الوجه الآخر للمدح من خلال شعرية محمد المختار السوسي

علي المحجوب*
تقديم
يروم بحثنا الكشف عن الوجه الآخر لغرض المدح من خلال شعرية المختار السوسي، لأنه جرى فيه مجرى غير معهود في الشعرية العربية القديمة، إذ المعلوم أن المدح له وجه ثابت في تاريخ الأدب العربي، يتبدى في ارتباطه بالتكسب، من حيث إن الداعي إليه، أي المدح، هو طمع الشاعر في مال الممدوح، الذي يقبل، بدوره، أن يعطيه مقابل القصيدة التي تذكر كرمه، وشجاعته، ومجده، وغيرها من الصفات التي قد لا تكون متحققة فيه بالضرورة، مما يجعلنا نزعم أن المدح لعبة ثقافية تقوم على الكذب، والنفاق، والطمع، وتزييف الحقيقة، مستثنين منه ما تعلق بالمدح النبوي، الذي يصدر عن محبة الرسول عليه الصلاة والسلام، ولا تحكمه خلفية مصلحية مادية.
ويتصل هذا الغرض الشعري، في العادة، بامتداح السلاطين والأمراء والوزراء، منذ النابغة الذبياني الذي يعود جزء من شعره إلى مدح النعمان بن المنذر وغيره، حتى رُوِي عنه أنه تكسب مالا جما واغتنى حدَّ أن طعامه وشرابه كانا في أواني من الذهب والفضة، إلى الحطيئة، والمتنبي، وأبي تمام، والأسماء عديدة. لهذا، فبمجرد أن ينظم الشاعر قصيدة في سلطان أو أمير أو وزير ينصرف الذهن إلى الهدف من ذلك مباشرة، وهو نيل العطية. إلا أن الأمور لا تجري، دائما، على هذا النحو، إذ للمدح وإن تعلق بأولئك الممدوحين وجه آخر ينطوي عليه، لا يتمثل في الطمع في المال، والاغتناء، والحصول على أي جائزة مادية أو معنوية. هو ذا ما ينوي المقال، أساسا، الكشف عنه من خلال قصيدة مدحية توجه بها المختار السوسي إلى الخليفة السلطاني بتزنيت الحسن بن يوسف صنو الملك الراحل محمد الخامس. فإليك بيان ذلك.
1_ القصيدة ومناسبتها
تأتي القصيدة، موضوع الدراسة، بمناسبة الزيارة التي قام بها الفقيه الحسن العفياني إلى “إلغ”، فاستضافه المختار السوسي، ورحب به بأبيات شعرية، ثم خلال الزيارة طلب منه الفقيه الضيف نظم قصيدة ليقدمها إلى الخليفة السلطاني بـتزنيت الحسن بن يوسف صنو الملك الراحل محمد الخامس، فاستجاب شاعرنا لطلبه، وقال على لسانه[1]:
| ذكرك في الأفواه معسول | يا من هو المُنية والسول | |
| كأنما مدحك بين الورى | زهر على الأغصان مطلول | |
| يميس من يثني عليك كما | يميس من بالراح معلول | |
| خليفة السلطان یا حسن الـ | أوصاف من ثناه معسول | |
| أنتم بني يوسف آل العلا | جيل تلاه في العلا جيل | |
| كل بني يوسف زهر الدجا | سيف على الأعداء مسلول | |
| من الملوك الصيد نشأتكم | والمجد ما ينميه تأصيل | |
| لكن تحوز أنت من بينهم | خلقا له إلى الندى طول | |
| والمجد برداك ويعلوك | من شرفك الوهاج إكليل | |
| وأنت كالمزن الهتون ندى | یا مکرم أغر بهلول | |
| ترتاح للمجد كأنك من | يدنو له من الجدى سول | |
| قد أيقنت ( تزنيت ) مذ جئتها | بأن كل المحل مقتول | |
| واليت من كفيك في أهلها | ما كل فرد منه منهول | |
| في المدح تعريض ومثلك | من يتم للعافية تنويل |
2_ المدح: من المنفعية إلى الوطنية
لم يجر المدح في الشعرية العربية القديمة مفصولا عن المنفعية، أي اتخاذ الشاعر القصيدة المدحية وسيلة للتكسب والاغتناء منذ النابغة الذبياني. ولهذه للمسألة، طبعا، مسوغاتها الاجتماعية، والسياسية، والثقافية، ولكنها لم تشفع، على كل حال، للشعراء أمام النقد، خاصة النقد الثقافي، الذي عدَّ المدح التكسبي بالشعر تكريسا لممارسات ثقافية معيبة زادت من تخلف الواقع، وانتشار ظواهر التسول، والكذب، والنفاق، والطمع، على نحو جعل الغذامي يعتبر ثقافة المديح «تقوم أول ما تقوم على الكذب، مع قبول الأطراف كلها من مادح وممدوح، ومن الوسط الثقافي المزامن واللاحق لها، كلهم قبلوا ويقبلون لعبة التكاذب والمنافقة»[2]. غير أن المدح لا يجري، دائما، على هذا النحو، إذ يمكن أن يحرره الشاعر من وجهه المنفعي ليكسبه وجها آخر، وهو ما يمكن استجلاؤه من خلال قصيدة المختار السوسي التي سقناها.
أولا، يقود تأمل القصيدة إلى ضبط بنيتها الكلية في امتداح الحسن بن يوسف بالشهرة، والمجد، والكرم، وحسن الأوصاف، وعلو المكانة، ومقاومة الأعداء. وهي الصفات ذاتها التي تتكرر في القصائد المدحية، الشيء الذي يدل على تكرير الشاعر للمعهود بصدد المدح، ولكن الفرق بينه وبين الشعراء المداحين هو في الخلفية الموجهة لقصيدته، بحيث إذا كان الموجه للمدح في شعر أغياره من القدامى هو المنفعة المادية، فإن الموجه للمدح في قصيدته هو الحس الوطني.
لا يمكن أن ندعي أبدا أن المختار السوسي بهذه القصيدة يطمع في مال ممدوحه أو ينوي الحصول على منصب ما أو سلطة أو أي شيء ذي بعد مادي نفعي، وذلك للاعتبارات الآتية:
_ المرجعية الدينية التي تصدر عنها كتابات الشاعر، ومواقفه، وسلوكاته، إذ لا يقبل على نفسه، بالمعيار الأخلاقي الديني، أن يكذب في شعره بخلع صفات على ممدوحه قد لا تكون متحققة فيه، وأن ينافقه، ويطمع في المال أو الجاه أو السلطة.
_ المختار السوسي كان تاجرا حقق من الاكتفاء الذاتي ما لا يسمح له باللجوء إلى التكسب للاغتناء، بل كانت بعض موارده المالية من الزاوية الدرقاوية، وينفق معظم ذلك على مأكل ومشرب الطلبة الذين يدرسهم في زاوية الرميلة بمراكش.
_ التنشئة الصوفية للشاعر ربته على الزهد والقناعة.
_ انشغال الشاعر بالإصلاح والتغيير في زمنه من أولوياته الكبرى لا الغنى والسلطة وما سواهما من متاع الدنيا الفاني.
لهذه الاعتبارات، فإن مدحه الحسن ابن يوسف يخلو من أي خلفية منفعية مصلحية، خاصة وأن لجوءه إلى مدحه كان تحت طلب الفقيه الحسن العفياني. وقد استجاب لطلبه لأنه صديقه الذي تربطه به مشتركات أدبية، وعلمية، ووطنية، بل إن الاستجابة للطلب يأخذ، في زعمنا، بعدا وطنيا، لأن الأمر متعلق بأحد رموز الوطن صنو الملك الراحل محمد الخامس، والمعلوم أن الوطنية ليست فقط مواقف سياسية، وسلوكات مدنية، وغيرها، بل تمتد كذلك إلى وطنية أدبية، وهو ما يسوغ حديث بعض النقاد عن الشعر الوطني.
هكذا ينتقل المختار السوسي بالمدح في قصيدته من بعد منفعي إلى بعد وطني، ما يجعلنا ندعي أنه أكسب المدح صورة أخرى تتصل بالوطنية، ولا يمكن أن نقرأ أبياته هذه دون أن نشتم فيها رائحة الوطنية من اعتزاز برموز المغرب:
| خليفة السلطان یا حسن الـ | أوصاف من ثناه معسول | |
| أنتم بني يوسف آل العلا | جيل تلاه في العلا جيل | |
| كل بني يوسف زهر الدجا | سيف على الأعداء مسلول | |
| من الملوك الصيد نشأتكم | والمجد ما ينميه تأصيل |
إنه المغرب بتاريخه العلي، والمجيد، والأصيل. تاريخ بُنِيَ بقياداته اليوسفية الرشيدة، التي كانت سيوفا في وجه أعداء الوطن، خاصة المستعمر باعتبار إدراك الشاعر لفترة الاستعمار، وانخراطه في مسار المقاومة والنضال.
خاتمة
وبالجملة، فقد كان هذا المقال مناسبة لإعادة النظر في غرض المدح، الذي شاع ارتباطه في الشعر القديم بالتكسب مع شعراء عديدين كالنابغة، مما جعل منه غرضا منذورا للمصالح المتبادلة بين المادح والممدوح، نجم عنه الكذب والنفاق والتسول، وغيرها من الظواهر الاجتماعية التي كشف عنها النقد الثقافي في تعامله مع شعر المدح بوصفه ظاهرة شعرية تحتجب خلفها أنساق ثقافية، وهو ما نجده مبسوطا، على سبيل المثال، في كتاب “النقد الثقافي” لعبد الله الغذامي. وعلى خلاف هذا كله، وإذا استثنينا المدح النبوي، ليس كل شعر مدحي وراءه منفعة مادية، خاصة الموجه إلى الملوك والأمراء والوزراء، وإنما جزء منه تتحكم فيه خلفيات وطنية أو سياسية أو وجدانية. ذلك ما بيناه، أساسا، من خلال نموذج شعري للمختار السوسي الذي توجه به إلى الحسن بن يوسف صنو الملك الراحل محمد الخامس، إذ لم يلتبس بأي خلفية مصلحية تكسبا كانت أم حصولا على جاه وسلطة أم تزلفا، بل إن ما وجهها هو خلفية وطنية لاعتبارات كثيرة وقف عندها المقال. وبهذا نكون فتحنا الباب على الوجه الآخر للمدح مع تشديدنا على أن التقليدية المغربية، ومن خلال المنجز النصي للمختار السوسي، لم تكن نقلا حرفيا واستنساخا للأغراض كما هي عليه في الشعر القديم، ودليلنا هو تعاملها مع هذه الأغراض برؤية جديدة كما هو الحال بخصوص المدح، وبخصوص أغراض أخرى كالفخر، والغزل، والرثاء، مما يقع على الباحثين في الشعر المغربي سبر أغواره بمصاحبة هادئة لنصوص التقليدية مع أعلامها كالمختار السوسي، ومحمد بن إبراهيم، وغيرهما.
المراجع:
[1] محمد المختار السوسي: الإلغيات، ج 2، مطبعة النجاح، الدار البيضاء، 1963، ص 171.
[2] عبد الله الغذامي: النقد الثقافي (قراءة في الأنساق الثقافية العربية)، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط 3، 2005، ص 94.
طالب باحث في سلك الدكتوراه
كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة شعيب الدكالي، الجديدة من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي