الرئيسية / الأعداد / الخروج من الداخل قراءة في رواية الرحال لابراهيم صالح – سوسن ناجي

الخروج من الداخل قراءة في رواية الرحال لابراهيم صالح – سوسن ناجي

الخروج من الداخل قراءة في رواية الرحال لإبراهيم صالح

سوسن ناجي *

 

تأتي الرحلة في رواية الرحال لابراهيم صالح بمثابة عتبة للنص، فالرحلة هنا الي النفس البشرية، وهي أشبه بمغامرات سيميائية، والترحال هنا أيضا هو لغة الوجد، بينما ترسم كلمات الرواية عن زوايا و مشاهد من حياة الرحال، تقترب من منطقة الوعي لديه وما تنطوي عليه ذاته من معاني تبحر في فلسفة الترحال. و جماليات المبني الروائي هنا أشبه بمنظور بلوري ثلاثي الأبعاد.. حيث يعكس كل بعد عن رحلة، قد تكون نحو الزمان، و قد تكون نحو المكان، و قد يكشف البعد الثالث للرحلة عن منطقة الوعي و ما تنطوي عليه الذات من أسرار.

وجماليات النسق البلوري لمشاهد الرحلة – عبر السرد – تكمن في تجاور مشاهد الرحلة المتباينة، على طريقة المونتاج السينمائي في الدمج بين الأزمنة والأمكنة، في إطار مشاهد متجاورة، وتارة متوازنة. فالترحال هنا ليس في المدن والقرى والجبال فحسب، بل هو ترحال في الماضي والحاضر، ترحال في الذاكرة والوعي، أوترحال في العمق الإستراتيجي للنفس البشرية، وأحلام اليقظة، وطموحات النفس والجسد..

هكذا ينبئ النص عبر فقرات متجاورة، عن نسق بلوري متعدد الزوايا، فيه تتجاور المشاهد، وتتجاور الأحداث، وفي عشوائية غير نمطية يتجاور الحديث عن منطقة الأحلام، مع حديث النفس، مع سرد الماضي، مع وصف الحاضر، وجماليات هذه التقنية في السرد تصب في مصلحة المتلقي، حيث يترك له الراوي كل النهايات مفتوحة، ليكملها بشغفه، بل يشارك في أي مشهد في الرواية، ثم ينطلق بتتويج الحدث نحو النهاية.

فالبناء هنا يستعين بالتقنيات السينمائية، حيث تتجاور البدايات مع النهايات، لتبدو نهاية الرواية هي ذات البداية التي انطلقت منها. بل تظل المشاهد كأحد زوايا البناء البلوري و في جدلية ودون انتظام، الأمر الذي يجعل النص يتوالد ويسير في اتجاه مناطق الوعي واللاوعي، ومع تجاور المشاهد يبدو النص مرئيا من كافة الجهات، ومن مختلف الزوايا.

لذا كان العنوان (الرحال) عتبة سيميائية للنص للإشارة إلى بنية النص، وتعدد الرحلات النفسية والروحية، في مقابل ركود الوعي، وعدم القدرة على فهم أمنيات الذات، أو السعي لتحقيقها، وهو أمر بمثابة المحرك للرحلة، والبحث عن الذات.

ولغة الوصف هنا هي الفرشاة التي تجسد ملامح الرؤية إلى العالم، والمرآة التي تحاكي شاعرية الذات، وما تنطوي عليه من رؤي فردية ترى العالم من منظورها، يقول الرحال/سامي: “الأماكن تتكلم، وتتحدث عن أحوال البشر، لها لغة، تعود أن ينصت إليها، تعود أن يقرأ تفاصيلها جيدا، تشده، تجذبه” ( ص 52 )

فالترحال هنا هو لغة الوجد – بين الرحال/ سامي والمكان وهي لغة “غامضة ليست كتلك اللغة التي يعرفها البشر.. مفردات وحروف ومخارج ألفاظ”  ( ص 75 ) لأنها: مليئة بالأسرار والحكايات .وتلك لغة كونية،

تعكس ماهية العلاقات البينية بينه والكون، ويتأتى الإنصات لتلك اللغة، باستنطاق المكان، واستنباط الرد من هذا المكان: “أمكث هنا لتنعم بطعم الأبدية، عابر سبيل أنت” ( ص 75 )

وملامح البشر تختلط بملامح المكان لديه “يحاول قراءتها والغوص في تفاصيلها… العلاقات الإنسانية بين البشر قادرة على فعل الأعاجيب، وتحويل مشاعر البشر إلى اتجاهات مختلفة، ومتشعبة، النفس الإنسانية شديدة التعقيد والتنوع… يدون ملاحظاته عن حال المكان والأشخاص الموجودين به، الأماكن تتكلم وتتحدث عن أحوال البشر، لها لغة تعود أن ينصت إليها” ( ص 51 / 52 )

وعلاقة الرحال الجدلية بالمكان أشبه بحالات الخروج، والاستقصاء، فالرحال هنا جزء من المكان، جزء من تفاعلات الكون، وكل ما في المكان هوفضاء مكاني، يحبه، ويتفاعل معه كجزء منه، يقول الرحال: “ابتعد كثيرًا عن نبض الحياة الذي أراه في ملامح البشر، وأشعر به في صخب الأزقة والحواري المزدحمة والمتكدسة” ( ص 53 )

ولا تجري محاولات ابتعاده عن المكان هنا على مستوى الوعي، لأن هذه المحاولات على مستوى اللاوعي تعني العكس تمامًا، لأنه ” كان يحتج في البداية علي الزيارات لبعض العناوين لصعوبة الوصول إليها ،فيما بعد صار يتمناها من كل قلبه، يتعامل خلالها مع تفاصيل متنوعة للأماكن والبشر، يقترب من الملامح الإنسانية، حينها تنبض المشاعر والأحاسيس” ( ص 53 )

فالتأقلم مع المكان صار صيرورة وعشقًا، لذا فساعات العمل مع ماكينات المصانع لا تصير عبئًا عليه، لا لشيء سوى لأنها أصبحت جزءًا من المكان، وعلاقة الرحال بالمكان هنا هي  أشبه بعلاقات الخروج والاستقصاء، لذا فتلك الحركة تتسم بالدائرية “فعشرات المرات، قام بدور المستعلم، عن الأنشطة والمهن المختلفة، وبصفة خاصة الأشخاص، يدخل إلى الشوارع الرئيسية، ويلج منها، متوغلا بداخل الأزقة والحواري المتفرعة، يجتاز البنايات الشاهقة المتراصة، يصل للعنوان المنشود، يستجلي ما يجده بذلك العنوان، ويعثر به، وبصفة خاصة البشر، الملامح الإنسانية الغنية بالتفاصيل العديدة والعميقة، يحاول قراءتها والغوص في تفاصيلها” (ص 51 )

والرحلة هنا إلى النفس البشرية أشبه بمغامرات الغوص في الماء – لكونها تقترن بالمتعة – خاصًة الرحلة في أعماق المرأة “تأسره دائمًا الأعماق الغائرة وتشده، تنزل عينيه إلى الرقبة العاجية، ومنها إلى مساحة الصدر البضة والمكشوفة حتى مفرق النهدين، أنثى كاملة، تقتنص نظراته المتفحصه” ( ص 47 )

لكن الرحال يقر بأنه خبير بالبشر كخبرته بالأماكن التي رحل إليها، لكن نيرة تستنكر عليه هذه الخبرة ،تقول له “خبرتك بالأماكن التي زرتها وهي قليلة، أما البشر فمهما اختلطت وازدادت خبرتك بهم، فهي قليلة ولا تذكر”(ص 49 ).

والإشارة هنا إلى صعوبة الغوص في الأعماق البشرية، وكأن الغوص في المكان أيسر من الغوص في النفس البشرية.

تقول له نيرة: “شرودك المستمر وتأملاتك وتفكيرك العميق، عيناك ليست عيني، شاب سطحي، غائرتان، و تناسبان عيني فيلسوف”  ( ص 46 )

والرحال هنا في شرود لأنه يتأمل رحلته إليها “يتأملها مليًا من جديد، بشرة بيضاء رائقة، وجه مستدير بملامح دقيقة ورقيقة، شعر أسود قصير، عينين سوداوان، وواسعتان شفاه قرمزية منفرجة، ملابس متحررة، تبرز المفاتن بجرأة، دائمًا الفتيات المتحررات للغاية يثرن الخوف، يهاب الشاب الاقتراب منهن والارتباط بهن، ولكن تجربة الحب معهن مثيرة وغنية، تحرك الدماء الراكدة” ( ص 49 )

وكأن الرحلة هنا – وهي ضمن منظومة الحكي – تعد مفصلًا كشفيًا، بكل ما تنطوي عليه هذه الرحلة، من دلالات تتفتح على خزانة لاوعي الرحال، وما ينطوي عليه لا وعي/ باطن الرحال من إرادة الخروج على المألوف، أو الخلاص من قيود لازمت هذه الذات، وسجنتها في إطار قيود لا واعية.

فسامي/الرحال أحب نيرة بل كانت الحب الوحيد في حياته، لكنه يهاب الاقتران بها لكنه يحلم بالزواج منها، أو كما تبدو له في أحلام اليقظة دوما – بل يعى نفسه كأنه سجين قيود لا واعيه – لا ينفك منها، لازمت حياته، والرحلة هنا – وبالنسبة إليه تعد منطلق وجودي، للكشف عن التحولات التي تجري بالخارج، بينما يظل الداخل سجين قيود لا واعية تمنعه الارتباط بمن يحب.

لكن الرحال في رواية 919 للروائي إبراهيم صالح (ذات الروائي) تجاوز وعيه بذاته وعي و قدرات الرحال/سامي في روايتنا هذه، حيث يصرح معلنًا بصوته عن إرادته يقول :”انتابتني رغبة جارفة بأن أطوي كل العالم الذي كنت فيه إلى آخر مختلف.. أبحث عن طريق مختلف، ولكن هناك سببا دفينا وكامنًا في أعماقي، أرغب في أن أكون شخصا آخر غير ما أنا عليه الآن، أفعل ما لا يفعل الآخرون،”  ( رواية 919 ص 78)

لا تملكه قوي نفسه، ولكن يملكها، على الدوام يقول : كان يطل من داخلي هذا الشخص كاشفا لنفسي ضعفها.. في الحقيقة، لا أعرف كيف استجمعت همتي، وقهرت مخاوفي في السفر والترحال” ( ص 61 )

وهنا يتوازى خروج/سفر عبد الرحمن في (رواية 919) للكاتب إبراهيم صالح من الشمال إلى جنوب مصر (جبل سمالوط، بر الطير) مع خروج سامي في (رواية الرحال)، ويلتقيان معًا على رغبة النأي عن الناس، والغربة داخل الوطن. والذي ظهر في النهايات المفتوحة للروايتين وبدا أيضا في النأي عن الحبيبة بعدم الاقتران بها (في رواية رحال) رغم كونها الحلم، والملجأ، والغاية بالنسبة إليه.

وربما تقارب الظرف الاجتماعي والتاريخي للبطلين هنا (عبد الرحمن وسامي) خاصة في العيش داخل الإقليم المصري، وكذلك في سقوطهما معا في هوة الغربة داخل الوطن، بل في المعاناة من ذات المشاعر الوجودية بالغبن إزاء الواقع، الأمر الذي أسس للانقسام على الذات، والذي ظهر أيضا في الرغبة في تغيير الواقع (من خلال الحركة/الرحلة في المكان) مع العجز عن مواجهة الداخل.

لذا اختار كليهما أن يعيش حياة الزهد (في رواية 919)، أو يتحمل الفرار من الحبيبة (في رواية الرحيل)، أو النفي الاختياري بالاغتراب والترحال في المكان (في الروايتين). والانتقال من مكان إلى مكان، ومن القديم إلى الحديث، ومن الذاكرة إلى الواقع، ومن الحاضر إلى الماضي.

وتظل حركتهما في المكان مؤشرًا دالًا على رغبة الخلاص الفردي أو الخروج من الداخل. ولكنها أيضا قد تجسد حركة الباطن وما في دواخل النفس، حيث تبدو النفس كقيمة مجازية تتجاوز في معناها وماهيتها الواقعية. الأمر الذي يفسر لنا أسباب الخروج لديهما تحت أعذار أو غايات لا إرادية داخلية. يقول عبد الرحمن: “هناك سببا دفينًا وكامنًا في أعماقي.. انتابتني رغبة جارفة بأن أطوي كل العالم الذي كنت فيه إلى آخر مختلف، أشعر بأنني شخص مختلف بداخلي شغف بتلك الثقافات والبحار الواسعة” . ( ص 76 / 78 )

ويظل المكان الذي اختاره الراوي لكليهما يطرح سؤالًا للخروج، يقول عبدالرحمن: “لا أعرف كيف استجمعت همتي، وقهرت مخاوفي، من السفر والترحال، وأدرت الدفة إلى هنا فجأة، ولكن هذه السفرة كانت في مخيلتي منذ فترة.. وربما راودتني في أحلام متفرقة وغامضة”  ( ص 61 ) وهنا تظل فرشاة وصف المكان بناءا تصنعه اللغة أو تشيده الكلمات وفي إطار التخييل لجماليات الترحال وما ينطوي عليه من دوافع.

والراوي هنا – هو العالم بكل شيء – يقف خلف تشكيل العالم الروائي، وبضمير الغائب تترابط الأفعال وتتفكك على نحو معين، كما يبدو الزمن، في إطار وحدات سردية غير منتظمة. ثم يأتي التشكيل النهائي لها في إطار من النهايات المفتوحة، بينما تبقى مصائر الشخوص يكتنفها موجات من الجاذبية غير المرئية، ولكنها شديدة القوة.

إن التحول الذي طرأ على الشخصية الرئيسية (عبد الرحمن/سامي) لم يأت بجديد إلا بعد التجربة، ويحكي الراوي عن تجربة عبد الرحمن يقول: “خرج من المحروسة هربًا.. تتسلط الرغبات والشهوات عليه. وتتحكم في كل تصرفاته. حينما خرج واستقل الفلك كان في حاجة لأن يخلع الثوب الذي كانت شخصيته تعيش داخله.. وساعده الخروج.  ( ص 148 )

بينما يحكي الراوي عن تجربة سامي، حيث تنتصر التحفظات والشخصية التقليدية على مشاعر الحب العنيفة التي بداخله، وتنتهي الرحلة التي جمعت بينهما ليعود الإثنين إلى مقر عملهما، لكن سامي يكتشف أنه بدون نيرة ضائع، ووسط زحام وصخب العاصمة تكون نقطة العودة عن موقفه قد تلاشت، حيث ذهب كل منهم في اتجاه معاكس للآخر. وقد اتسعت الهوة بينهم.

وتبقى اللغة هنا هي المتوج الأول لصناعة ونقش فلسفة الترحال إجمالًا، حيث كانت هي المحرض الأول لنقل الحدث (غير المنتظم). وقد اعتمدت على مفارقة تأويل الواقع، وإنتاجه معًا. وجمالية هذا الخطاب الروائي تكمن في أنه محاوله لاستثمار اللغة لمخاطبة القارئ المعاصر في إطار فلسفة لغوية تتعمد مفارقة الواقع بالارتحال.

المراجع

إبراهيم صالح: رحال (بيت الياسمين للنشر و التوزيع – القاهرة – 2022)

 ناقدة من مصر

 

 

 

 

 

عن madarate

شاهد أيضاً

أما أنت يا أبي.. – غزلان صابر

أما أنت يا أبي.. /box] غزلان صابر*   فلم تكن أول رجل عرفته، بل أول …

اترك تعليقاً