الرئيسية / الأعداد / العدد الخامس والسبعون والسادس والسبعون / أعمدة ثابتة 75-76 / الخفاش رحلة قروي من السبحة إلى اللحية (الجزء الخامس عشر)

الخفاش رحلة قروي من السبحة إلى اللحية (الجزء الخامس عشر)

الخفاش رحلة قروي من السبحة إلى اللحية (الجزء الخامس عشر)

المصطفى أسدور*

ويُعتبر موضوع الدين من المواضيع التي تستهوي بعض “الفاهمات”، من أمثال كبورة وحَدِّيَّة. كبورة لأن زوجها يتبع طريقة صوفية، ولا يتوقف عن الحديث عن الحلال والحرام، والجنة والنار، وأيضًا لأن ابنها حميد أفادها كثيرًا بهذه الثقافة الجديدة على الدوار. بينما حَدِّيَّة، فلا أحد يعرف بالتحديد مصدر معرفتها؛ هل تلقت معارفها من شخص ما، أم أن تنقلها بين المزارع، ومعاشرتها لأنماط من الناس، قد أكسبها المعرفة، وأكسبها أكثر القدرة والخبرة في الحوار وإدارة النقاش.

فاضمة تختلف كثيرًا عنهما، فحين تلتقي كبورة وحدية في بيت إحداهن، وتُثار مسألة لها علاقة بالدين، كمسألة “ارْبَاطْ”، أو ما تسميه بعض النساء بـ”حَقّْ اللهْ”، مثلًا، والتي تُثار بشكل دوري كلما توفي شخص في الدوار وترك أرملة وأيتامًا، يكون النقاش حامي الوطيس، لدرجة أن فاضمة تضطر أحيانًا إلى وضع كفيها على أذنيها اتقاءً للصراخ. حينها فقط تنتبه كل من كبورة وحدية إلى الأمر، فتتوقفان عن الجدال لحظة، مع عبارة تكاد تكون لازمة الاختلاف:

  • أوَا غْدَّا نْسَولْ الطَّالبْ، أو يبان الحَامضْ من السَّفْري.

لا تتأخر حَدِّيَّة في الرد:

  • أو فينْ مْشَا ليكْ حميدْ، ياكْ تَّا هو ڭالوا وَلَّا فْقيهْ.

هذه الطريقة في الكلام المُلَغَّم تحول المكان إلى فضاء مختنق يكتم الأنفاس، ويُثقل الكلام، وتخرج الكلمات بكلفة غير مألوفة لهن. ولتفادي ذلك، وتجاوز اللحظة، تنهمكان في شرب الشاي، مشفوعًا ببعض الفواكه الجافة، من حُمص ولوز وغيره، إن وُجدت. فاضمة، التي أصابها الصداع، تنقل الحديث إلى مقام البسط والضحك:

  • وَادِيرُو هَكَّاكْ مَنْ الصْبَاحْ، كُلُّو هَذَا لِّي مَا يَهْضَرْ أو هَنُونَا.

وتشير إلى صينية الشاي وما حوت.

حين تتحدث النساء هنا عن “أمور الدين”، فلا يُقصد بها العقائد والشرائع والمذاهب كما هي معروفة في مدارس الفقه والحديث، ولكن قد يكون أمرًا ما لا علاقة له بالتشريع، لكنه يتحول إلى مسألة خلافية أحيانًا، تشتد حولها النقاشات. فمثلًا، مسألة “حَقّْ اللَّهْ”، التي يُقصد بها عدة المرأة بعد وفاة زوجها، تُثار النقاشات حول صغار الأمور، مثل لون الإزار أو اللباس الذي ترتديه المرأة الرَّابْطَة حَقّْ اللهْ. فتصر معظم النساء على أن يكون أبيض، كما يقول الفقيه، ولا أحد يعلم من أين أتى الفقيه بهذا الأمر، في الوقت الذي نجد شعوبًا مسلمة أخرى تتخذ اللون الأسود لباسًا للأرملة مدة العدة، كما هو حاصل في مصر والعراق مثلًا.

صحيح أن التدين لا يدخل في صلب الاهتمامات اليومية للقرويين، ومن يهتم به عادة يكون منخرطًا في طريقة من الطرق الصوفية، وقلةٌ من يلازمون المساجد، وهم في الغالب من كبار السن وبعض الأطفال المْحَاضْرِيَّة، لكن هناك دائمًا في البادية نوعًا ما من التدين، وهنا يمكننا التمييز بين نوعين رئيسيين:

التدين الديني: ويشمل جميع الممارسات ذات الطابع الديني، من عبادات وشعائر تتعلق بالحلال والحرام، المنصوص عليها في نصوص التراث أو النص القرآني.

والتدين اللَّاديني: وهو تدين موازٍ، يتقاطع مع الديني في كثير من الخصائص، منها فكرة الحلال والحرام. وهذا التدين يشمل العادات والتقاليد والطقوس التي يمارسها القرويون في مناسبات مثل الزواج والطلاق ويوم العقيقة والميراث وغيرها، لدرجة أنه، في هذا العالم المُرَكَّب بشكل عجيب، يصعب الفصل بين الديني واللاديني. فكثير من العادات والتقاليد يمارسها البدو القرويون باسم الله، وشرع الله، وهذه العبارة بالذات تعكس تغلغل الدين في لاوعي الناس؛ فهي تشير إلى حاكمية الله، ومرجعية الدين في الحكم في النزاعات والخصومات، لكنها أيضًا، وهذا هو المثير في الأمر، عبارة تحمل في طياتها معنى التهديد، سواء بالقتل أو الضرب. فحين يحصل نزاع ما، وقبل إقدام أحد المتنازعين على فعل شيء سيئ بغريمه، يوجه له هذه العبارة:

  • هَا شْرَعْ اللَّهْ معاكْ، أو: بيني أو بينكْ شرع اللهْ.

وهذا لا يعني أنهما سيحتكمان إلى قاضٍ شرعي، أو إلى الشرع مثلًا، بقدر ما يعني توجيه إنذار بالانتقال إلى مرحلة العنف البدني.

ونجد هذه العبارة على لسان النساء القرويات تتكرر في مناسبات لا علاقة لها بالنزاع، فحين ترى المرأة، وأحيانًا حتى الرجال، حيوانًا ما غير مألوف، أو حيَّة، أو حيوانًا غريبًا كسحاة الليل، وقد خرجت من مغارة صغيرة سكنتها بالليل، بل حتى الضفادع في أوقات معينة، كالغروب، تأتي هذه العبارة:

  • حْنَا باللهْ أو الشْرَعْ معاكْ.

كبورة لها طريقتها الخاصة في التعامل مع الحيوانات وبعض الكائنات، وبطبيعة الحال تؤكد دائمًا أن هذا ما يقوله الله؛ ولا أحد يدري من أين تأتي بهذه الأقوال، ولا من أخبرها بأن الله هو من يقول، ومن قال.

وحين نقول بأن هناك التدين اللاديني في مقابل التدين الديني، فنعني به تلك الطرق والطقوس التي يتعامل بها القرويون والبدو مع الطبيعة ومظاهرها، ومع المخلوقات بشكل عام، وخصوصًا بعض أنواع الطيور والسحالي، ومفهومهم للوجود وللآخرة، وما يرتبط بها من الموت والحساب.

فكما كان الإنسان القديم في بداياته، تأخذ المخلوقات وبعض الظواهر الطبيعية أبعادًا دلالية أعمق من معناها اللغوي عند القرويين. ومن ذلك ما يُنسب إلى كثير من الضواري والجوارح والسحالي والطيور – بل حتى بعض النباتات، مثل شجرة السدر – من معتقدات، تشكل أساس النظرة الوجودية لتلك المجتمعات وتماسكها. وعلى سبيل التمثيل لا الحصر، نذكر بعض الأمثلة:

  • مُوكَة (البومة)

 في ثقافتنا القروية، التي تستمد كثيرًا من مقوماتها من الثقافة العربية القديمة، يشكل طائر البوم إشارة سيئة تبعث على التشاؤم، فهو طائر يجلب معه النحس والتعاسة والدمار. وحين يعلو صفيره في بعض الليالي، فإن ذلك يخلق شعورًا لدى النساء والأطفال بأن ملك الموت سيقبض روح أحدهم، أو أن بيتًا سيصيبه الخراب. هذه النظرة واقعية في جزء منها، لأن طائر البوم غالبًا ما يقطن الخلاء، أو البيوت المهجورة من أصحابها، وبعض الجِرَاف والأودية والأماكن الموحشة المقفرة، وبالتالي ارتبطت النظرة إليه بهذه الحقيقة، وتحول إلى رمز للخلاء والدمار، وشيئًا فشيئًا تحول إلى “فأل” سيئ في الوعي الجَمْعي.

  • لغْرَابْ (الغُراب)

ولأن هذا الطائر يحمل الكثير من المعاني، منها الغروب والغربة والغريب، ولكونه طائرًا أسود، والسواد يعني ما يعنيه من الخوف والحذر والتوجس والغموض والقبر أيضًا، فإنه صار طائر نحس، مثله مثل البومة. حتى صوت هذا الطائر ينبئ بالسوء والشر والشؤم، وحين يُسمع نعيق الغربان، فإن الناس في تلك المجتمعات، وخاصة النساء، يتعوذن من شره وشؤمه وسوئه، ويستعينون ببعض الأعمال أو الأقوال لمواجهة ذلك، وتسرع بعض النساء إلى إدخال أطفالهن وإبعادهم عن الطرقات.

  • الحمام

في الثقافة العربية القديمة، وإلى عهد قريب، كان الحمام طائر شؤم، وهديله يبعث على القلق والتوجس، ويعود ذلك لنفس الأسباب؛ فالحمام عادة ما يسكن “الخُطَّارات”، والآبار القديمة، والمساكن المهجورة، والخلاء، وأي شيء ارتبط بهذه الأماكن الموحشة يولد في النفس حالة من الخوف والتوجس، ومن ثم تأتي حالة التشاؤم من هذه المخلوقات.

و”سْحاة الليل” جزء من شبكة “المفاهيم” و”المعتقدات” التي تؤثث الوعي الجمعي لمجتمعات البدو، ومجتمعات الفلاحين والمزارعين. وحين أتحدث عن البدو، فأنا أعني بالتحديد الإنسان في ارتباطه بالطبيعة وكونه جزءًا منها. إلا أن ما يميز سحاة الليل (الخفاش) في ثقافتنا القروية أنه لا يدخل في دائرة المخلوقات التي يُتشاءم منها، ويُتطيَّر بها، وكل ما نجده في ثقافتنا المحلية أن “سحاة الليل” صفة لمن يتخفى أو يظهر فجأة في المساء، فنقول:

  • فلانْ بْحَالْ سْحاة الليلْ.

ونفس الملاحظة تسري على الحمام، فهو طائر يرمز إلى السلام، واتُّخذ شعارًا له منذ سنة 1949، وفي الثقافات القديمة أيضًا كانت للحمام رمزية دينية بلغت حد التقديس عند الإلهة عشتروت (عشتار). فمن أين أتى التشاؤم والتطير بهديل الحمام، على وجه التحديد؟ ولماذا كان آباؤنا ينهوننا عن تربية الحمام في البيوت بدعوى أنه يدعو إلى “خلائها” و”هجران” أصحابها ليسكنها من بعدهم؟

هذه الأسئلة تدفعنا إلى البحث في التراث والنصوص القديمة، والبحث في ثقافات ومعتقدات من سبق.

جاء في العقد الفريد: “إن الحمامة تبكي، وتغني، وتنوح، وتغرِّد، وتسجع، وتقرقر، وتترنم”. وفي اعتقادي، فإن هذا التأويل لصوت الحمام، الذي يجعل منه بكاءً ونواحًا، هو ما جعل الكثيرين يتشاءمون منه، حتى إن هديله تغنى به شعراء الغزل في ترجمة أحزانهم وأشواقهم وأوجاعهم من فراق الحبيب وبعده.

بينما الخفاش، رغم شكله المروِّع، ومظهره المخيف، وطبيعة خلقته، فلا هو بالطائر ولا هو بالحيوان، فإن هذا المخلوق الغريب ظل، لدى القرويين، خارج دائرة التشاؤم، وفي منأى عن التطير به، كما أسلفنا.

وبالعودة إلى رمزية هذا “الطائر-حيوان” في الحضارات القديمة والمعتقدات، سنفهم الأمر أكثر؛ أي: لماذا لا نتشاءم من “سحاة الليل” كما نفعل مع الغراب والبومة وهديل الحمام؟

في اعتقادي، وأثناء البحث في رمزية الخفاش عند الحضارات وفي الديانات، نجد أنه يمثل خماسية الخير عند الصينيين، وهو طائر شيطان عند المسيحيين، إلا أن هناك معطًى آخر يمكن اعتماده في تفسير علاقة السلام التي تربط القرويين بالخفاش، والهواريين على وجه التحديد. فهناك قرائن كثيرة تشير إلى أن هوارة كانوا من الشيعة، أو من موالي مدرسة أهل البيت. فإلى عهد قريب، في السبعينيات ومطلع الثمانينيات، كانت جدران منازل هوارة تُزين بصور الإمام علي وسبطيه، وصور أخرى تبين قطعه لرأس العفريت، وغيرها من الصور التي تشير إلى مكانة أهل البيت في المجتمع الهواري، ناهيك عن القصص التي ترويها الأمهات والجدات للأطفال حول بطولات “سَايْدْنَا” علي. ولا نزال نتذكر قصة تفوق الأسطورة، كانت كبُّورة والعجائز يروينها لنا ويضربن بها المثل، وتقول هذه الأسطورة:

يُحكى أن عليًّا غضب غضبة، فانتفخ وتضخم حجمه إلى درجة أنه لم يستطع أن يدخل من باب المدينة، وانتشر الخبر بسرعة، فجاءه رجل كان قد أدان عليًّا درهمين، فطلبهما منه أمام الناس، فاتَّضع، وذهب عنه الغضب، واستكان، وعاد إلى طبيعته وحجمه، وقال:

  • الدَّيْنْ دَيْنْ يَا كْحَلْ الخَدَّيْنْ، لُوْ يْكونْ دَرْهْمَيْنْ.

وهذه القصة تشتبه مع قصة أخرى ذات المعنى نفسه، حول رجل فقير كان يشتغل راعيًا عند مُلَّاكٍ غني يمتلك الأراضي والخيول، وتغيرت أحوالهما، فصار الغني فقيرًا مُفلسًا، وأصبح الراعي غنيًّا فارسًا. وبينما هو على صهوة فرسه ضمن سرب من الفرسان، جاءه صاحبه وسيده قديمًا، قاصدًا تصغيره وإذلاله، وقال له:

  • فْلانْ هاكْ هادْ جُوجْ رْيَالَاتْ كَتْسَالْهُمْ لِيَّا مَلِّي كُنْتْ خْدَّامْ عَنْدِي!!

فالتفت إليه الفارس مبتسمًا بشفقة، وقال له:

  • أرَاهمْ آوْدِّي، نْدَوْزُوهُمْ على ظَهَرْ الكِدَارْ!!

أوردنا قصة علي للدلالة على حضور هذه الشخصية، وقوة الرواية التي تقول بانتماء قبائل هوارة إلى العلويين أو الشيعة. وقد أشرنا في مقام آخر إلى “الكُرْزِيَّة” (العمامة) التي كان الرجال يتعممون بها، فيضعونها على رؤوسهم، وهي مطابقة لعمامة الشيعة في العراق وإيران.

من هنا، فإن موقف الهْوَاوَرْ من الخفاش ربما يعود، ويستند إلى هذا الانتماء إلى الطائفة “العلوية”، والتي تعتبر الخفاش آية من آيات الله. فقد ورد ذكره في القرآن، بحسب ما ورد في كتاب مستدرك سفينة البحار للشيخ علي النمازي الشاهرودي، الجزء الثالث، الصفحة (138)، في تفسير الآية الكريمة: ۩ إني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله۩ قال: وهو الخُفاش !!

 

روائي من المغرب

 

عن madarate

شاهد أيضاً

جسد المرأة من الوظيفة الإغرائية إلى الغاية الحجاجية، “هواجس شجرة”؛ لانتصار عباس – الخليل اخنيبيلة

الخليل اخنيبيلة*    مقدمة تعرف القصة عموما بأنها “مجموعة من الأحداث يرويها الكاتب”[1]. وأما القصة …

اترك تعليقاً