إدوارد سعيد عن الموسيقى: دائما مقارنا وبارعا في الطباق الموسيقى بقلم ليندا هوتشن

ترجمة: رويدا جابر السعدني*
ملخص
مثلما أثرت المراجع الموسيقية كتابات إدوارد سعيد الأدبية والسياسية والنظرية ومنحتها أبعاداً أرحب، تأثرت مراجعاته الموسيقية وأطروحاته حول الأداء تأثراً عميقاً بشغفه المزدوج بالأدب والسياسة. فقد كان سعيد ‘مقارناً’ بطبعه، يسعى دوماً لإيجاد المتوازيات والتقاطعات، ليس بين الفنون فحسب، بل بين الفن والحياة ذاتها. وفي الواقع، كان عشقه لموسيقى باخ وعزف غلين غولد هو الملهم الأساسي لنظريته في ‘القراءة الطباقية’ (Contrapuntal Analysis)؛ تلك المنهجية التي اتخذها وسيلة لتجاوز الانعزالية والارتهان للسياقات الضيقة في النقد.”
الكلمات المفتاحية: إدوارد سعيد ، النقد الموسيقي ، الأدب المقارن ، المراجعة ، والطباق الموسيقي
لم يكن إدوارد سعيد مجرد متذوق للموسيقى، بل كان عازف بيانو كلاسيكياً متمرساً، حافظ طوال حياته على شغفه بالآلة وبراعته التقنية فيها. ومع تنامي ولعه بعازف البيانو الكندي الفذ غلين غولد، شرع سعيد في منتصف الثمانينيات في كتابة مراجعات نقدية لعروض البيانو والأوبرا لصالح مجلة ‘ذا نايشن’ (The Nation). وقد جُمعت تلك المقالات الثاقبة والرصينة لاحقاً لتُنشر بعد وفاته عام 2007 في كتابه الشهير ‘موسيقى بلا حدود’. وقد تبدّى اهتمامه المتزايد بالكتابة الموسيقية جلياً منذ عام 1989، حين ألقى محاضرات ‘ويلك’ في النظرية النقدية بجامعة كاليفورنيا (إرفين) حول ‘التمثيلات الموسيقية’، وهو الموضوع الذي صار عنواناً لكتابه الصادر عام 1991 (Musical Elaborations).
نقل هذا ‘المقارِن الأدبي’ إلى دراسة الموسيقى كل دقة الإدراك، وعمق التفسير، ورحابة الخبرة والمراجع التي عُرف بها في دراساته الأدبية، مستفيداً من حماسه المعهود لربط التخصصات بسياقها الاجتماعي. وجاء دخوله هذا المجال في اللحظة التي شهدت ميلاد ما عُرف بـ ‘علم الموسيقى الجديد’ (New Musicology)؛ لذا وجدت هجماته ضد ‘علم الموسيقى القديم’ —بقيوده الشكلية (Formalist) والتاريخية الضيقة— جمهوراً متعطشاً ومستعداً لتبني رؤيته. رأى الجيل الجديد من علماء الموسيقى المنخرطين ثقافياً وسياسياً في فكر سعيد سلاحاً لمحاربة ما أسماه: ‘عادات التنسك والتبجيل، والانعزالية المفرطة في الكتابة عن الموسيقى’. لقد كان سعيد ناقداً لم يتوقف يوماً عن تسديد لكماته الفكرية، مقتحماً بها أكثر القلاع الأكاديمية تحصناً.”
بالتوازي مع انشغالاته الفكرية، لم يتوقف سعيد يوماً عن الانخراط في معمعة السياسة؛ حيث تعاون مع صديقه المقرب، عازف البيانو وقائد الأوركسترا الأرجنتيني-الإسرائيلي دانيال بارنبويم، في تأليف كتاب ‘متوازيات ومفارقات: استكشافات في الموسيقى والمجتمع’ (Parallels and Paradoxes). ويعد هذا الكتاب ثمرة لمحادثاتهم المستفيضة التي تشابكت فيها الرؤى الموسيقية بالأفكار الفلسفية والسياسية. وفي سنواته الأخيرة، توّج هذا الناشط الفلسطيني مسيرته بالعمل مع بارنبويم على تأسيس أوركسترا ‘ديوان الشرق والغرب’؛ وهي مبادرة رائدة جمعت موسيقيين عرباً وفلسطينيين وإسرائيليين، ليس فقط كخطوة نحو تحقيق انسجام سياسي منشود، بل كاستعارة مجازية تجسد هذا الانسجام وتعقيداته في آن واحد. ومن الجدير بالذكر أن اسم الأوركسترا مستلهم من ديوان الشاعر الألماني غوته (West-östlicher Divan)، الذي كتبه في أواخر حياته مستلهماً إياه من الشعر الفارسي. كما يبرز كتابه الذي نُشر بعد وفاته حول الموسيقى والأدب كشاهد أخير على اهتمام سعيد الراسخ بـ ‘التوأمة’ بين هذين الحقلين المعرفيين، وهي العلاقة التي ظلت تشغل حيزاً مركزياً في فكره حتى أيامه الأخيرة.”
يعد كتابه ‘عن الأسلوب المتأخر: الموسيقى والأدب عكس التيار’ (On Late Style)، الصادر عام 2006، مجموعة ذاتية وشخصية للغاية من التأملات التي صاغها وهو يصارع سكرات الموت؛ حيث استكشف فيها أثر التقدم في السن ودنو الأجل على الفنانين المبدعين وأعمالهم. وكما لاحظ كل من عرفه عن قرب، كان هذا الكتاب تعبيرًا شخصيًا بامتياز عن موضوع تأمله سعيد ببصيرة وشغف لا ينضب. والشغف هو الكلمة التي تفرض نفسها دائمًا عند استحضار إدوارد سعيد وعلاقته بالأدب والموسيقى؛ شغفه بالحوار الفكري في سياقاته المتعددة، واستقصائه لمفاهيم ‘الآخر’ والنفي والارتحال، وسعيه لترسيخ ما أسماه ميخائيل باختين ‘المسؤولية الجوابية’ (Answerability) أو القدرة على الاستجابة. سواء كان يكتب عن الموسيقى في مجلة ‘فانيتي فير’ (Vanity Fair)، أو يصيغ مراجعاته المثيرة للجدل حول الموسيقيين في ‘لندن ريفيو أوف بوكس’ و**’ذا أوبزرفر’**، أو ينقد عروض الأوبرا في مجلة ‘ذا نايشن’ (The Nation)، فقد كان سعيد بلا منازع أكثر المعلقين الموسيقيين ‘أدبيةً’. فقد ولج عالم الكتابة عن الموسيقى متسلحاً بأدواته النقدية والأدبية؛ فبحلول أوائل الثمانينيات، حين شرع في الكتابة عن غلين غولد وغيره، كان قد أرسى دعائم مجده الأكاديمي بكتبه عن ‘جوزيف كونراد’، و’البدايات’، و’الاستشراق’، و’القضية الفلسطينية’. لقد كان سعيد حينها غارقاً في لُجّة السياسة وشؤون الشرق الأوسط، لذا لم يكن غريبًا أن تنخرط كتاباته الموسيقية في صلب نقاشات ‘الصوابية السياسية’ مطلع التسعينيات؛ إذ رأى بذكائه المعهود أنه لم يتم الالتفات كفايةً لكيفية تأثير هجوم ‘المحافظين الجدد’ على الفنون الأدبية والبصرية والموسيقى الكلاسيكية على حد سواء.
وقد تجلت خلفية سعيد الأدبية والنظرية في كتاباته الموسيقية بأساليب شتى؛ ففي مراجعة كتبها عام 7198لعرضين من إنتاجات أوبرا المتروبوليتان، استلهم ما أسماه ‘الانفجار العظيم للطاقة الفكرية في النقد الأدبي الحديث’ ليتحدث عن ‘صعوبة، بل واستحالة التفسير’. ومن خلال مسحٍ شامل للمدارس النقدية التي كانت سائدة آنذاك —والتي ساهمت في توسيع مفاهيم النص والأداء، والأصالة والإخلاص، بدءاً من النسوية وصولاً إلى التحليل النفسي— خلص سعيد إلى حجته المركزية: إن الأداء الموسيقي هو، في جوهره، فن تأويلي. وفكك سعيد مفهوم ‘الإخلاص للأصل’ الذي يبدو في ظاهره ‘مفهوماً نزيهاً وبريئاً’، موضحاً أن هذا الإخلاص هو في حد ذاته ‘تفسير’، إذ يقوم على ابتكار كيانات لا يمكن التحقق منها —مثل نية المؤلف أو الصوت الأصلي— ثم الانحناء لها وكأنها حقائق طبيعية مسلّم بها. وفي مراجعة أخرى، عقد سعيد مقارنة بليغة بين الحفل الموسيقي وفن ‘المقال الأدبي’؛ معتبراً إياهما شكلين من أشكال العرض العابر، وإعادة إبداع ذاتية وشخصية للمحتوى. لكن هذا التأثير لم يكن أحادي الاتجاه، بل كان تبادلياً؛ إذ صقلت الموسيقى نظرياته الأدبية والثقافية، وهو ما يظهر بجلاء وقوة في مفهومه اللاحق للتحليل ‘الطباقي’ (Contrapuntal Analysis)، كما سنبين لاحقاً.
ومع ذلك، تظل الموسيقى فنّاً إشكالياً بالنسبة للمشتغلين بالأدب والنصوص —أو ربما لكل من يحاول تطويع الكلمات لوصفها— وقد عرّف سعيد هذه المعضلة من خلال افتقار الموسيقى إلى المعنى الدلالي الدقيق وطبيعتها المرجعية الذاتية؛ إذ أن ‘النوتات الموسيقية لا تحيل إلا إلى أنفسها أو إلى موسيقى أخرى’. وهذا ما جعلها في نظره ‘أكثر الفنون صمتاً’، لكنها في الوقت ذاته ‘أكثرها تعبيراً وتأثيراً مباشراً، وأشدها استعصاءً على المناقشة والتحليل’.
بيد أن سعيد وجد مخرجاً فعالاً لهذه المعضلة عبر التركيز على ‘الأداء الموسيقي’ وسياقاته الاجتماعية والتاريخية؛ فالحفلات وعروض الأوبرا التي نقدها كانت بالنسبة له ‘أحداثاً عابرة، لا تتكرر، ولا يمكن استردادها أو تسجيل حيويتها تماماً’. لكنها، وباعتبارها تجارب عامة ‘رفيعة’، كانت تُمارس ضمن محيط اجتماعي وثقافي محدد. فالموسيقى الكلاسيكية الغربية، في منظور سعيد، هي ‘حقل ثقافي’ بامتياز، وهو ما دفعه لمساءلة الروابط الجوهرية بين الموسيقى والامتياز الطبقي، أو بين الموسيقى والنص المكتوب (النوتة)، أو حتى ذلك الرابط الخفي بين الموسيقى والتبجيل الديني.
طالما عقد إدوارد سعيد مقارنات قوية بين ‘القارئ الناقد’ للأدب وبين ‘المؤدي الموسيقي’؛ فكلاهما في نظره يمارس فعل القراءة والتأويل. لكنه كان يعترف دائماً، وبوعي ذاتي ثاقب، بأن كتاباته عن الأداء الموسيقي هي في حقيقتها ‘تفسيرٌ للتفسير’؛ وهي مهمة تتطلب كفاءة مزدوجة: معرفة عميقة بالعمل الموسيقي ذاته، وإحاطة شاملة بالتقليد التاريخي لتفسيره وتأديته. كان هذا التركيز المزدوج هو المحور لجميع كتاباته حول ما أسماه ‘إعادة التجسيد’ (Re-enactment) أو ‘إعادة صياغة’ المؤلفات الموسيقية من قبل فناني الأداء الحي. فلم يكتفِ سعيد بوصف الموسيقى، بل كان يحرص دائماً على وضع تلك المناسبات ‘الاحترافية والطقوسية’ في سياقها التاريخي لقرائه. وعندما كان سعيد يراقب ويستمع، كان يدرك تماماً ذلك ‘التثليث’ الذي تقوم عليه تجربة الأداء: الموسيقى، والمؤدي، والجمهور. وبالنسبة له، فإن الاستجابات المتعددة والمحتملة للجمهور كانت تظل دائماً مرهونة باستجابته التفسيرية الخاصة، وبإحساسه العميق بمسؤوليته تجاه النص وقدرته على استنطاقه.
يتجلى هذا المعنى بوضوح لا لبس فيه في كتابات سعيد الأدبية والنظرية، لكنه يبرز أيضاً كمحرك أساسي لعمله الموسيقي. وبوصفه ناقداً مقارناً بالدرجة الأولى، كان يبحث دوماً عن الروابط والتوازيات والتقاطعات، فيما يمكن تسميته بـ ‘الانحياز المهني’ (Déformation professionnelle) الذي يدفعه دوماً لربط الأشياء ببعضها. ففي محادثاته المنشورة مع دانيال بارنبويم، كان سعيد يلح في سؤال صديقه عن الروابط المحتملة بين عالم الموسيقى والعالم الاجتماعي الأوسع. كانت هذه الرغبة في إيجاد —بل وتكوين— صلات فكرية، ثابتاً لا يتغير في حياته وكتاباته مهما كان موضوعها. وقد تجسد ذلك في أهم ‘مجاز’ هيمن على كتاباته النقدية: المجاز الطباقي (Contrapuntal). وكما أشرتُ سابقاً، كان هوس سعيد بـ ‘غلين غولد’ نابعاً في الأساس من الطريقة التي غيّر بها هذا العازف كيفية فهمنا لإدراك ‘يوهان سيباستيان باخ’ للطباق الموسيقي؛ أي تلك الأصوات التي تظل تصدح دوماً في تضاد وتآلف مع الأصوات الأخرى في آن واحد. لقد كان سعيد مفتوناً بتعدد الأصوات (Polyphony) عند باخ، حيث يحاكي كل صوت الآخر باختلافات دقيقة في الإيقاع، والنبرة، والتنوع اللحني، في مزيج بارع يجمع الخطوط الموسيقية المستقلة لتشكل في النهاية وحدة كلية معقدة وثرية.
“لقد قصر إدوارد سعيد استخدام مصطلح ‘طباقي’ لوصف أكثر النماذج الإبداعية التي نالت تقديره؛ فاستخدمه للإشادة ببراعة ‘سيمون راتل’ كقائد أوركسترا، ولتوصيف التعقيد الفني لفقرات ‘الفوجا’ (Fugue) في عمل ريتشارد شتراوس (Deutsche Motette)، ولتفسير ‘تعدد الأصوات’ لدى غلين غولد، أو ببساطة لوصف ‘عبقرية’ باخ الفذة. وفي كتابه العمدة ‘الثقافة والإمبريالية’ (1993)، نقل سعيد هذا المصطلح من حيزه الموسيقي ليصيغ به تعريفاً لمنهج القراءة والتحليل الذي ينشده؛ حيث أوضح بصفته ناقداً أدبياً مقارناً حاجتنا الماسة لتجاوز ‘الانعزالية والضيق’ (Provincialism)، والعمل بدلاً من ذلك على قراءة الثقافات والآداب المتعددة في ترابطها، أو بالأحرى، في ‘تآلفها الطباقي’. وقد طبق سعيد هذا المنهج فعلياً في مقال متأخر نُشر عام 2000 في دورية ‘راريتان ريفيو’ (Raritan Review)؛ حيث قرأ كتابات غلين غولد النقدية قراءة طباقية في مواجهة التقليد النقدي المستوحى من ‘ثيودور أدورنو’، كاشفاً عن نقاط التقاطع والتصادم بينهما ببراعة.”
بالنسبة لسعيد، يكمن جوهر التحليل الطباقي في مبدأ المقارنة. ففي كتاباته الموسيقية، لم يتوقف عن عقد المقارنات بين عازفي البيانو، وقادة الأوركسترا، والمسارات المهنية المختلفة، وصولاً إلى المقارنة بين العروض والبرامج الموسيقية ذاتها. لقد قارن بين أساليب تفسير الدراما الموسيقية عند ريتشارد فاغنر، وفحص النسخ المختلفة لأوبرا بيتهوفن الوحيدة ‘فيديليو’، كما قارن بين النص المكتوب ومدونة برليوز الموسيقية (أوبرا الطرواديون) وبين تجسيدها الفعلي على المسرح. ولم تقف مقارناته عند حدود التقنية، بل امتدت لتشمل الرمزية التاريخية؛ فقد قارن بيتهوفن بباخ من حيث كونهما مؤلفين للقداديس (Masses)، لكنه شبه بيتهوفن بـ ‘هوميروس’ في كونه مستكشفاً ورائداً. ليس من قبيل المبالغة القول إن إدوارد سعيد كان يفكر، بل ويستمع، بطريقة تراسلية وطباقية؛ فعندما كان يجلس بين الجمهور لمشاهدة عرض ‘توقع’ (Erwartung) لشونبرج أو ‘قلعة اللحية الزرقاء’ لبارتوك، لم تكن أذناه تسمع الألحان الحاضرة فحسب، بل كان يستحضر من خلالها أصداء موسيقى فاغنر وأوبرا شتراوس المبكرة في ‘سالومي’ و’إليكترا’. لقد كانت أذنه ‘موسوعية’ بامتياز، ترفض سماع الصوت الواحد دون أصداء ماضيه وسياقات حاضره.”
ومع ذلك، فإن الجانب الأكثر إثارة للاهتمام يكمن في كون سعيد ‘أديباً مقارناً’ في جوهره؛ فلم يكن بمقدوره مقاومة إغواء عقد المقارنات الدائمة بين الموسيقى والأدب. لذا، جاءت كتاباته الموسيقية حافلة بإشارات ثاقبة —وذات صلة وثيقة دائماً— إلى عمالقة الأدب من أمثال بروست، وجويس، وهوبكنز، ورامبو، وفورستر، وستيندال. كان دور ‘السرد’ (Narrative) في الموسيقى، جنباً إلى جنب مع النصوص المكتوبة (Librettos) لملحمة ‘خاتم فاغنر’ أو أوبرا ‘فيديليو’ لبيتهوفن، موضوعاً ذا أهمية قصوى لديه؛ إذ لم يتوانَ عن تطويع أدوات النقد والنظرية الأدبية لتفكيك النصوص الأوبرالية وتحليلها. باختصار، كان عقل إدوارد سعيد يعمل بطريقة ‘تراسلية’ ومنهجية لا تعترف بالحدود؛ فقد كان تعدد الأصوات (Polyphony) والطباق (Counterpoint) هما نموذجه الأسمى والمثالي في الفن، تماماً كما كانا منهجه في فهم الحياة والسياسة.”
لم يطق إدوارد سعيد فصلاً بين الفن والحياة؛ وكان هذا جلياً في كتاباته الأدبية والسياسية، تماماً كما كان حاضراً في اشتغاله بالموسيقى. فخبراته الذاتية، سواء كعازف بيانو ممارس أو كمستمع شغوف، كانت ترتبط دوماً وبشكل عضوي بالموسيقى التي يسمعها (أو يقرأ عنها) وبالحياة التي يحياها بكل تعقيداتها. وفي هذا السياق، قدم سعيد بياناً أخلاقياً شديد اللهجة والقوة، قائلاً: ‘في تقديري، ثمة طرق أفضل بكثير للتعامل مع الآخرين —حتى أولئك الذين نكرههم أو نخشاهم— بدلاً من تمني محوهم من الوجود، وبذل جهود مضنية، فكرية وسياسية وعسكرية، في سبيل التخلص منهم’. بهذه الرؤية، لم تكن الموسيقى بالنسبة لسعيد مجرد نغمات عابرة، بل كانت تمريناً يومياً على قبول ‘تعدد الأصوات’؛ حيث لا يكتمل اللحن إلا بوجود الآخر، حتى وإن كان صوته في تضادٍ مع صوتنا.
إن المُنظّر الذي أهدانا مفاهيم ‘العالم، والنص، والناقد’، لم يغفل يوماً عن أهمية ‘الخصوصية’ و’المكانة’. فقد آمن سعيد بأن الموقع الذي نتحدث أو ننطلق منه يلعب دوراً حاسماً في تحديد ماهية ما نقوله ومدى تأثيره؛ تماماً كما يتشكل معنى ما نلاحظه من خلال الزاوية التي نرقب منها العالم. وقد انطبق هذا المبدأ على سعيد ‘الناقد الموسيقي’ مثلما انطبق على ‘فناني الأداء’ الذين تناولهم بنقده. لذا، حرص دائماً على أن يقدم لقرائه السياق التاريخي والاجتماعي لكل ظاهرة موسيقية؛ بدءاً من طبيعة المهرجانات الموسيقية الصيفية، وصولاً إلى تعقيدات العروض ‘الفاغنرية’ (نسبة لفاغنر)، ومن تحليل شخصية ‘العازف الموهوب’ (Virtuoso) بوصفها ظاهرة تاريخية، إلى تفكيك السياسات الموسيقية في الولايات المتحدة.”
علاوة على ذلك، دأب سعيد في كتاباته الموسيقية على كشف السياقات الاقتصادية القاتمة التي تحكم الإنتاج الموسيقي التجاري؛ حيث انتقد الارتفاع الباهظ في أسعار التذاكر وكيف يسهم ذلك في إقصاء فئات واسعة من الجمهور، وهاجم ‘نظام النجوم’ (Star System) وآليات الدعاية المرافقة له. كما حلل ببراعة ‘تسليع’ الحفل الكلاسيكي، وتغول إملاءات الرعاة والمديرين وشركات التسجيل على العملية الإبداعية. ويبرز في خلفية هذا التحليل طيف ‘ثيودور أدورنو’؛ ذلك المفكر الذي رأى فيه سعيد قامةً ‘أثرى بتألقه المتشائم وعمقه الفلسفي الكثير من الخطاب الفكري المعاصر’. وعلى الرغم من اختلاف سعيد الجذري مع أدورنو في مواضع عدة، إلا أنه لم يعفِ حتى عازفه المفضل غلين غولد من اللوم؛ إذ انتقد تواطؤه مع شركات التسجيل الكبرى، وارتهانه —بشكل أعم— لمنظومة السوق الرأسمالية.
لقد كشفت كتابات إدوارد سعيد الموسيقية عن قلق وجودي دائم إزاء تدهور ما أسماه ‘الحياة الموسيقية’ في عالمنا المعاصر؛ ذلك العالم الذي بات فيه التأليف الموسيقي منفصلاً عن الأداء، لدرجة أدت إلى اغتراب كليهما عن ذائقة الجمهور واستقباله. ومع ذلك، ظل سعيد يبحث عن أي بادرة في عالم الموسيقى تشير إلى إمكانية إعادة وصل ما انقطع، وترميم الروابط بين الأداء الموسيقي وسائر الأنشطة البشرية في المجتمع الأوسع. لقد انطلق سعيد في تقييمه وشروحه دائماً من إحساس عميق بـ ‘المجتمع المخاطَب’؛ أي من خلال السياق الاجتماعي والتاريخي المحدد الذي عاش فيه وكتب عنه، مؤمناً بأن الفن لا يستعيد معناه الحقيقي إلا حينما يعود ليكون جزءاً حيوياً من نسيج الحياة العامة.
في كتابات سعيد الموسيقية، كانت مفردات مثل ‘طباقي’ و**’فلسفي’** بمثابة أرفع درجات الثناء؛ بينما حلت في المرتبة الثانية صفات مثل ‘مدروس’ و**’رصين’**. وفي نقده للعروض الموسيقية، لم يكن سعيد يطيق ‘الروتين’ أو الحذر الزائد، تماماً كما كان يحتقر الارتجال غير المدروس أو الاستعراض المبتذل لما أسماه بـ ‘العزف المتهور والأخرق’ (Bravura playing). لقد كان سعيد يبدي احتراماً فائقاً للدقة الأكاديمية والصرامة المعرفية؛ فلم يتردد في أن يكون هو نفسه مثقفاً دقيقاً، سواء في تصويبه للأخطاء التاريخية (مثل التقليل من شأن هاندل)، أو في تشريحه للسياسات والاقتصاديات الكامنة وراء المؤسسات الموسيقية الكبرى. لم يرهبه يوماً خوض غمار السياسة، ولطالما أعجب بتلك الشجاعة حين يراها في الآخرين.
إن إدوارد سعيد، ذلك الناقد المتأهب دوماً للأدب والموسيقى، يجسد بدقة تعريف دانيال بارنبويم للفنان؛ فبالنسبة لبارنبويم: ‘يجب على الفنان، لكي يكون صادقاً مع نفسه، أن يمتلك الشجاعة ليكون صارماً إلى أقصى الحدود؛ فأن تكون فناناً في مجتمع سياسي يعني بالضرورة أن تسبح عكس التيار السائد’. كان سعيد، بطبعه الاستفزازي المعهود، يجد لذةً في تحدي التراتبيات القائمة وسلطة المؤسسات، معترفاً صراحةً بأنه يفضل إقلاق راحة الناس وإخراجهم من مناطق طمأنينتهم. ولماذا يفعل ذلك؟ ببساطة لأنه يرى أن ‘هناك أسئلةً معينة لا بد أن تُطرح، ومواقف لا بد من مواجهتها، وكليشيهات لا بد من تفكيكها’.
وفي نهاية المطاف، يظل هناك صنف من المفكرين المخلصين والصلبين الذين نعتز بهم، والذين نجد في فكرهم مَعِيناً لا ينضب للتعلم والإلهام؛ ولا شك أن إدوارد سعيد هو في طليعة هؤلاء.
مترجمة من مصر
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي