كنت دائماً رفيق الشيخات، وصاحب القصارة الذي لا أحد ينافسه…، بل سكنتني كعفريتة ولم تخرج…»⁴. وظل الروائي يوظف الاسترجاع كآلية نبش في جروح الماضي التي لم تندمل. وفي مقابل الاسترجاع، يعتمد الكاتب تقنية الحذف الزمني؛ حيث يقفز بنا فجأة عبر فجوات سردية دون التوقف عند تفاصيل الانتقال. فبعد مرور أربع سنوات، نجد حمان قد أصبح قائداً بمدينة “سوق أربعاء الغرب”، ومكبلاً بزواج إكراهي من نعيمة المدمنة على الكوكايين، والتي فرضها عليه خاله طمعاً في مصالح الشغل مع والدها. وهنا يجد البطل نفسه قد غادر زنزانة الحديد ليدخل زنزانة الخيارات المفروضة. يلعب الحذف هنا دوراً تفاعلياً؛ إذ يدفع القارئ إلى التخمين وملء الفجوات: ماذا حدث لحمان طيلة هذه السنين؟ هل تحول إلى شخص آخر؟ وهل تغيرت نظرته للحياة أم أنه ما زال رهين عزلته ووفائه لمحبوبته الراحلة نبيلة؟

إن حمان لا يتوقف عن جلد ذاته ومساءلتها عن سر هذه الدوامة، بعد أن أدرك متأخراً أن السجن الحقيقي لم يكن وراء القضبان، بل كان ينتظره في تفاصيل الحياة الحرة. ولم يكن توظيف عنصر المونولوج (الحوار الداخلي) محض عشوائية؛ بل جاء ليسلط الضوء على عمق الاغتراب الذي عاشه حمان، لدرجة أنه لم يجد شخصاً واحداً يشاركه همومه، فالتجأ إلى محاورة نفسه، قائلاً: «الحياة صعبة يا حمان ولا تؤمن بالضعفاء والمتخاذلين الناس لا يحترمون إلَّا من لديه المال…»⁵
لقد شكّل المونولوج قناعاً يرتديه البطل؛ فيبدو تارة ذلك الرجل المطيع لأوامر الجنرال وإملاءات خاله وزوجته نعيمة، لكنه سرعان ما يلوذ بعزلته لينتقد في حواره الداخلي كل محيطه الاجتماعي، مما يؤكد عدم رضاه عن هذا الواقع البائس. علاوة على ذلك، تزخر الرواية بـتعدد الأصوات (البوليفونية)⁶؛ ورغم أن الروائي يمسك بزمام الحكي ويوجه خيوطه بسلطة واضحة، إلا أنه يمنح لكل شخصية فضاءً للتعبير عن قيودها. فالشخصيات هنا تبدو كلها مكبلة؛ منها من قيدته الزبونية والمصلحة، ومنها من قيدته السلطة، ومنها من أسره المال والجاه، بينما بقيت شخصيات أخرى غارقة في حبال حواراتها الذاتية.
وصَفوَة القول، إن رواية معزوفة لرقصة حمراء لا تقتصر على غاية واحدة، بل تتشعب مقاصدها لتفتح الباب على قضايا اجتماعية مركبة يشترك فيها جل المواطنين. لقد جعل عبد القادر الدحمني من حمان شخصية محورية تصارع من أجل البقاء بأيادٍ مكبلة؛ فهو يتيم الأب والأم، ومغترب داخل ذاته، وأسرته، ومجتمعه، ووطنه. لقد تحول البطل إلى مخبئ لصراعاته وهواجس خوفه وشعوره الدائم بالذنب دون جرم ارتكبه، في مقابل واقع مادي كرس فيه الكاتب عبر شخصية الخمالي (الخال) قدرة النفوذ والمال على هندسة المصائر وتغيير الأحوال
المراجع
¹ جيرار جينيت -كتاب العتبات-.
² ص22 ـ رواية معزوفة لرقصة حمراء عبد القادر الدحمني.
³جرار جينيت ـ كتاب خطاب الحكايةـ.
⁴ص 35 ـ رواية معزوفة لرقصة حمراء ـ
⁵ص 33 ـ الرواية نفسها.
⁶ كتاب تعدد الأصوات لمخائيل باختين
كاتبة من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي