الرئيسية / الأعداد / من أجل وعي يكتب المستقبل بجناحين: صورة المرأة في أدب الطفل بين إرث الحكاية وتحدي الخوارزميات – إخلاص فرنسيس

من أجل وعي يكتب المستقبل بجناحين: صورة المرأة في أدب الطفل بين إرث الحكاية وتحدي الخوارزميات – إخلاص فرنسيس

من أجل وعي يكتب المستقبل بجناحين: صورة المرأة في أدب الطفل بين إرث الحكاية وتحدي الخوارزميات

إخلاص فرنسيس*

 

في طفولتنا جميعاً، كانت هناك جدةٌ تجلس تحت ضوء قمر دافئ، أو أمٌّ تهمس عند حافة السرير، لتبدأ الحكاية بالعبارة السحرية الخالدة: “كان يا ما كان، في قديم الزمان”. هناك، بين دفتي الحكاية الشعبية، تشكّل وعينا الأول، ورُسمت في عقولنا الغضة الملامح الأولى للحياة، ولعلّ أبرز تلك الملامح وأكثرها خطورة وعمقاً هي: صورة المرأة.

بين أميرة طيبة مستسلمة تنتظر من يخلّصها خلف أسوار القصور، وبين ساحرة شريرة تملك الذكاء والسطوة لكنها تسخّرهما للأذى… انقسمت الصورة في الوجدان الشعبي التقليدي. واليوم، نقف عند هذا الموروث الضخم لنطرح تساؤلات ملحة بجرأة فكرية وعلمية: كيف ساهمت هذه الحكايات في تشكيل الوعي الجندري والنفسي للطفل؟ وكيف تحولت المرأة من راوية للحكاية عبر التاريخ، إلى أسيرة لنمطيتها داخل النص؟ والأهم من ذلك كله، كيف يمكن للمبدع المعاصر اليوم أن يعيد تفكيك هذه القوالب ليصنع من الإرث القديم جسوراً من النور تبني وعياً جديداً يتسع لطموح المرأة وشراكتها الكونية الكاملة؟

إن تفكيك المشهد الثقافي والتربوي المعاصر يقودنا إلى حقيقة واحدة لا مفر منها: إن معركة الوعي الحقيقية تبدأ من السطور الأولى التي نلقّمها لوعي الطفولة. فالحكاية التي ينام على صوتها الطفل ليست مجرد أداة للتسلية أو تزجية الوقت، بل هي “المختبر النفسي والأنثروبولوجي الأول” الذي تُصاغ فيه ملامح هويته، وعلاقته بالآخر، وموقعه من الحياة.

وحين يقف أدب الأطفال عاجزاً عن التجديد، مستسهلاً اجترار الموروث بنماذجه النمطية الحادة، وحين يسجن الكاتب بسبب غياب وعيه النقدي، صورة المرأة في خانة “المدنس” الماكر أو “المقدس” العاجز المستسلم الذي ينتظر الوصاية، أو يختزلها في صورة نمطية داخل المنزل؛ كائنة عاجزة عن اتخاذ أي قرار، ورهينةً لأب أو أخ أو سلطة رجل، فإنه يمارس جناية ثقافية ضد المستقبل. إنه يزرع في لا وعي الفتاة سقفاً منخفضاً لطموحها وقيمتها الذاتية، ويحقن وجدان الفتى بعقدة استعلاء مشوهة، مما يؤسس لغريزة الصراع الاجتماعي ونزعات العنف المجتمعي التي نعاني من مراراتها اليوم.

ومع القفزة التكنولوجية الهائلة وتغلغل الذكاء الاصطناعي في صناعة المحتوى البصري والأدبي الموجه للأطفال، نجد أنفسنا أمام تحدٍّ مضاعف. فالمسألة لم تعد تقتصر على نصٍّ مطبوع، بل انتقلت إلى “الخوارزميات” التي قد تعيد تدوير نفس الانحيازيات الجندرية القديمة وبثّها في قوالب رقمية براقة.

إن رهان المستقبل يكمن في تطويع هذه التكنولوجيا لتقديم صورة للمرأة تتجاوز التهميش؛ صورة تبرزها كعالمة، ومبتكرة، وقائدة تشارك في هندسة هذا الفضاء الرقمي، لتتعلم الأجيال الجديدة أن التطور التقني لا ينفصل عن التطور الإنساني القائم على العدالة.

وفي ظل هذا الزخم الإبداعي والنقدي اليوم، لسنا بحاجة إلى التباكي على الموروث، بل نحن مطالبون بوقفة مراجعة وغربلة جادّة. إن إعادة الاعتبار لجوهر الكتابة الحقيقية تبدأ من تحرير أدب الطفل من قوالب التبعية والتسليع، وإعادة “الأنثى” إلى صورتها الحضارية الأولى: شريكةً في الوجود، صانعةً للحياة والاستقرار، ومبتكرةً للوعي.

إن مجتمعاتنا لن تبرأ من نزعات العدوان المفاجئ والصراعات المزمنة، ولن تبني حضارة متوازنة، طالما أنها تحلق بجناح واحد. حماية الغد تبدأ من احترام براءة اليوم، وتطهير قصص الأطفال من أوهام الوصاية والخنوع، لتنشأ أجيال تؤمن بأن الإنسانية تكامل، وأن الحاضر يُصنع معاً، ومنه وحده يُولد الخلود.

كاتبة من لبنان

عن madarate

شاهد أيضاً

أما أنت يا أبي.. – غزلان صابر

أما أنت يا أبي.. /box] غزلان صابر*   فلم تكن أول رجل عرفته، بل أول …

اترك تعليقاً