فلسفة الاغتراب وممكنات الكتابة من خلال رواية: “يوميات مغترب في بلاد الكفيل” للكاتب عبد الله أبردزو

أحمد شهلي*
مقدمة:
يحمل معنى الاغتراب دلالات قانونية وسيكولوجية واجتماعية، وإذا كان مفهومه وفق المعنى القانوني يشير إلى تحويل ملكية شيء ما إلى شخص آخر، وكان مفهومه وفق المعنى السيكولوجي يجسد حالة فقدان الوعي وفقدان القوى العقلية ووظائف الحواس بشكل عام، فإنه تبعا للمفهوم الاجتماعي يشكل تعبيرا عن إحساس ذاتي بالغربة ويترجم انسلاخا واضحا إما عن الذات أو عن الآخرين[1]، وهذا المعنى بالضبط هو المتساوق مع تجربة الكاتب التي صاغها على شكل مروية ممتدة عبر فصلين يتضمنان المعنى السلبي للاغتراب بمفهومه الفلسفي ما بعد هيجل، الذي أصاب الإنسانية في مقتل، وهددها من جوانب متعددة تمس قيم الحياة والوجود والحرية.
أولا: فلسفة الاغتراب وممكنات الكتابة.

إن المتأمل في أسلوب الكاتب وطريقة حكيه سيكتشف نسقا منظما لسرد مجريات الأحداث بلغة هادئة تنقل ما يقع في صحراء بلا ظل كما فضل هو نفسه أن يطلق عليها، بلاد تتحول فيها مفاهيم الحرية والإنسانية والكرامة إلى مجرد خيال أبعد ما يكون عن الواقع، وهذا ما جعل النص الروائي بيانا يشير إلى عدم الرضا إزاء غموض يكتنف البنيات الاجتماعية لبلد الهجرة (المملكة العربية السعودية)، وصرخة عابرة في وجه ما عاشه الشباب من تجربة قاسية ليست مجرد حكي جاف بل هو عمل يكشف اللثام عن البنية النفسية والاجتماعية المفضية إلى واقع مرير يلقي بظلاله على مصير الإنسان المغترب لا باعتباره كائنا مستقلا له كينونته وكرامته بل باعتباره قطعة غيار مؤقتة لا تضطلع إلا بدور وظيفي، حيث يظل هذا المصير متروكا بيد غيره لا بيده، بل تحدده عناصر خارجية عن الذات ،مما يشعره بالعزلة والضعف والهوان يتولد عنه إحساس بفقدان السيطرة على مسار حياته داخل نسيج اجتماعي معزز للشعور بوحدة مدمرة من جراء حالة الانفصال الحاد عن الذات والمحيط إلى حد إمكان انمحاء ملامح الهوية الأصلية والاقتراب من انعدامها تبعا أو انعدام الذات أصالة بفعل قوة الضغوط البيئية مثل الإفراط في متطلبات المجتمع أو الإفراط في مستويات الأداء[2] تبعا لما هو مطلوب ومنتظر إنجازه في نمط آلي مستغرق في الأداء خال من الإنسانية وهو نفس المعنى الذي ذهب إليه كارل ماركس من كون الإنسان المغترب في العمل لايفقد نفسه بوصفه موجودا نوعيا له خصائص النوع الإنساني، فهو حين يغترب عن وجوده النوعي ذاك فإنما يغترب عن إخوانه في الإنسانية، ومن ثم يفقد تلقائيته ومعها مرح الحياة، أي يفقد وجوده الحيوي ولا يشعر بهويته، حيث تحيله بيئته التي توظفه آليا إلى مجرد كائن ميكانيكي مستأصل الهوية تم تشييئه كما لو كان مجرد مادة تباع وتشترى إلى أن غدا يمضي في الحياة على نحو لا إنساني[3].
تنطلق فكرة الاغتراب في رواية “يوميات مغترب في بلاد الكفيل” من الصفحة 9 حيث البدايات الأولى للحكي، لتروي لنا قصة شابين مغربيين يحيى ومحمد رغم اختلاف ظرفيهما الاجتماعيين، فقد ارتميا معا في أتون تجربة قاسية تقاس فيها قيمة الإنسان بمدى خضوعه واستسلامه وليس بمدى عمله أو إنسانيته، خضوع يجرد الذات عن الانتماء ويبعد النفس عن طبيعتها الجوهرية ويوصل الفرد إلى أقصى قمم التطرف في التنافر مع ذاته، في غياب علاقات عادية وطبيعية مع الأشخاص المحيطين به ومع المجتمع بشكل عام، فالانتماء يتحقق على مستوى العلاقات مع الأشخاص فقط من خلال الوحدة مع البنية الاجتماعية[4]، لذا فإن حالة الاغتراب في الرواية تنتقل بالشخوص من واقع مستقر إلى واقع آخر مضطرب يكاد يكون متطابقا من حيث السمات نقرأ في الصفحة 39 : ” تنهد عم إدريس طويلا، كأن أنفاسه تحمل ثقل خمسين عاما من الغربة، وقال:
– اسمع يابني…أنا منذ نصف قرن وأنا أعيش هنا تحت رحمة الكفيل. كل سنتين يطلق سراحي في إجازة قصيرة، لا تزيد عن خمسة وأربعين يوما، أعود إلى وطني، أصرف ما ادخرته في شهور الغربة، ثم أعود هنا من جديد، لأضع جواز سفري في درج مكتب الكفيل وأستلم إقامة جديدة…كأنها صك حكم يجدد قيودي.”
ونقرأ في الصفحة 47 : ” في تلك اللحظة أيقن محمد أن كل أوراقه احترقت، وأنه لم يعد يملك شيئا” وفي الصفحة 61 نقرأ: ” مرت الأيام، وتمكن محمد من نسج علاقة إنسانية مع الممرضة، لم تكن العلاقة سوى ملجأ في غربة موحشة. ذات مساء، سألته بنبرة مهتمة عن حزنه الدائم، فأفصح لها بما ظل حبيس صدره: مرارة الغربة، وطغيان الكفيل، وحلمه الوحيد في الهروب من الخليج، بأي وسيلة، كان مستعدا لدفع كل ما يملك من أجل استرداد جواز سفره المسلوب وحريته.”.
كما نقرأ في الصفحة 87:” جاءه صوت العجوز من الظلام، هادئا كأنه يحكي حكاية سمعها ألف مرة:
– إنها المرأة الفلبينية…أصيبت بالجنون بعدما أجهضت قسرا. كفيلها وابنه كانا يغتصبانها. ولما حملت، أجهضاها بالضرب، رفسوها على بطنها حتى فقدت الوعي. ظلت ثلاثة أيام بين الموت والحياة، ثم خافوا أن تموت بين أيديهم، فنقلوها إلى المستشفى، مكثت فيه شهرا، ولم يسأل عنها أحد. الكفيل رفض استلامها، واتهمها بأنها فاجرة تستحق الرجم ! قال إنه سيقاضيها ! …”،
وفي الصفحة 238 نقرأ: ” عض أحمد على شفته، وأحس بألم في معدته، وغلى دمه غضبا مما سمع،…..
قال في نفسه: لكل واحد من هؤلاء حكاية مع كفيله، لا شك أنها لا تقل مرارة عن حكايتي. كلنا ضحايا نظام لا يرحم. أتينا نحلم بغد أفضل، فإذا بنا أسرى في بلاد الغربة بين أيدي جشعين كأبو عصام”.
ونقرأ في الصفحة 243: ” هناك في بلاد الكفيل سلبت زهرة من نفسها قبل أن تسلب من وطنها، لم تغتصب جسدا فقط، بل إنسانا وروحا، وحلما كان يحلق بأجنحة الطهر والإيمان.”
ونقرأ في الصفحة 273: ” أدرك علي السوداني أنه لم يعد ذلك الجندي الذي يطيع دون سؤال، شيء ما انكسر بداخله. حين قرر الهروب من هذا الجحيم لم يكن أمامه سوى طريق واحد، التسلل إلى الخليج، لكنها لم تكن حياته كما أراد، بل سلسلة طويلة من الهروب الدائم. ثلاثون سنة تقريبا عاشها تحت نظام الكفيل، ينتقل من كفيل إلى آخر، من توقيع إلى بصمة، من وعد إلى تهديد. صار رقما في نظام لا يعرف الرحمة”.
وفي الصفحة 307 نقرأ عن ليلى الطالبة المغربية المتفوقة في جامعة كامبريدج ما يلي: ” لم تكن تتخيل أن قلبها سيقودها إلى طريق لا يشبه أحلامها، كانت تؤمن بأن مستقبلها يصنع بالعلم والاجتهاد، لا بالصدف العابرة، لكن ظهور ابن الشيخ الخليجي في حياتها كان كالعاصفة التي تقتلع اليقين من جذوره”.
ويشكل الاغتراب إجابة عن الواقع الاجتماعي للإنسان المعاصر الذي تحاصره الأزمات، وترمي به في أتون الضياع، إنه حالة من القلق الدائم الذي يسكن النفس التي فقدت ذاتها، ولعل العمل الروائي الذي بين أيدينا يفصح كثيرا عن مظاهر هذا الإحساس، والتي يمكن أن نجملها في العجز وسيادة اللا معنى وغياب الإطار المعياري السليم لمقاربة الأشياء وتقييم الأوضاع، إضافة إلى الحضور المكثف لمفهوم العزلة، هي عناصر تكشف للقارئ والناقد على طرف سواء عن كيفية اشتغال السارد على المستوى النفسي والاجتماعي والثقافي والسياسي هذا الأخير الذي يشكل محصلة تفاعل جميع هذه المستويات بحيث تؤدي وظائف تفاعلية تحفز على ترك الوطن والبحث بعيدا عن آفاق جديدة وظروف مختلفة لتنمية الذات والموارد المادية والمعنوية معا، وإذا كان العجز يعني عدم التأثير في الوضعيات الاجتماعية والمساهمة في توجيه مسار الأحداث وفقدان السيطرة على الأفعال والتصرفات فإن هذا العجز يحيل على حالة من الفوضى الدلالية حيث يتحقق فقدان الكفاءة على التنبؤ بالنتائج المستقبلية للسلوك لا سيما على ضوء القلق الوجود الذي يخيم على مزاج المغترب والذي يفرض عليه أن يواجه فراغا قيميا واحتقانا على مستوى الفهم تهيمن عليه حالة فضيعة من اللايقين تسحب من الحياة بعضا من دلالاتها وكما يقول ألبير كامو فالعبث يولد من صدام حاجتنا للمعنى مع صمت العالم، وحيث إن الإنسان يظل باحثا عن المعنى من وجوده ويسعى دائما إلى تفسيره بفطرته، فإن صمت العالم إزاء مطلبه يعد ضربا من ضروب العبث، لأن هذا الصمت لا يتولد عنه إلا الفراغ المؤذن بالعبث هذا الأخير يقذف به نحو إحساس رهيب بفقدان الحياة المعنى لأنها تسير وفق منطق غير مفهوم وغير معقول، ومن ثم يعيش الحياة التافهة واللامبالاة[5]، لذلك يصاحب الشعوره هذا شعور إضافي بعدم وجود القيم التي تحصن الأخلاق وغياب معاييرها الموحدة التي تتعلق بموضوع واحد تؤطره مرجعية واحدة[6]، وانفصالها عن الضوابط والتقاليد وكل القواعد الأخلاقية الملزمة والأعراف الكونية ذات الطابع الإنساني والمصدر الكوني مما يجعله مجردا عن المعايير السائدة معني بالقوانين التي تنجم عنها دون أن يكون ذلك محصلة انتماء وتفاعل ضمن المجتمع الذي يعيش فيه، وهو ما يكرس عزلته ويغدي أزماته النفسية وكبته داخل نسيج اجتماعي يفقده الوحدة مع البنية الاجتماعية التي تسم علاقته بها بالتنافر بحسب ما تخلفه نظرته إلى هذه البنية باعتبارها شيئا خارجا عنه، وفعلا تعكس السياقات السردية للرواية سواء من خلال تتابع الأحداث أو انطلاقا من الومضات الاسترجاعية التي تمنح للسرد عمقا روائيا ومعنى ثابتا للظواهر، هذه التقنيات تتساكن فيما بينها لتمكن القارئ من اكتشاف البنية الفكرية التي يتمحور عليها النص الحكائي والمتعلقة أساسا بمسار تشكل وعي متأخر بالمآلات من خلال أمثلة تخترق واقع الرواية وتفصح عن نماذج من شخصيات عاشت عوامل الإحباط في واقع يكاد تكون متشابها من جانب مضمونها ومفعولها الاجتماعي حيث وجدت كل المعنيين بالأمر أنفسهم يجرون أذيال الخيبة ويلوكون سيرة الخسارة المرة.
ثم إن الاغتراب في رواية الكاتب عبد الله أبردزو مرتبط بتنقل الشخوص عبر أمكنة مختلفة ما يجعل الحديث عن تيمة الاغتراب لصيقة ببعدها المكاني، فيما يظل البعد الزماني افتراضيا لغياب الإحالات على زمن محدد بل لأن الرواية في مجملها عبارة عن نص أدبي وهو في حد ذاته مجرد استلهام من الواقع، وقد ذكر الكاتب ذلك تصريحا لا تلميحا من أن أي تقاطع مع أشخاص أو أحداث حقيقية ليس إلا من قبيل الصدفة. ليظل المكان الموضوعي هو الذي تتأثت فضاءاته من داخل العمل الروائي بمجموع الأحداث التي طبعت وجود الشخصيات، وعليه فإن الحديث عن الاغتراب المكاني هو الذي ينطرح تلقائيا في معرض تناول أبعاد الاغتراب، ذلك أن ارتباط الاغتراب بالمكان أمر طبيعي وأصيل في الإنسان، لأن بعده عن وطنه وقومه بعد فترة من الألفة والود يدخل النفس في دوامة من الشوق والحنين إلى منابته وبيئته.
إننا نجد الاغتراب حاضرا بقوة في النص الروائي متجليا في بعده الاجتماعي من خلال المعجم الموظف من طرف الكاتب، وهو معجم ضاج بدلالات العزلة والهامشية من خلال ترسانة من الألفاظ ك:” الدونية ،فقدان الثقة ،الضغوط النفسية ،الضعف والهوان ،المذلة واليأس، الغربة، الجرج ، والحرقة ، الشوق، الرعب، التوتر، القلق، الجحيم، النار، الهشيم، الاحتجاز، الظلام، الشحوب، السواد، القسوة، المرارة، البؤس، الرفض، العناد، الضغوط، الفقد، الورطة، الانكسار، السجن، التعاسة، القيود، العجز، الصمت، الهروب، البرود، الغضب، الكبت، العاصفة، البكاء، الموت، السم، الاستسلام، الحزن، التشرد، التنهد، الخفوت، التردد، الخوف، الاحتقار، الطعن، التجاهل، الكابوس، الخشونة، الوحشية، القرف، الهجر، الإرهاق، التدهور، الصعوبة، الحرج، المستحيل، التهريب، العفن، المرض، الألم، الوجع، الجفاف، الإعدام، الدفن، الذبول، الوحشة، الاستلاب، الانتقام، التجاهل، العنف، الزحام، الوطأة، الظلم، المحنة، الشكوى، الوقاحة، الأشباح، الانكماش، السخرية، الفزع، الاغتصاب، الولولة، الصياح، التمزق، الحصار، التعب، الخسارة، القبور، المقبرة، السقوط، الجهل، القهر، الرماد، المطبات، الهجير، التشدد، الفراغ، الغرق، الانتحار، الجنون، العبء، الفشل، الحذر، الاختراق، الشتيمة، الشقاء، الأسى، الأنين، اللعنة، الغموض، الاعتقال، النزيف، الاستعلاء، الريبة، الأذى، العذاب، الطرد، الاختناق، الصدأ، التهكم، العبودية، الجنون، الانفجار، التهمة، الهوان، الزنزانة، المستشفى، الضياع، الوحشية، الصدمة، الانتهاك، الانصياع، النواح، الحر، الغبار، المخاطر، الصراع، الإكراه، الطاغية، العطش، الاغتيالات، العناد، الفقر، التأخر، المجاعات، الدهشة، الشفقة، اللهيب، جهنم، القمامة، الذباب، الخداع، الانفجار، العتمة، الدم، العراء، الحسرة، الدوامة، الانتظار، اللجوء، الوحدة، المكر، التعالي، الاضطراب، الصفعة، المعارك، الإجهاض، الغبار، الجفاء،…” والمتأمل في هذا المعجم يلاحظ أن الكاتب قد مزج بين الحس الإبداعي والحس الاجتماعي، وإذا كان الأول (الحس الأدبي) يساعد صاحبه على بناء الصور السردية في صيغ جمالية قوامها الأسلوب الأدبي الذي مكن الرواية من اكتساب جهاز بلاغي قوي ودال، أنتج آثارا لغوية كبيرة وساهمت في طرح القضية الرئيسية للعمل الروائي بشكل يضع الأسلوب واللغة في أول قوائم البناء السردي، فإن الثاني أي (الحس الاجتماعي) يدفع الكاتب نحو ضبط العلاقة الشائكة بين الكلمات التي يتم توظيفها في المتن و المعنى المراد إشاعته داخل سياقها حيث تحوز خلاصات البنية الثقافية وترشد إلى الأبعاد الاجتماعية، متجاوز كونها مجردة من المعنى وبكونها تتيح فقط إمكانية كلامية وهنا تتحدد دلالاتها تبعا لما يتيحه التحليل الأسلوبي في مستوياته الثلاثة :
أ- المستوى اللغوي والمقصود به السياق الداخلي للنص.
ب- المستوى الأسلوبي الأدبي والمراد به كيفية تصوير الأحداث داخل بناء سردي ذي الصلة باللغة
ج- المستوى الخارج لغوي أي السياق الخارجي للنص [7]، ويساعد هذا الأخير في نقل تمفصلات النص من بنية داخلية مغلقة إلى فضاء خارجي يسمح بالقراءة والتأويل ويتيح فهما دقيقا لتموقع هذه الشحنة اللغوية في النص الروائي.
ولان اللغة بيت الوجود فإن دورها في إبراز مختلف الاشتباكات داخل حقول المعاني كبير ومهم، ذلك أنها الرواية تشكل تصويرا للصراع الاجتماعي عبر أبعاده المختلفة، ومعرضا لصنوف متعددة من الأمزجة والأفكار والرؤى للعالم، وهي كمورد فني هام تمكن الكاتب من استثمار طاقتها اللغوية في افتعال الصراعات المولدة للتفاعل اللغوي المثخن بالدلالات ضمن لعبة الكشف عن الأفكار[8]، وعلى ذلك فإن الرواية تبطن مجموعة أحاسيس إنسانية وتترجم لغتها ومعجمها الوظيفي كما هائلا من المشاعر التي يتم نقلها عبر آلية بوح الذات البشرية بما يختلج مكنونها عبر مستويات لغوية تشكل رافدا هاما يمد إلى البساط اللغوي لونا جديدا من خلال الدلالات اللغوية المشكلة على ضوء البعد النفسي المثقل بالعواطف، كما يجعل من الشخصية عنصرا ديناميكيا متحركا يمنح أحداث الرواية حركة دلالية وحيوية مما يشجع استقامة هندستها الفنية على عكس لو كان للشخصيات مثلا الإتزان النفسي الذي غالبا ما يفرض ايقاعا رتيبا على مجريات الأحداث [9] سرعان ما يتسرب إلى مفاصل الرواية فيقعدها عن أداء بعض من مهامها التواصلية.
إن الرصيد اللغوي الذي سيقت بواسطته أحداث الرواية خلق نوعا من الحصار على المعاني، حصار فرضته جملة من العوارض النفسية والاجتماعية والنفسية والسياسية والأخلاقية حيث صار الإفلات من المعاني المباشرة للسواد والقتامة أمرا مستحيلا، والهروب من الدلالات الواقعية للأحداث أمرا مستعصيا، حيث استمدت الرواية قوتها التعبيرية من الذخيرة اللغوية المنشئة لغزارة مشاعر اليأس والإحباط وما تنجم عن هذه الغزارة من توليد العلاقات الدلالية وما تتيحه من فوائد لعل أهمها على الإطلاق تقييد العلاقات بين الوحدات المعجمي في إطار دلالي ما يحاصرها ويمنعها من الضبابية والانفلات[10]، وهكذا يصير متن اللغة بطبيعته الكبرى يمثل الطاقة الخلاقة تعبيريا، وليس فقط سياق بلاغة نحوية أو سردية، إذ يمثل إطارا حيويا للغة داخل كيان النص، كما أن هناك إدارة داخلية له من خلال الشخوص، وإدارة خارجية مراقبة، حسب السياقات المتاحة لها[11].
إن البنية الأدبية لرواية يوميات مغترب في بلاد الكفيل تشرف بإمعان دلالي على إنتاج المعنى من خلال التأكيد على فعالية الألفاظ التي تم انتقاؤها بالعناية اللازمة، إذ تعكس مضمونا حكائيا يخدم الاستراتيجية التي جعلها الكاتب كإطار لإضفاء البعد الواقعي على النص من خلال تشخيص مجموعة من الحقائق وتمثيل الواقع تمثيلا حيا ، وتعد اللغة من أدوات هذا التشخيص، فيما يعد الواقع مادة للحكي وبناء للسرد.
غير أن الكاتب وهو يسعى إلى تصوير الواقع يحاول استنفار الأسئلة من خلال دمغ هذا الواقع بمحتوى قابل للتفكيك متوسلا بممكنات الكتابة على ضوء ذاكرة كاشفة للأسرار، ملمة بالأخبار، قصص يتداخل فيها العام والخاص تكاد تتشابه فيما يتعلق بحلم البدايات كما تتشابه في سيرورتها نحو كابوس مشترك تنقل تفاصيله معاناة الشخوص في مواجهة تجبر الكفيل، وتسلط الضوء على بنية اجتماعية غير متكافئة الأركان، في مشهد يبرز تقابلا بين مظاهر القوة والظلم والقهر والقمع والاستبداد والاستغلال من جهة والضعف والحاجة والتضحية والعمل والكد والمعاناة من جهة أخرى، مما يضع القارئ أمام عمل سردي يستعيد مأساة إنسانية لعينات من الناس واجهت اغترابها في بلدانها بكثير من الرغبة والإصرار واختارت الهجرة إلى بلاد الكفيل ليصبح اغترابها مضاعفا، بفعل قساوة الأوضاع وازدواجية المعاناة والألم.
وتنقل إلينا الرواية بالمعجم الذي تم توظيفه أغلب طبائع الانفعالات النفسية التي تجلت في مشاعر الحزن والقلق والكآبة والرفض وصعوبة الاندماج في واقع اجتماعي يفرض عليه الانعزال، كما تنقل إلينا واقع الإحباط الذي يخيم على كل الشخوص حيث يخالف أفق أحلامهم الواقع الذي صاروا إليه، إذ إن تركهم لأوطانهم التي ارتبطوا بها ارتباطا عاطفيا كان بدافع تحسين أوضاعهم المعيشية في بلد شكل عبر متن الرواية رمزية دالة وأرضية تجسدت فيها الأحداث المنشئة للمشاعر السلبية مشكلا خلفية وضابطا للصراع وجزءا من كيان المعنى في النص الروائي مساهما في تبلور العقدة ونشوء[12] عناصرها انطلاقا مما يتكشف للقارئ من الحالات اللاشعورية للشخصيات، هذه الأخيرة التي تتأثر وتستكمل بناء ذواتها داخليا فحسب وإنما تنبسط خارجيا، وبمعنى آخر تتأثر الشخصيات بالمكان وفق ما يقدمه من معطيات وتبعا لطبيعة الأحداث ، ليس باعتباره مجرد مسرح للوقائع والتحولات الطارئة بل لكونه قطعة شعورية وحسية من ذات الشخصية نفسها[13]، ومن ثم يمكن اعتباره تصويرا لغويا يشكل معادلا حسيا ومعنويا للمجال الشعوري والذهني للشخصية[14].
والحقيقة أن الكاتب وهو يشير إلى بعض من الحقائق الواقعة في عالم الموجودات، وهو يصوغ حكاية آلاف المهاجرين الذين عاشوا في الظل حسب تعبيره ولم يكن لهم عزاء سوى الأمل في غد أخف وطأة، لم يكن ينسج أحداثا من وحي الخيال ولم يكن يبالغ في نقل مشاهد إنسانية صادمة حاطة بالكرامة ومدمرة لما تبقى من كينونة الإنسان، بل هي شهادة حية عن زمن جعلت فيه حرية الإنسان ورقة، وكرامته توقيعا، وحياته انتظارا لا ينتهي، هكذا اعتبر المؤلف الرواية تشريحا لواقع لا يمكنه أن يرتفع كما لا يمكنه أن يظل في طي الكتمان، مما أكسب المكان والأحداث دلالة خاصة، تتعدى كونها مجرد تلميحات إو مجرد إشارات منتقلا بها إلى درجات عليا من الدلالة مصحوبة بشحنات عاطفية تتجاوز الصور الفنية الرتيبة ، إنها تتجاوز ما قد يخلفه المعجم اللفظي مجتمعا مع مختلف الوضعيات وما يحدثانه من صور بصرية ومشاهد منظورة إلى صور لها صلة بكل الإحساسات الممكنة التي يتكون منها نسيج الإدراك الإنساني ذاته[15] حتى غدا الألم عنصرا جوهريا من كينونة الشخصيات وعنصرا حاسما في سياق السرد.
ولأن الإنسان لا يملك غايته في ذاته فإنه معرض أن يكون مادة للألم تخترق أوصاله بفعل علاقته بواقعه الاجتماعي، ليتحول فيما بعد إلى أثر نفسي يسهم في تشكيل نماذج بشرية تتعاطى مع آثار الألم وأشكاله بطرائق مختلفة، تتراوح بين الهروب والمواجهة، بين الاستسلام والتحدي، بين النسيان والكتابة، بين الانفصال والاتصال[16]، ويظل الألم سيرة قابلة للحكي مرفوقة بتيمة القهر فيتشكلان سرديا ضمن ما يمكن أن يعبر عنه الكاتب كنتيجة تأثر بما حوله من مؤثرات استبدادية قهرية تركت أثرا واضحا في وعيه ، وقد قام ببسط فصول هذا الوعي، حيث توزعت على سائر هذا العمل السردي بدءا بالعنوان مرورا بالعتبة الأولى والحبكة حيث تواجه شخصيات الرواية معاركها وتدار الصراعات في أوجها، محاولا رسم ملامح الألم والقهر والاستبداد وإظهار ماهيتها وتحويلها إلى وعي يفارق العلة الغامضة إلى عمقها القيمي والإنساني الخفي، وهكذا يخلق الكاتب من عمله إمكانية التشوف إلى الارتقاء من قاعدة الألم الموضوعي والمعاناة المسترسلة عبر الصفحات إلى صورها المفارقة، التي تكتسب تدريجيا تكوينا ذهنيا يحمل وظائف وسمات، ويولد معجما، وينشئ بلاغة تنهل من الإمكانيات الماتعة للتخييل الروائي[17] والصور السردية التي تنقل الوقائع بصيغ فنية متنوعة.
ثانيا : نظام الكفالة مقصلة أحلام المغتربين.
ذكر الخليل بن أحمد في كتابه العين أن ” الكافل : الضامن للشيء. كفل به يكفل به كفالة.
والكافل: الذي يكفل إنسانا يعوله وينفق عليه. وفي الحديث: ” الربيب كافل “، وهو زوج أم اليتيم. وقوله عز اسمه: “وكفلها زكريا” ، أي : هو كفل مريم لينفق عليها، حيث ساهموا على نفقتها حين مات أبواها فبقيت بلا كافل. ومن قرأها بالتثقيل فمعناه : كفلها الله زكريا.” [18]، أي ضمها إليه[19] كما ذكر ذلك ابن قتيبة في كتابه تفسير غريب القرآن، وورد في كتاب المكحم والمحيط الأعظم لابن سيده : ” ..وجمع الكافل : كفل
وجمع الكفيل : كفلاء، وقد يقال للجمع: كفيل، كما قيل في الجمع : صديق.
وكفل المال وبالمال: ضمنه.
وكفل بالرجل يكفل كفلا، وكفولا، وكفالة، وكفل وتكفل به، كله: ضمنه.
وأكفله إياه، وكفله: ضمنه.”[20]
وفي معجم مقاييس اللغة نقرأ: ” ومن الباب –وهو يصحح القياس الذي ذكرناه- الكفيل، وهو الضامن، تقول: كفل به يكفل كفالة. والكافل الذي يكفل إنسانا يعوله”[21].
أما في القانون فيقصد بلفظة الكفالة العقد الذي بمقتضاه يلتزم شخص للدائن بأداء التزام المدين، إذا لم يؤده هذا الأخير نفسه[22]، ويظهر أن كل هذه التعاريف تحمل معنى الضمان بما يفيد تأدية الحقوق إلى أصحابها والسهر على استيفائها كاملة دون نقص، وبما يفيد معنى الالتزام.
كما يشير مفهوم نظام الكفالة إلى ذلك الإطار القانوني الذي ينظم العلاقة بين العامل الأجنبي المهاجر ورب العمل ، ويسمى هذا الأخير الكفيل وهو المسؤول عن المسؤول عن تأشيرته ووضعه القانوني، كما أنه هو المسؤول عنه ماديا وقانونيا ومعنويا ومن ثم فإنه قد اكتسب سلطة خولت له الإشراف على تنقلات عماله الوظيفية وأسفارهم وكافة شؤونهم، الشيء الذي أدى إلى تضخم هذه السلطة وتجاوزها الأطر القانونية والاجتماعية والسياسية التي أنشئت على ضوئها، حتى إن البعض قد شبه تلك السلطة التي خولها هذا النظام للكفيل على العامل بالعبودية وهيمنة النزعة التسلطية حتى أتاح له حق منع المكفول من أمور شتى تصل إلى الحق في مصادرة جواز سفره وهذا ما يتعارض مع المواثيق الدولية التي تحظر فرض قيود على حرية الأفراد في التنقل والسفر، وهو عين ما يذكره الكاتب فيما يشبه هذه الوضعية في النص السردي بما يلي في الصفحة: 39: ” تنهد عم إدريس طويلا، كأن أنفاسه تحمل ثقل خمسين عاما من الغربة، وقال:
– اسمع يا بني … أنا منذ نصف قرن وأنا أعيش هنا تحت رحمة الكفيل. كل سنتين يطلق سراحي في إجازة قصيرة، لا تزيد على خمسة وأربعين يوما. أعود إلى وطني، أصرف ما ادخرته في شهور الغربة، ثم أعود هنا من جديد، لأضع جواز سفري في درج الكفيل وأستلم إقامة جديدة … كأنها صك حكم يجدد قيودي. لا يحق لي أن أطلب إجازة قبل انتهاء مدتها، عندها فقط يسمحون لي بالانفلات قليلا من هذا الأسر، ثم أعود. ”
ويضيف الكاتب في موضع آخر من عمله السردي ولعله هنا يثبت ما يكرس هيمنة الكفيل إلى درجة السيطرة المطلقة على مصير المكفول في الصفحة 156:
” تنهد محمد بحرقة:
– نسيت يا عم … هنا كل شيء مرهون بالكفيل. لا تسافر، لا تتحرك، لا تتنفس إلا بإذنه. إن أعطاك تأشيرة خروج، يسحب منك الإقامة والجواز حتى تعود، كأنك عبد في سوق النخاسة. ”
وتتعاظم درجة الاضطهاد كلما سعى المكفول إلى إثبات ذاته أو البحث عن حق من حقوقه، وتظهر لنا قصة أحمد التونسي كيف تحول هذا الأخير من رجل أعمال وصاحب شركة ، وكيف كان معززا مكرما في بلده رغم كل الظروف، إلى مجرد سائق خاص، تعرض للنصب من طرف كفيله، فتحول معه الحلم إلى تهمة وتحول الطموح إلى جريمة، وقد صار بين أمرين أحلاهما مر حين ظن في وقت من الأوقات أن بإمكانه رفع الشكوى إلى القضاء، فإما أن يعود صاغرا إلى بيت كفيله كسائق ذليل، وإما أن يسجن بتهمة الهروب من الكفيل، فصار متشردا بعد أن استولى الكفيل على كل شيء وجرده من إنسانيته وانتهى به الأمر إلى ترحيل صامت مذل، (الصفحة 217). ويحصل هذا في الكثير من الحالات، إذ يقوم صاحب العمل بالترحيل المفاجئ للعامل للتخلص من التزاماته المالية وسداد الأجور المتأخرة عليه لعماله، فيبلغ السلطات المختصة بأن لديه عاملا قد انتهت العلاقة التعاقدية معه ويرفض السفر، ومن ثم تقوم السلطات بترحيله دون حصوله على مستحقاته،[23] وتصل الطغيان ذروته في تجربة إنسانية مريرة، قصة أخرى ساقها الكاتب دليلا على أن كرامة المكفول في ظل نظام جائر هي موضوع للعبث، وأنه يظل هدفا للاستغلال والأذى لاسيما الإناث، حيث تظل العاملات اللواتي يقعن تحت نظام الكفالة المسيء عرضة للنصب والكذب والتحرش الجنسي وفي بعض الأحيان للاغتصاب كما حدث لزهرة المضيفة المغربية التي كانت تمني النفس بعمل مدر للدخل مريح وتحت ظروف ملائمة حيث اختارت أن تعمل مضيفة في طيران الخليج بدل العمل في إيطاليا عاملة بنصيحة أمها التي رأت أن الشرق أرحم من الغرب بحكم سيادة الوازع الديني واعتبارا لقيم الشهامة والمروءة التي طبعت دار الإسلام، لكن حلمها سيتبدد وراء سحب الوعود الزائفة والشعارات الرنانة وسيتحول مشهد مقامها في تلك البقاع إلى ما يشبه كابوسا مرعبا، نقرأ في الصفحة 243 : ” هناك في بلاد الكفيل سلبت زهرة من نفسها قبل أن تسلب من وطنها، لم تغتصب جسدا فقط، بل انسانا وروحا، وحلما كان يحلق بأجنحة الطهر والإيمان. ” ، وقد تنوعت أشكال الاضطهاد التي يتعرض لها المكفولون في ظل نظام أشبه ما يكون بنسخة متحورة من نظام الإقطاع البائد، أو بأشكال الرق والعبودية، نقرأ ملمحا آخر من ملامح هذا المشهد السوداوي الكالح يجسده وضع كارثي يعيشه علي السوداني ضابط الاستخبارات السودانية في الصفحتين 273 و 274 : ” حين قرر الهروب من هذا الجحيم لم يكن أمامه سوى طريق واحد، التسلل إلى الخليج، لكنها لم تكن حياته كما أراد، بل سلسلة طويلة من الهروب الدائم. ثلاثون سنة تقريبا عاشها تحت نظام الكفيل، ينتقل من كفيل إلى آخر من توقيع إلى بصمة، من وعد إلى تهديد صار رقما في نظام لا يعرف الرحمة، عاملا مجهولا يحمل على كتفيه تاريخا لا يمكن الجهر به ووجها لا ينظر إليه أحد مرتين “، وحتى في أخف هذه الحالات إيلاما تتحول الأحلام إلى طريق سيارة نحو التيه والضياع، حين يتم نشدان المستقبل الناجح بغير الاجتهاد والعلم، وتظهر حكاية ليلى الطالبة المغربية المتفوقة في جامعة كامبريدج كيف تصبح الصدف العابرة طريقة لصنع قرار مصيري كبير وحتى لو كان المصير مختزلا في وعود تليق بأميرة، لكنها وعود رسمت لها قصورا من كلمات وقد أوجز الكاتب وأفاد بعبارات نقرأها في الصفحة 308: ” هذه حكاية فتاة ضحت بكل شيء، لتكتشف أن الحب حين يكون بلا احترام ولا التزام يتحول إلى فخ، وأن الطريق من كامبريدج إلى تلك الفيلا المهجورة، لم يكن سفرا جغرافيا، بل سقوطا من عالم الأحلام إلى قاع الحقيقة.”
لسنا هنا بصدد حالة فردية معزولة لانتهاكات حقوق الإنسان المغترب فحسب بل هي صور جماعية للاضطهاد الذي يجد مبررات لوجوده في تفاصيل الوصم الشائع في أوساط المجتمع المستقبل الذي ينظر إلى العمال الأجانب نظرة الرفض الاجتماعي فيتعرضون للنبذ باعتبارهم خارجين عن المعايير الثقافية للمجموعة، تلك المتجذرة في الوعي وفي البنى الإدراكية التي تشكل الصور النمطية والتصورات الجاهزة المؤثرة في مواقفهم وأحكامهم وعلاقاتهم، ومن ثم زيادة أساليب الهيمنة على العمالة الوافدة وخضوعهم لأمزجة الكفلاء وظنونهم دون أدنى اعتبار لآدمية الوافدين.
إن الكاتب وهو يسجل حالات مختلفة ونماذج صارخة للاسترقاق المقونن في ظل نظام عالمي حديث يحتفي بحقوق الإنسان ويمجد قيم الحرية والعدالة والمساواة يحاول في ذات الوقت إيصال صوت آلاف المهاجرين ممن تركوا شموخهم وتاريخهم وكثيرا من كرامتهم في بلدانهم وقدر لهم أن لا يبارحوا مناطق العتمة فعاشوا في الظل في وطن ليس وطنهم وفي مكان لم يحتضنهم رأفة ولا عطفا بل احتضنهم ليعتصر أفضل ما عندهم وأجود ما يمكن أن يعطوا في بلاد تبخس العطاء وتنظر إلى من يبدله نظرة استصغار وتحقير وما يخلف لديهم من معاناة.
خاتمة
إن الكاتب وهو يصور حياة هؤلاء المغتربين يحول تفاصيل قصصهم إلى أحداث متشابكة، وقد أوقعتهم أقدراهم بين أيدي أشخاص قساة جفاة لا يعرفون للرحمة معنى، يقرب إلى أفهام القراء لعنة الإصابة بغواية العيش في الخليج وأثمانها الاجتماعية التي تتجلى مظاهرها في سرقة الجهد البشري وإضاعة الكرامة الإنسانية، ولأن القصة والحبكة ليستا قضيتين لغويتين، فإنهما تعكسان بؤرا اجتماعية ساخنة وفق استراتيجية اصطفاها الكاتب للنص افتراضا أن قارئا نموذجيا يحكمه أرق معرفي مثالي يبحث بما يسعفه من ممكنات القراءة عن اقتحام مناطق الاشتباك الدلالي ومساءلة الأسلوب السردي الذي جعله الكاتب نسقا قائم الذات، أسلوب يمد القارئ بأدوات الفهم وقراءة الرواية على أنها عالم واقعي تمتزج به عناصر التخييل، إنها حالة سردية خاصة يعتمد من خلاها الكاتب على المزج بين التخييل والواقع ويجبرنا على قراءة الواقع باعتباره تخييلا وقراءة التخييل باعتباره واقعا، وهي حالة يكون فيها المزج بينهما ممتعا وبريئا، وأحيانا يكون هذا الأمر ضروريا، وأحيانا أخرى يكون مقلقا بشكل تراجيدي.[24] لأنه ينقل إلينا نسخا متشابهة من التجارب الإنسانية التي تختلف سياقاتها، كما يقوم لنا المكان كتيمة مركزية يفصح عن كل الأحلام وكل الآمال ويختزل كل الهواجس والآلام.
المراجع
[1] . مريامة بريشي، الاغتراب ، مفهوم ودلالات، مجلة العلوم الإنسانية والاجتماعية، العدد18/ مارس2015، ص:199.
[2] . صلاح الدين أحمد الجماعي، الاغتراب النفسي الاجتماعي وعلاقته بالتوافق النفسي والاجتماعي، دار زهران للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى 1431ه-2010م، ص: 46.
[3] . نفسه، ص:48.
[4] . يحيى عبد الله، دراسة تحليلية لشخصيات الطاهر بن جلون الروائية،المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت – لبنان، الطبعة الأولى 2005م، ص:24.
[5] . يحيى الجبوري، الحنين والغربة في الشعر العربي، الحنين إلى الأوطان، دار المجدلاوي للنشر والتوزيع، عمان، الأردن، الطبعة الأولى 2008، ص:18.
[6] . بهجات محمد عبد السميع، الاغتراب لدى المكفوفين –ظاهرة وعلاج-، دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر، الإسكندرية، الطبعة الأولى، 2007، ص:27.
[7] . إدريس القصوري،أأسلوبية الرواية – مقارنة أسلوبية لرواية زقاق المدق لنجيب محفوظ – عالم الكتب الحديث – إربد – الأردن -، الطبعة الأولى، 2008، ص: 52-53.
[8] . طاهري بلقاسم، الوظيفة اللغوية وأثرها على تعدد مستويات اللغة عند الشخصية الروائية (دراسة نظرية)، المجلة الدولية لدراسات اللغة العربية وآدابها، المجلد الثاني، العدد الأول، شباط، 2020. ص: 35.
[9] . نفسه، ص: 37.
[10] . محمد شندول، قواعد العلاقات الدلالية وهندستها في النظرية المعجمية، مجلة اللغة العربية، العدد التاسع والثلاثون، ص: 177.
[11] . لطرش صليحة، السياق الدلالي في رواية العطر الأسود لنجاة عبد المجيد الصابري، مجلة أفانين الخطاب، المجلد02/العدد:01/السنة: جوان2022، تاريخ النشر:30/06/2022. ص: 58.
[12] . مرين محمد عبد الله، تحريشي محمد، حداثة مفهوم المكان في الرواية العربية رواية ” وراء السراب قليلا ” لإبراهيم درغوثي أنموذجا، مجلة دراسات، جوان 2016، ص: 148.
[13] . يوري لوتمان، مشكلة المكان الفني، ترجمة سيزا قاسم، ألف، مجلة البلاغة المقارنة، الجامعة الأمريكية، القاهرة، العدد:06، 1986، ص: 132.
[14] . بدري عثمان، بناء الشخصية الرئيسية في رواية نجيب محفوظ، دار الحداثة للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، بيروت، 1986، ص:132.
[15] . جان صدقة، رموز وطقوس، دراسات في الميثولوجيا القديمة، رياض الريس للكتب والنشر، (دون تاريخ)، لندن، ص: 51.
[16] . حنينة طبيش، كتابة الألم في الرواية النسوية : قراءة في رواية الممنوعة لمليكة المقدم، مجلة دراسات معاصرة، المجلد:06/ العدد:01 جوان (2022)، ص:479.
[17] . مولود بوزيد، دلالات الشر وتمثيل الألم في رواية واسيني الأعرج: مي ليالي أيزيس كوبي، Aleph 2025، على الرابط: https://2u.pw/XDtd73 ، شوهد يوم: 12-6-2026. على الساعة: 19:05.
[18] . الخليل بن أحمد الفراهيدي، كتاب العين، تحقيق الدكتور مهدي المخزومي، الدكتور إبراهيم السامرائي، سلسلة المعاجم والفهارس، الجزء الخامس، ص: 373-374.
[19] . ابن قتيبة، تفسير غريب القرآن، تحقيق السيد أحمد صقر، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، 1398ه-1978م، ص: 104.
[20] . ابن سيده، المحكم والمحيط الأعظم، تحقيق عبد الحميد هنداوي، منشورات محمد علي بيضون، دار الكتب العلمية، بيروت-لبنان، الطبعة الأولى:1421ه-2000م، الجزء السابع، ص: 38.
[21] . ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، تحقيق عبد السلام محمد هارون، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، الجزء الخامس، ص: 187.
[22] . الفصل 117 من قانون الالتزامات والعقود المغربي.
[23] . أيمن زهرى، الكفيل ! تقديم سامح فوزي، مؤسسة مواطنون من أجل التنمية، القاهرة، ديسمبر 2010، ص: 27.
[24] . أمبرتو إيكو، تأملات في السرد الروائي، ترجمة سعيد بنكراد، المركز الثقافي العربي الدار البيضاء- المغرب، الطبعة الثانية 2015، ص: 188.
ناقد من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي