الثقافة المجانية

الحسَن الگامَح*
تظل ظاهرة زهد الكُتّاب في شراء الكتب وميلهم المستمر للحصول عليها عن طريق الإهداء واحدة من المفارقات السيكولوجية والاجتماعية الأكثر إثارة للجدل في الوسط الثقافي. فالكاتب، رغم كونه الأكثر إدراكاً لقيمة المجهود الفكري المبذول في التقاليد القرائية وصناعة التأليف، تجده غالباً يتردد في دفع مقابل نتاج زملائه، مفضلاً انتظار النسخة المهداة المزينة بتوقيع مؤلفها. إن هذا السلوك يتجاوز في عمقه الدافع المادي المباشر؛ إذ ينبع من بنية رمزية متراكمة في المجالس الأدبية، حيث يُدار المشهد وفق آلية اقتصاد الهدايا. يتشكل داخل هذه الدوائر نوع من التبادل الذي يحل فيه الاعتراف المعنوي محل التبادل المالي؛ فيهديك الكاتب إصداره اليوم لتُهديه إصدارك غداً، في حركة استعراضية للمكافأة المتشابهة. ومع مرور الوقت، يتسلل إلى الوعي الجمعي للمبدعين شعور ضمني بالاستحقاق، وكأن الاشتغال بالفكر يمنح صاحبه حصانة تلقائية واستثناءً من دفع ثمن الإنتاج المعرفي للآخرين.
غير أن هذا التبادل المفرط للهدايا يخرج من سياق اللفتات الودية ليؤسس تشوهاً بنيوياً في النسيج الثقافي يُعرف بظاهرة الثقافة المجانية. إن التعامل مع الفكر والرواية والدراسة بوصفها أشياء يُفترض الحصول عليها دون مقابل يرسخ انطباعاً كاذباً لدى الجمهور العريض بأن المنتج الأدبي مادة لا تستحق الاستثمار المالي. وعندما يتحول الإهداء من إجراء نقدياً يهدف إلى التقييم والدراسة الصحفية إلى سلوك اجتماعي مجامل يمتد لكافة الأصدقاء والمعارف، تصاب المنظومة برمتها بخلل حاد. فالمؤسسات التابعة لسلسلة التوزيع، بدءاً من دار النشر الصغيرة وصولاً إلى المكتبة المستقلة، هي كيانات اقتصادية تواجه تكاليف تشغيلية واقعية من طباعة وشحن وتسويق، ولا يمكن لها أن تعيش على نوايا الإشادة والثناء العاطفي.
علاوة على ذلك، فإن الكاتب الذي يفرغ طبعته الأولى في توزيع النسخ المجانية يحرم نفسه من العوائد المالية التي تشكل حقه الطبيعي عن ساعات العزلة والبحث. يقع المؤلف هنا في تناقض حاد؛ فهو يبخس قيمة عمله بيديه عبر التوزيع المجاني، ثم يشكو متألماً من غياب الدعم وتهميش المبدع وضآلة المردود المالي للكتابة. إن هذه الحلقة المفرغة تجعل الكتابة تبدو كأنها نشاط هامشي لا يستطيع إعالة صاحبه، في حين أن جذور المشكلة تكمن جزئياً في عدم احترام الفاعلين الثقافيين أنفسهم للقيمة المالية لأعمالهم.
إن الخروج من مأزق الثقافة المجانية يقتضي إعادة تشكيل سلوكي وأخلاقي شامل داخل الجماعة الأدبية. تبدأ هذه النهضة برفض القاعدة الشائعة التي تجعل طلب النسخة المجانية دليلاً على القرب أو الصداقة، واستبدالها بعقيدة جديدة مفادها أن الدعم الحقيقي للمؤلف يتمثل في اقتناء إصداره من منافذ البيع الرسمية والمساهمة في رفع المبيعات. كما ينبغي على الكُتّاب وضع حد فاصل بين الإهداء الوظيفي الذي يستهدف الناقد والإعلامي بغرض القراءة الواعية والتغطية الثقافية، وبين البيع التجاري الموجه لكافة القراء والأصدقاء. إن إعادة الاعتبار للكتاب بوصفه منتجاً يتطلب جهداً وتفرغاً استثنائياً يجبرنا على معاملته بتقدير لا يقل عن ذلك الذي نمنحه للخدمات والسلع اليومية، لأن حماية الاقتصاد الثقافي هي الضمانة الوحيدة لحفظ كرامة الكاتب واستقلالية المبدع.
رئيس التحرير
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي