الرئيسية / الأعداد / العدد الخامس والسبعون والسادس والسبعون / أعمدة ثابتة 75-76 / بين الإلهام والانضباط: كيف يولد الإبداع؟ – محمد منير

بين الإلهام والانضباط: كيف يولد الإبداع؟ – محمد منير

إشراقـــــات

بين الإلهام والانضباط: كيف يولد الإبداع؟

 محمد منير*

 

غالبا ما نرى أن لحظة الإبداع ما هي إلا ومضة سريعة تخالص المبدع، وكأنها أتية له من عوالم غامضة، أو أنها لحظة استثنائية تشكل لنا فكرة كاملة مكتملة، وهذه الرؤية الرومانسية للإبداع قد رسخت الاعتقاد القائل أن المبدع شخص محظوظ، تعانق الفكرة فجأة، فتأتي القصيدة إليه مسرعة، واللوحة مكتملة، وتتجمع لديها القصص والروايات بدون عناء يذكر.

والحقيقة أكثر عمقا وتعقيدا..

الإلهام رغم ضرورته وأهمية، لا يكفي لإنتاج عمل إبداعي قوي ومتماسك وخالد، فالفكرة الأولى ماهي إلا شتلة، أما الشجرة التي تثمر جمالا وتترك أثرا، لا تحقق ذلك إلا عبر الصبر والعمل المتواصل، وبين الشتلة الأولى وساعة نمو واكتمال العمل الإبداعي سفر طويل من تأمل ومراجعة وتجريب وتطوير.

فالمبدع المتمكن والحقيقي لا يترقب الإلهام دائما، انما يهيئ له الظروف يعانقه، يقرأ، يراقب العالم بيقظة، يستمع إلى نبض الحياة، ويعيش تجربة إنسانية، يغذي مخايله ويثري رؤيته، هكذا يصبح الإبداع اسلوب حياة لا حدثا عابرا.

إن تاريخ الإبداع الإنساني يقدم لنا دروسا بليغة في هذا المجال، فكل الانتاجات الإبداعية التي هي إلى الآن مازلت حية في الذاكرة البشرية لم تكن ولادتها في لحظة عابرة، وإنما هي ثمرة اشتغال إبداعي ومثابرة عمرية واجتهاد لسنوات.

فخلف كل عمل عظيم، حي وثابت في أرض الإبداع، سنوات من الاجتهاد والمحاولات، والبحث والصقل والمحاولات المتكررة للوصول إلى منتج صادق وأكثر عمقا ابداعيا.

هنا نجد توازنا بين الإلهام والانضباط، فالإلهام يعطي المنتج الإبداعي روحه، بينما النضباط يمنحه الشكل والقوة والحياة.

فاليوم وأمام تسارع الحياة وهيمنة العولمة، وامام قوة المغريات وتشتت الرؤى وتسارع الإيقاعات ، تحضر قيمة الانظباط الإبداعي أكثر مما مضى ، إذ المبدع اصبح ملزم بحماية وقته ، ومنح مشاريعه الإبداعية كل الاهتمام والرعاية ، فالموضات العابرة إن لم يتم القبض عليها بقوة انضباطية ، لايمكنها أن تخلق لنا منجزا ابداعيا خالدا ، فالابداع ليس موهبة فقط ، انما هو مشتل يتطلب منا مهارة الاعتناء به ، وهي مهارات تنمى وخبرات تكتب ، واستماع يومي للحياة ، الموهبة تقوى بطرح أسئلة كبرى ، والتزام بمشروع إبداعي يتطور ويترك أثره في الناس والحياة .

وفي «إشراقات»، نؤمن بأن الموهبة هدية ثمينة، لكن قيمتها الحقيقية لا تتجلى إلا حين يساندها الاجتهاد. فالإبداع الذي يغير العالم لا يولد من ومضة عابرة وحدها، بل من لقاء نادر بين الحلم والعمل، وبين الخيال والانضباط.

في العدد القادم سنتساءل معا:

” هل يبقى الإبداع فعلًا فرديًا، أم أن التعاون بين المبدعين قادر على إنتاج أثر يتجاوز حدود الجهد الشخصي؟”

كاتب من المغرب

 

 

عن madarate

شاهد أيضاً

جسد المرأة من الوظيفة الإغرائية إلى الغاية الحجاجية، “هواجس شجرة”؛ لانتصار عباس – الخليل اخنيبيلة

الخليل اخنيبيلة*    مقدمة تعرف القصة عموما بأنها “مجموعة من الأحداث يرويها الكاتب”[1]. وأما القصة …

اترك تعليقاً