الرئيسية / الأعداد / بين شعبية الأدب الفانتازي، وصمت النقد. ( أسامة المسلم أنموذجا) – نجاة الغوز

بين شعبية الأدب الفانتازي، وصمت النقد. ( أسامة المسلم أنموذجا) – نجاة الغوز

بين شعبية الأدب الفانتازي، وصمت النقد. ( أسامة المسلم أنموذجا)/box]

نجاة الغوز*

 

يعرف العالم الإبداعي اليوم ما يمكن أن نسميه بطفرة سردية في الروايات بعد إقبال القارئ العربي عليها، خاصة الروايات ذات الطابع الفانتازي والخرافي ، بحثا عما أسماه رولان بارت لذة النص ” فاللذة تأتي هكذا إنها حضور من غير سؤال، ووجود يعم كل شيء دون أن يتموضع في شيء… وليس شيء للذة أقتل من سؤال يستفسر عن موضوعها، اللذة ليست موضوعا. إنها هي، وإنها لا تتكشف دائما من غير سؤال، وسعادة الملتذ كالنور، تأتي بقدح زناد الروح، فلا يدركها إلا من تحرر من نفسه جسدا ودخل في نفسه نصا.”[1]، ، ولعل القارئ العربي وجد نوعا من اللذة التي تحدث عنها رولان بارت في الروايات الفانتازية ومن جملة هذه الروايات نجد روايات أسامة المسلم التي أصبحت تندرج تسويقيا  تحت عناوين مثل:مبيعات مرتفعة، قاعدة جماهيرية من القراء من جميع بقاع العالم العربي، وحضور لافت في  وسائل التواصل الاجتماعي(خاصة التيكتوك من خلال لايفات يومية تقريبا) ومعارض للكتاب : المغرب، مصر …، مقابل غياب يكاد يكون كاملا عن الدراسات الأكاديمية الجادة.

هذا الإقبال غير المسبوق على الأدب الفانتازي والرواية العجائبية يعود لشيء واحد وهو أن هذه الروايات”خلاصة حكمة، وبقايا معتقدات ظلت تسيطر على عقل الإنسان لعدة قرون، إنها الحس الشاعري للإيقاع الجمالي في الإنسان. ولذلك فالحكاية لم تكن أبدا وليدة إبداع فردي، ولا هي قاصرة في وجودها على حضارة بعينها، إنها نتاج عقلي جمعي”[2]

لقد أصبحت روايات أسامة المسلم بوابة يلجها القارئ العربي من باب التشويق وصناعة البطل الافتراضي،  وفي نفس الآن لا يزال المشروع السردي لهذا الكاتب خارج دائرة الاهتمام النقدي الجامعي إلا في حدود ضيقة. هذه المفارقة تثير سؤالا مهما وهو : كيف يمكن لظاهرة سردية بهذا الحجم أن تظل على هامش البحث الأكاديمي؟

للإجابة عن هذا السؤال لابد أن نعود إلى قيمة السرد العجائبي، أو السرد الفانتازي والذي يمكن أن نقول عنه : “إن الحكاية الخرافية ليست بثرثرة عجائز لا منطق لها ، ولا هي اختراع صرف، وإنما هي ملك للشعب، ونتاج قواه الشاعرية”[3]، وهو الأمر الذي يجعل من السرد الفانتازي صورة أخرى عاكسة للتصور الجمعي، ونتيجة حتمية لتلك القوة الشاعرية للجمهور القارئ.

فروايات أسامة مسلم يمكن أن تكون مرآة عاكسة لذائقة قرائية شبابية جديدة، تهرب من الكلمة المباشرة أو من الحقيقة المجتمعية إلى صناعة خيال جماهيري قوامه الخرافة الذائبة في صناعة نوع جديد من القراءة.

وإذا رجعنا مثلا إلى  بيانات منصة Goodreads بوصفها مؤشرا عدديا لقياس التفاعل الجماهيري مع أعمال أسامة المسلم، ، والتي تتيح إحصاءات مفتوحة حول عدد التقييمات والمراجعات ومتوسطات التقييم، وهي مؤشرات أصبحت معتمدة في دراسات التلقي الرقمي والثقافة الرقمية اليوم، يمكن أن تعطينا صورة حول الحضور الرقمي لروايات أسامة المسلم، نجد ما يلي :

تعكس هذه المؤشرات الرقمية الموجودة في هذه البطاقة [4]حجم التلقي الجماهيري الذي حظيت به أعمال الروائي السعودي أسامة المسلم في الفضاء الرقمي، إذ تكشف بيانات هذه المنصة عن مستويات مرتفعة من التفاعل القرائي، تتجلى في كثافة التقييمات والمراجعات التي حصدتها سلاسله الروائية، وفي مقدمتها خوف وبساتين عربستان.

ورغم أن هذه البيانات لا تمثل عدد القراءات الفعلية أو حجم المبيعات، فإنها تشكل في عمقها دليلا واضحا على الانتشار والذيوع داخل مجتمع القراء، وتبرز التحول الذي شهدته المؤسسة الأدبية مع صعود المنصات الرقمية بوصفها فضاءات جديدة لإنتاج القيمة الرمزية للنصوص وتداولها خارج سلطة النقد الأكاديمي التقليدي.

ومن ثم، فإن هذه الأرقام تدعم فرضية القول بأن نجاح أسامة المسلم تأسس، إلى حد كبير، على دينامية التلقي الرقمي وما أفرزته من شرعية جماهيرية موازية للشرعية النقدية. وما يمكن أن يفسر هذا الإقبال أيضا كون ” النصوص السردية تمتاز بأنها نصوص مفتوحة ثرية تدعو قارئها إلى الإسهام في إنتاجها والإضافة إلى دلالاتها، إنها نصوص حمالة أوجه تمتلئ بالثغرات أخذ فعلا تأويليا لما لا نهاية له من أفعال القراءة. تتشكل منذ لحظتها الأولى من تظافر عجيب بين الراوي والمروي له تتعدد مغامراتها القصصية وتتنوع وحدتها السردية بشكل دائري ولا نهائي، فيها من قصص الجن والعفاريت والخيالي والعجائبي قدر ما فيها من الواقعي والحقيقي المعاش…”[5] وفق هذه الدينامية السردية الحيوية يعتمد أسامة مسلم في صناعة عوالم العجائبية في السرد، عوالم تتأسس لزاما على ثراء سرديتها وتنوع دلالاتها وانفتاحها على قراءات وتأويلات متنوعة متعددة مختلفة، لكنها في نهاية الأمر تلتقي في نقطة اللانهائية.

في مقابل هذه الدينامية السردية،فإن المتتبع لما أُنجز حول أعمال أسامة مسلم يلاحظ أن معظم ما كُتب عنه ينتمي إلى فضاء المراجعات الصحفية، والانطباعات القرائية، والمحتوى الرقمي على منصات التواصل، في حين تظل الدراسات المحكمة والرسائل الجامعية قليلة ومتفرقة، ولا ترقى إلى حجم التأثير الذي أحدثته رواياته في الذائقة القرائية العربية.

هذا الغياب لا يكشف فقط عن فراغ في المكتبة النقدية، بل يطرح في ذات الآن أسئلة حول أولويات المؤسسة الأكاديمية وحدود اهتمامها بالأدب الجماهيري، خاصة بعد هذا الإقبال الجماهيري لهذه الأنواع السردية الجديدة، مثل الفانتازيا والرعب، التي نجحت في استقطاب جيل مهم من القراء خاصة في صفوف المراهقين والشباب .

من هذا المنطلق، لا تبدو دراسة ظاهرة أسامة مسلم دفاعا عن قيمتها الفنية أو حكما عليها، بقدر ما هي محاولة لفهمها بوصفها ظاهرة ثقافية تستحق التحليل؛ لأن النقد، في جوهره، لا يقتصر على تقويم النصوص، بل يسعى أيضاً إلى تفسير أسباب انتشارها، والكشف عن التحولات التي تعكسها في أنماط القراءة والذائقة الثقافية.

وفي هذا الصدد نشير إلى أن الدراسات التي أنجزت حول هذه الظاهرة السردية قليلة جدا بل تكاد تكون معدومة من غير بعض  أوراق المؤتمرات التي تناولت أدب الفانتازيا أو الرعب، مع إشارات عابرة إلى روايات أسامة مسلم.

بحوث تخرج ورسائل ماجستير في بعض الجامعات العربية تتناول روايات مثل «خوف» أو «بساتين عربستان» من منظور السرد أو الفانتازيا، لكنها قليلة وغير متداولة على نطاق واسع. وبعض المقالات النقدية منشورة في الصحف الثقافية والمواقع الإلكترونية، وهي في الغالب مقالات انطباعية أكثر منها دراسات أكاديمية محكمة.

فمن الدراسات المتوفرة على شبكة الانترنيت، وبعض المواقع الإلكترونية دراسة :

  • آمال حمد حسين آل قليان، “المكان والزمان في رواية (بساتين عربستان) لأسامة المسلم: دراسة تحليلية نقدية”، المجلة العلمية بكلية الآداب، العدد 59، 2025.

تتناول الدراسة البنية المكانية والزمانية في رواية بساتين عربستان، مع التركيز على دورهما في بناء العالم العجائبي للرواية. وهي من أوائل الدراسات المحكمة التي خُصصت لرواية من أعمال أسامة المسلم.

  • وليد بن عبدالله بن مسفر الدوسري، “العجائبي في رواية خوف لأسامة المسلم”.

تتناول الدراسة تمثلات العجائبي وآليات بنائه في رواية خوف. وقد تبيّن أنها أصبحت مرجعًا تستشهد به الدراسات اللاحقة حول أعمال أسامة المسلم، وإن كانت ليست واسعة الانتشار إلكترونيا.

  • رسائل جامعية حديثة في جامعات عربية (خصوصًا في الجزائر والسعودية) بدأت تستشهد بروايات أسامة المسلم، إما باعتبارها نموذجًا لأدب الفانتازيا أو ضمن دراسات السرد العجائبي، لكنها ما تزال قليلة ولم تتخذ مشروعه السردي كله موضوعًا للدراسة.

وهذا ما يؤدي بنا إلى القول بأنه على الرغم من الانتشار الواسع الذي حققته روايات أسامة المسلم في العالم العربي، وما صاحبها من ضجة فكرية وثقافية، فإن حضوره في البحث الأكاديمي لا يزال محدودا.

وعليه فإن ما توفر لدينا قليل جدا من الدراسات المحكمة التي ركزت على عناصر جزئية في بعض الروايات، مثل المكان والزمان في بساتين عربستان أو البعد العجائبي في خوف، إضافة إلى بعض الرسائل الجامعية المتفرقة. ولم أعثر على دراسة شاملة تناولت المشروع السردي لأسامة المسلم بوصفه ظاهرة أدبية وثقافية متكاملة، وهو ما يكشف عن فجوة واضحة بين الانتشار الجماهيري والاهتمام النقدي الأكاديمي.

ما يمكن أن يستنتج مما سبق القاعدة النقدية التي سماها غاستون باشلار بـ”القطيعة المعرفية”، [6] أي اللحظة التي تصبح فيها الأدوات القديمة عاجزة عن تفسير واقع جديد. فالنقد الأكاديمي ما يزال في كثير من الأحيان يتحرك داخل منظومة جمالية ومنهجية تشكلت في سياقات مختلفة، بينما تنتمي روايات أسامة مسلم إلى أفق قرائي جديد، له جمهوره وطرائق تلقيه وقواعد نجاحه الخاصة. ومن هنا يبدو أن المشكلة ليست في النص وحده، بل أيضا في الأدوات التي يُقرأ بها.

ولذلك، فإن النقد الأدبي اليوم لم يعد مطالبا بإصدار أحكام القيمة فقط، بل أصبح مطالبا أيضا  بفهم الظواهر الثقافية التي تنتجها المجتمعات( وهنا يمكن الافادة بالنتائج التي وصل إليها النقد الثقافي فب العالم العربي). فالصمت الذي يحيط بأعمال أسامة مسلم لا يمكن تفسيره دائما باعتباره حكما ضمنيا على مستواها الفني، بل قد يعكس أيضا تردد المؤسسة الأكاديمية في التعامل مع نصوص استطاعت أن تحقق حضورها خارج المساحة التقليدية التي اعتاد النقد أن يمنح من خلالها الشرعية للأعمال الأدبية.

إن الناقد الأدبي يستند في أحكامه إلى معايير راسخة تشكلت عبر تاريخ طويل من النقد ومن خلال ما ترسب لديه من نظريات ومناهج وآليات إجرائية وعملية أو قوالب معرفية جاهزة يخضع فيها النص الإبداعي ويقيس من خلالها درجة حسنه أو قبحه. غير أن هذا الموقف يثير سؤالا مشروعا: هل يكمن الخلل في الروايات التي يكتبها أسامة مسلم، أم في المعايير التي ما تزال تقيس بها المؤسسة النقدية الأدب الجديد؟

إن القارئ الشاب الذي يتابع روايات أسامة مسلم لا يبحث بالضرورة عن اللغة الشعرية العالية أو الرموز الفلسفية المعقدة، وإنما يبحث عن المتعة، والتشويق، والعوالم المتخيلة التي تمنحه فرصة للهروب من الواقع وإعادة تشكيله. وهذه الحاجة ليست أمرا هامشيا، بل هي جزء من طبيعة التلقي لدى جيل تشكل وعيه في زمن الصورة والألعاب الرقمية ومنصات التواصل الاجتماعي.

من هنا، يصبح من الضروري أن يتحول اهتمام الناقد من إصدار الأحكام إلى طرح الأسئلة. فكيف استطاع أسامة مسلم أن يبني قاعدة  جماهرية من القراء بهذا الحجم دون دعم من المؤسسة النقدية؟ ولماذا وجد الشباب في هذه الروايات ما لم يجدوه في كثير من الروايات العربية التي تحظى بالاعتراف الأكاديمي؟ وهل نحن أمام تجربة عابرة فرضتها موجة القراءة الرقمية، أم أمام تحول حقيقي في الذائقة الأدبية العربية يستدعي مراجعة أدوات النقد ومفاهيمه؟

إن هذه الأسئلة لا تقل أهمية عن تقييم القيمة الفنية للنصوص، لأنها تساعد على فهم التحولات التي يعرفها الحقل الثقافي العربي. فالأدب لا يعيش داخل الجامعات وحدها، بل يتشكل كذلك في فضاءات القراءة الحرة، حيث يقرر القارئ بنفسه ما يستحق أن يقرأه.

ختاما، لا يبدو أن تجاهل ظاهرة أسامة مسلم يمثل حلا نقديا. فالمؤسسة الأكاديمية مطالبة اليوم بأن تدرس الظواهر الأدبية الجديدة ، لأن وظيفة النقد ليست حماية الماضي فحسب، بل فهم الحاضر واستشراف المستقبل. ويبقى السؤال الحقيقي: كيف استطاع كاتب واحد أن يجذب آلاف القراء الشباب في وقت تعاني فيه الرواية العربية من تراجع معدلات القراءة؟  وكيف استطاع أسامة مسلم أن يعيد القارئ الرقمي اليوم إلى القراءة الورقية؟ إن الإجابة عن هذا السؤال قد تكون أكثر أهمية من الجدل الدائر حول القيمة الفنية لرواياته.

المراجع:

  • رولان بارت: لذة النص( le plaisir du texte ) ترجمة دكتور منذر عياشي، الطبعة الأولى عن المركز الإنماء سنة 1992 بالاتفاق مع دار لوسوي/باريس
  • فريدريش فون ديرلاين: الحكاية الخرافية: (نشأتها مناهج دراستها فنيتها).ترجمة د. نبيلة إبراهيم، مكتبة غريب، د.ت ، ص24.
  • نبيل حمدي عبد المقصود الشاهد: العجائبي في السرد العربي القديم، مائة ليلة وليلة والحكايات العجيبة، والأخبار الغريبة نموذجا، عن دار الوراق للنشر والتوزيع الطبعة الأولى سنة 2012 ص9.

[1] رولان بارت: لذة النص(   le plaisir du texte ) ترجمة دكتور منذر عياشي، الطبعة الأولى عن المركز الإنماء سنة 1992 بالاتفاق مع دار لوسوي/باريس ص 7

            [2] نبيل حمدي عبد المقصود الشاهد: العجائبي في السرد العربي القديم، مائة ليلة وليلة والحكايات العجيبة، والأخبار الغريبة نموذجا، عن دار الوراق للنشر والتوزيع الطبعة الأولى سنة 2012 ص9.

 فريدريش فون ديرلاين: الحكاية الخرافية: (نشأتها مناهج دراستها فنيتها).ترجمة د. نبيلة إبراهيم، مكتبة غريب، د.ت ، ص24.[3]

[4] تم تصميم هذه البطاقة بالذكاء الاصطناعي،  باعتماد معطيات المؤشرات المأخوذة من منصة : Goodreads.

[5] نبيل حمدي عبد المقصود الشاهد: العجائبي في السرد العربي القديم، مائة ليلة وليلة والحكايات العجيبة، والأخبار الغريبة نموذجا، مرجع سابق ص 10

[6]  القطيعة المعرفية أو الابستيمولوجية  عند غاستون باشلار، هي مفهوم فلسفي يقصد بها ذلك الانفصال الجذري بين المعرفة العلمية التخصصية الدقيقة، والمعرفة العامية، فالتفكير العلمي للبشرية لا يمكن أن يتطور إلا وفق قطيعة بين المفاهيم القديمة تأسيسا لنظريات جديدة، وتمر عملية التطور المعرفي عبر مراحل وهي: العوائق المعرفية/ العقبات الابستيمولوجية/آلية القطيعة المعرفية/ العقلانية التطبيقية والجدلية.

ناقدة من المغرب

 

عن madarate

شاهد أيضاً

أما أنت يا أبي.. – غزلان صابر

أما أنت يا أبي.. /box] غزلان صابر*   فلم تكن أول رجل عرفته، بل أول …

اترك تعليقاً