الرئيسية / الأعداد / ملف خاص بالمرحوم الشاعر محمد الشحات دراسات:الدلالة في ديوان ” رجفة المقامات ” للشاعر محمد الشحات – فطنة بن ضالي

ملف خاص بالمرحوم الشاعر محمد الشحات دراسات:الدلالة في ديوان ” رجفة المقامات ” للشاعر محمد الشحات – فطنة بن ضالي

الدلالة في ديوان ” رجفة المقامات ” للشاعر محمد الشحات فطنة بن ضالي

 

كل تجربة إبداعية إلا ولها خصائصها التي تميزها عن غيرها، من حيث رؤى الشاعر للواقع بمفهوميه الواقعي والرمزي، وما تصبو إليه الذات الشاعرة مستقبلا ، معبرة عن أفكارها ومواقفها و سلوكاتها في معانيها ودلالتها وأشكالها وأسلوبها بكيفية أو أخرى، “فلكل جنس – أدبي – أشكال تعبيره  الضرورية المحددة ، والتي لا تقتصر على تكوينه فحسب ، بل تشمل أيضا مفرداته ونحوه وأشكاله البلاغية وأدواته الفنية التصويرية.”[1] ونود أن نقف على خصائص تجربة  الشاعر محمد الشحات في ديوانه “رجفة المقامات ” نقارب خلالها  بعض مكونات ومقومات وخلفيات النصوص الإبداعية فيه.

الحال والمقام

يذهب تمام حسان إلى أنه لا يمكن للنصوص المكتوبة أن تقرأ وتفهم إلا بإعادة بناء صورة لمقام كتابتها ” وفي بناء هدا المقام الأصيل بناء جديدا بواسطة وصفه كما كان لا بد من الرجوع إلى الثقافة  عموما والتاريخ بصفة خاصة، وكلما كان وصف المقام أكثر تفصيلا كان المعنى الدلالي الذي نريد الوصول إليه أكثر وضوحا .”[2] ويقول البلاغيون ” لكل مقام مقالا ” وما دمنا بصدد دراسة ديوان ” رجفة المقامات “، للشاعر محمد الشحات ، فلابد من الوقوف عند دلالة ومعنى “المقام” من أجل إضاءة ومقاربة النص، غير أن تمام حسان يعقب على القول السابق بقوله : “إن مجموع الأشخاص المشاركين إيجابا أو سلبا ، ثم العلاقات الاجتماعية والظروف المختلفة والزمان والمكان، هو ما أسميه المقام ، وهو بهذا المعنى يختلف بعض اختلاف عن فهم الأولين الذين رأوه حالا ثابتة ، ثم جعلوا البلاغة مراعاة مقتضى الحال.”[3].

أما عند أهل التصوف ” فالمقام -عندهم – معناه مقام العبد بين يدي الله عز وجل فيما يقام فيه العبادات، والمجاهدات والرياضات ، والانقطاع إلى الله تباركت أسماؤه ، ومنه آية القرآن :(ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد)”[4] (سورة إبراهيم آية 14).   فالمقام والحال خاص بالانقطاع إلى الله ، فهو سلوكات في حضرة الأنوار والأسرار. ويعتبر السابقون المقام حالا ثابتة ، يجب أن تراعى في البلاغة ، لكن تمام حسان يراها غير ثابتة ، بل متحولة بمعنى تصبح متعددة تحيل إليها الثقافة بتنوعها وشموليتها والتاريخ وصيرورته، والمقصود بالثقافة هنا : “ما يشمل مجموع العادات وطرق السلوك والتقاليد والمعتقدات ..”[5]. ومعنى هذا فالمقام أحوال وسلوكات ، يدل عليها الكلام والنصوص المكتوبة بكل أشكالها . وفي هذا السياق ، ونحن أمام ديوان “رجفة المقامات ” يمكن الإشارة إلى تجربة الشاعر محمد الشحات الشعرية ، فهي تجربة طويلة ممتدة في زمن غير يسير مكنت الذات الشاعرة من تراكم معارفها الواقعية والجمالية والرمزية إذ ” يمتلك الشاعر محمد الشحات تجربة شعرية ثرية  تمتد من السبعينات حتى الآن ، أنتجت 17 ديوانا تخللتها نقلات مهمة تمكن خلالها الشاعر من تطوير أفكاره ورؤاه الفنية والجمالية مستهدفا خصوصية و فرادة  قصيدته واختلافها عن القصيدة السبعينية  تحديدا التي أحاطت ببدايته الأولى “[6] ، مسيرة إبداعية اكتنفت الذات الشاعرة عبرت فيها عن منطقها وأفكارها ورؤاها، وتقنيات وأساليب تعبيرها، وكذلك عن عالمها الرمزي، وواقعها المعيش وتحولاته، ووجعها، وغربتها، وحبها للوطن، وصراعها الواقعي والنفسي ، ورغباتها وأمانيها بكل أبعاد الرؤى الفنية والإبداعية .

وديوان” رجفة المقامات ” هو الديوان الأخير للشاعر محمد الشحات صدر عن دار الأدهم سنة 2020. وهو الديوان الثامن عشر في مسيرة الشاعر الإبداعية ، مع خصوصية سنة النشر، حيث تعرف الفترة بعد ثورة مصر السياسية، ثورة النشر على الفضاء الأزرق إلى جانب النشر الورقي ، والديوان عبارة عن 180 صفحة تغطيها أربعون قصيدة ، بما فيها قصيدتي “مفتتح” و”خاتمة” .

 الصمت والكلام

      يستهل الشاعر ديوان “رجفة المقامات” بنص معنون ب “مفتتح” ويختمه بآخر معنون ب “خاتمة “، يتكامل النصان في انسجام تام ، معنى ومبنى في رمزية تعبيرية بأسلوب يميز الشاعر ويحقق المعاني المتناسلة بإيحائية وتناسق ، حيث يطرح الشاعر في المفتتح التحول الذي وقع على الذات الشاعرة بانتقالها من مقام الصمت، في مقابل الكلام والنطق . ويعتبر بعض البلاغيين الصمت من صنوف البلاغة، ويعبرون عنه بالسكوت، قال صاحب كتاب الصناعتين: ” لم يفسر أحد البلاغة تفسير بن المقفع إذ قال: البلاغة اسم جامع لمعان تجري في وجوه كثيرة ، منها ما يكون في السكوت، ومنها ما يكون في الاستماع “[7]، وعلى هذا فإن التواصل يحدث بالصمت كما يحدث بالكلام، ويجعل الباحثون للتواصل وسيلتين اثنتين؛ أولاهما لفظية ، وهي التي تستعمل الألفاظ ، وثانيتهما غير لفظية ، وهي التي تعتمد كل ما ليس لفظا. ويدخل الصمت ضمن هذه الأخيرة. والكلام كشف وإيضاح في صور و أساليب مختلفة و يعرفه اللغويون ، فيميزونه عن اللغة، كما في قول تمام حسان ” فالكلام عمل واللغة حدود هذا العمل ، والكلام سلوك واللغة معايير هذا السلوك، والكلام نشاط واللغة قواعد هذا النشاط ، والكلام حركة واللغة نظام هذه الحركة، والكلام يحس بالسمع نطقا والبصر كتاب …واللغة تفهم بالتأمل في الكلام.”[8]  فالكلام نشاط  فردي و الشاعر في كلامه الإبداعي يرمي إلى بناء عالم  جمالي تجد فيه الذات الشاعرة وجودها الحقيقي الرمزي فضلا عن الواقعي، ونَسج هذا العالم يحتاج إلى التعبير في الكتابة عن وعي تام عن معاناة الذات الشاعرة و تحولها من حال الصمت إلى حال الكلام ، إنها تجربة داخل الكلام بمعناه الفردي وما يتضمنه من خصوصية ومن مشترك عام داخل اللغة إلى جانب الخاص.

يقول الشاعر :

انتهيت من الصمت

لم أنتبه

أن خيط الكلام تشابك .[9]

فالكلام هنا يدل على الإبداع المكتوب المحتل مساحة في الفضاء على البياض، بدأت خيوط معانيه تنسج وتطفو على الورق، دون صراع مرير ، بل عن طواعية ، وتلقائية ، إذ تنسكب المعاني في أساليبها مسبوكة نظما فريدا مميزا ، كما يقول عبد القاهر الجرجاني :

” فإذا ما وجب لمعنى أن يكون أولا في النفس وجب للفظ الدال عليه أن يكون مثله أولا في النطق “[10] و ” ذلك أنه لا يتصور أن تعرف للفظ موضعا من غير أن تعرف معناه ، ولا أن تتوخى في الألفاظ من حيث هي ألفاظ ترتيبا ونظما (…) وأنك إن فرغت من ترتيب المعاني في النفس لم تحتج إلى أن تستأنف فكرا في ترتيب الألفاظ (…) ذلك أن العلم بمواقع المعاني في النفس علم بمواقع الألفاظ الدالة عليها في النفس”[11].  هكذا فحين تهيأت للذات الشاعرة الاستعدادات النفسية عبرت عنها بتلقائية عن طبع وسجية بمعانيها وأساليبها ونظمها الخاص بها .

أما النص ال “خاتمة” فيشد أوصاله إلى المفتتح على مستوى المعنى والمبنى ، تتمة فعل الكلام ونتيجته من جهة ، وأساليب مثل جملة ” لم أنتبه ” من جهة أخرى ، وتتكئ الخاتمة في تعميق المعنى على رمزية ” الزيتونة ” في قول الشاعر :

زيتونة

مالت على أعتاب بيتي

فارتميت أشمها.[12]

إلى أن يقول :

وينام في حباتها زيت

يضاء بنور خالقه

إذا مسه نار أو لم يمس .[13]

هي شجرة جذورها في الأرض ممتدة مباركة وفروعها في سماء الإبداع أثمرت قصائد في حال الكلام والإبداع استغل الشاعر في ذلك ما ترمز إليه ” الزيتونة ” في علاقتها بالنور والإشراق في قوله تعالى في سورة النور الآية 35 :” …الزجاجة كأنها كوكب دري موقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضئ ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء “. هذا ما أسفر عنه الكلام غرس نما وترعرع كشجرة مباركة زيت ثمرها صاف خالص ، وذلك بعد تقويم فروعها وتهذيبها في قوله :

فأردت أن أحنو على

أعوادها

وأشدها كي تستقيم فروعها.[14]

أنتجت قصائد فيض تشع نورا تنساب في سلاسة ، كما يدل على ذلك قوله ” فطاوعتني “.[15]

حيث يشير الشاعر إلى نضج التجربة الشعرية وإلى وعي الذات الشاعرة وقصدها وقصد صورها وأساليبها ورعايتها وتهذيبها يقول : ّ
وقع الخطى

هز انحناء فروعها

فتساقط الزيتون

قبل أوانه

لم أنتبه

لهشاشة نامت ببطن الأرض

حين غرستها.[16]

هكذا يبدي الشاعر نضج التجربة والاستعداد للإبداع في اللحظة الفيضية التي تمكن من اختيار الألفاظ للمعاني اختيارا يتوحد فيه اللفظ بالمعنى في وحدة الذات الشاعرة وكفايتها. وبدا النص الثاني متصل المعنى بالأول مفسرا له ومؤكدا له،  مرورا بأحوال  الذات المبدعة من الصمت إلى مقام الكلام، وقد استعمل الشاعر للدلالة على ذلك الأفعال الماضية مخبرا بها عن حاله الماضية (انتهيت، غرست)، وكذلك المضارعة الدالة على الحال والمستقبل (أحنو، أهفو)، وجل الأفعال في النص مسندة إلى ضمير المتكلم أو إلى الشجرة، حيث يهيمن على النصين الأسلوب الخبري أكثر من الإنشائي، ومع ذلك فالشاعر ينوع  الأساليب  في تصوير حال تحوله من الصمت إلى الكلام ، وتصوير حاله في مقام الكلام، مستغلا إمكانات اللغة وأساليبها. وأوضح المعاني باستعمال المجاز والانزياح، مصورا الكلام في شتى الصور فهو تارة تتشابك خيوطه ، مستعيرا له شيئا من لوازم الثوب وتارة يجعله يغضب ويستعير له صفة الإنسان ، كما جعل الزيتونة إنسانا والحبات غرف يُنام فيها على سبيل الاستعارة، في قوله ( وينام في حباتها زيت) ، كل ذلك في إيقاع قوي وحدته ” متفاعلن “ وما يجوز فيها في النصين معا، وتكرار بعض الأوزان الصرفية، مثل تفاعل في مثل(تشابك – تساقط )، وافتعل (انتهى – اختلط).

ومما يقوى وحدة النصين تلك الصلة التي عبر عنها الشاعر بين الصمت والكلام إذ ينتج أحدهما عن الآخر، وأن المتكلم كي يسلم من غيبة الكلام واجتياح الصمت (السكوت)، لابد أن يعرف أين وكيف ومتى يتكلم أو يصمت. قال صاحب كتاب الصناعتين: ” وينبغي أن تعرف أقدار المعاني ، فتوازن بينها وبين أوزان المستمعين ، وبين أقدار الحالات ؛ فتجعل لكل طبقة كلاما ، ولكل حال مقاما ، حتى تقسم أقدار المعاني على أقدار المقامات ، وأقدار المستمعين على أقدار الحالات .

وأعلم أن المنفعة مع موافقة الحال وما يجب لكل مقام “[17].

ولذلك صور الشاعر للكلام صورة زيتونة غرست وكبرت هزها وقع الخطى فتساقط تمرها قبل أوانه ، لأنها غرست في أرض هشة ، لكنه رعاها بأن شد فروعها فطاوعته لتعود لطبيعتها، كذلك الكلام يلزمه الحرص والتهذيب ليستميل القارئ ويدخله جو الإبداع بصوره الأدبية المختلفة ومعانيه وأساليبه الجمالية، والتي تحقق له تماسكه وانسجامه واتساقه، فإذا نظرنا إلى قوله في المفتتح :

لم أنتبه

 

أن خيوط الكلام تشابكت

واختلطت أحرفي

فرحت أساومها حين فرت .

وقوله في الخاتمة :

لم أنتبه

لهشاشة نامت ببطن الأرض

حين غرستها

وأظل أهفو كي أشم تمارها .

فإننا نجد أنفسنا في نفس السياق مع انسجام تام أدى فيه التوازي المعنوي واللفظي دورا مهما في تكامل وتوحد النصين تركيبا ودلالة ، أدت فيهما جملة النفي ” لم أنتبه” دور بؤرة التعبير عمقت المعنى والصورة في تناسب تام العناصر .  يقول تمام حسان ” إن النص الأدبي كالجسم الإنساني ، لا يتصف بالجمال إلا إذا تحققت له الصحة؛ ولا يكون المنظر الجميل للجسم العليل من هنا يحق لنا أن نتوقع عطاء لغويا في مجال النقد ، يبدأ من أصوات النص ، فيمر بمقاطعه ، وصيغ كلماته ، ومعاني مفرداته ، وعلاقاتها في السياق ، وتركيب جمله ، وأسلوب أدائه ، وتناسب عناصره ، وملاءمته لظروف استعماله(…) والإشارات الإيحاءات والرموز والومضات …”[18]

هكذا فعلاقة النصين علاقة جزأي صورة مركبة من صورة الكلام ومدى مطابقته لمقتضى الحال والمقام وصورة الشجرة الزيتونة المغروسة مع مراعاة أوان غرسها ، وتعهدها ، كما يتعهد الكلام المبدع في التعبير عن مقصد الذات الشاعرة ، لينتج قصائد مشعة نورا كما تنتج الزيتونة حبات زيتها ينير (إذا ما مسه نار أو لم يمس)، وهذا ما يحقق للكلام والقصائد البلاغة ، حيث ” البلاغة ما تبلغ به المعنى قلب السامع فتمكنه في نفسه كتمكنه في نفسك مع صورة مقبولة ومعرض حسن “[19].

والشاعر محمد الشحات تأتى له ذلك الاستعداد والتمكن في النفس ، فبلغه في ملاءمة متناسب العناصر بأساليب بلاغية وفي سياقه المراعي للأحوال والمقامات .

رحلة البحث والكشف

يُدخل الشاعر المتلقي عالما روحانيا في القصيدة التي يحمل الديوان اسمها
” رجفة المقامات” ، والتي تغطي واحدا وعشرين صفحة من فضاء الديوان، وتدل القصيدة على خبرة الشاعر الواقعية والإبداعية في تشكيل معانيها في وحدة عضوية متكاملة معبرة عن عالم الشاعر الخاص .ويستهلها بقوله:

طال المقام

فشدني من طوله

ما قد تلبد وانثنى

وكشفت من أسراره

ما هزني حتى اكتويت

وما رحت إذا انتهيت بأني

سأظل أبحث في متاهات المقام

وأرتوي .[20].

حيث يذكر فيها المقام دون أن ينعته،  ثم يسترسل مستجليا حالات الذات الشاعرة في عشر مقامات وأحوالها مسميا إياها .

حالات نفسية روحانية تكتنف الذات الشاعرة في مقام التأمل في الوجود في المكان والزمان المعينين، تعززها الجملة “شدني” تأكيدا على تعلقها بما يوحي من أسرار، حتى تتوق لكشفها ، إشارة هنا إلى المعرفة التي تحصل بالكشف وتدرك بالمجاهدة، هي معرفة ذوقية تستفاد من قوله (هزتني حتى اكتويت ) مكانها القلب، وإدراك الأسرار النورانية ، والاستمرار في التجربة الوجدانية التي يحصل بها التواصل (سأظل أبحث) حتى ينزاح، (التلبد)، أي الحجاب،  وتكشف الأسرار، وأرتوي بالمعرفة ونور الأسرار.

ومضيت أبحث

في فضاء الكون

عن دفء أصادقه .[21]

يعلن الشاعر هنا عن استمراره في رحلة البحث المضنية منذ زمن مضى (مضيت) إلى الحال الذي يدل عليه معنى الفعل من التنفيذ والاستمرار، شأن الصوفية ينشغل بالبحث صارفا نفسه عن عالم المحسوسات والمعقولات . حيث يفرق الصوفيون بين المقام والحال ” أما الحال فنازلة تنزل بالقلوب فلا تدوم، والفرق بين المقام والحال، أن المقام يكتسب بطريق المجاهدات والعبادات والرياضات، وأن الحال يأتي من فيض الله، قال عنها الجرحاني : الحال عند أهل الحق معنى يرد على القلب من غير تصنع ولا اجتلاب (…) فإذا مادام وصار ملكا يسمى مقاما، فالأحوال مواهب، والمقامات مكاسب، والأحوال تأتي من عين الجود، والمقامات تحصل ببذل الجهود”[22].. يقول الشاعر:

هذا مقام العارفين

فدع معارفك القديمة

والتقط من نور قلبك

نفحة تمضي بها.[23] .

وأيضا:

هذا مقام الواصلين

الواثقين بوصلهم

والواقفين

على مشارف طاقة الأنوار[24].

وهكذا تستمر الذات الشاعرة في تغير أحوالها من مقام إلى آخر، فمن مقام الوجد، إلى مقام العشق، ومقام الخوف، إلى مقام النادمين، ومقام العارفين ، ثم مقام الواصلين ، إلى مقام الحزن، ومقام النازفين، ومقام الخائفين المنهكين . وأخيرا يقول :

هذا مقامك

فاستعد

من كل ما يدنيك

واسكن هدأة الأعضاء

وارتحل كيما ترى

عينا معلقة ونورا ساطعا .[25]

تتوسل الذات الشاعرة بعد التوبة والرجاء والخوف إلى تلمس أنوار الفيض في كل لحظة وتسلك من أجل ذلك البحث في رحلة لا تنتهي عبر عنها الشاعر في أكثر من مرة في القصيدة يقول :

فارتحل

تنجو بنفسك .[26]

ويزيد :

الآن تعرف ما يعنيك

كي تواصل رحلة

لا تنتهي[27].

هي رحلة محاسبة النفس والتخلص من واقعها الذي يثقلها بهمومه ومن معرفته الحسية، والبحث عن المعرفة الحقة عن طريق كشف الأسرار، تلك المعرفة التي تتعدى الإحساس وتجعل الأعضاء ترتجف ندما أو خوفا ورجاء للمغفرة والاستقامة .يقول :

أترك رجفة الأعضاء تأتي

فجأة.[28]

يا رجفة تأتي ولا تأتي

فحاول كي تلوذ بها / كي تحتويك[29].

والسائرين على رمال تشتكي

من رجفة الأعضاء.[30].

فالرجفة والرعشة والزلزلة من هول الدهشة حالات تعتري الذات الشاعرة، في طلبها كشف الأسرار، تلك الرجفة التي تنتج عن دخولها عالم المعرفة الذوقية،  يقول عنها أدونيس مجيبا عن السؤال :

” ما الطريقة التي يستخدمها التصوف لتحقيق الكشف ؟. والجواب هو أنه ميز بين العقل والقلب، الأول لمعرفة العالم الخارجي، عالم الظواهر، والثاني لمعرفة الباطن، العالم الحقيقي ، ميز بالتالي ، بين عالم الشريعة ، وعالم الحقيقة ، للعقل منهجه الخاص: التحليل والبرهان، وللقلب منهجه الخاص : الحدس ، الإشراق ، الذوق . هكذا رفض التصوف المنهجية العقلية ، وهو لم يرفض نظام هذه المنهجية وحسب وإنما رفض كذلك نظام الحياة القائمة على مقاييسه ، من أجل مزيد من انخراطه فيما لا ينحد ولا ينتهي”[31] .

فهي أحوال تعيشها النفس الراغبة في كشف الأسرار، وخوالج نفسية صادقة تنم عن رهافة الإحساس والذوق، والرقي في الصفاء والطهر، والتطلع إلى الأنوار السنية، عالمها رحب غير محدود. عبّر عنها الشاعر في رحلة بحثه عن الأسرار في مقاماته في القصيدة .

الشاعر والتحول

يبدو أن الشاعر في تجربته – ككل الشعراء – يعيش التحول على مستوى الواقع وعلى مستوى التجربة الجمالية ، فقد عبر عن واقعه في دواوينه السابقة بكل ما يحمل من صراعات؛  ألم ووجع وغربة واغتراب ، حيث تناول الشاعر هذا الواقع في جوانبه المتعدد من انتصارات وانكسارات في كل المجالات الكونية والوطنية والذاتية ، متأملا إياه تارة، وتارة أخرى متأملا إياه في علاقته بذاته . يقول في أحد دواوينه السابقة :

– هذي أصوات القلب الحامل ألم العالم [32].

وفي مكان آخر

– فانزع رأسك

وابحث عن رأس تحمله

كي تحيا حرا أبديا [33].

وتبدأ الذات الشاعرة تأملها لذاتها وصراعها مع الجسد والتخلص من المحسوسات ومن الانغماس في تفاصيل الحياة المعيشة، فتصبو إلى السمو لعالم آخر روحاني حيث الصفاء والنقاء ، وتبدأ رحلة البحث المستمر بالإفصاح والكلام. مشروع إبداعي متكامل المكونات والعناصر تستبطن فيه الذات الشاعرة ذاتها،  تتأملها وتتأمل سلوكاتها، ثم تتأمل الأشياء من حولها ، كما تتأمل الوجود .  يقول:

انتهيت من الغناء

وما سمعتك

حينما تشدو [34].

انتهيت بأن وجهي

عندما عاينته

ما عاد وجهي[35] .

وقال أيضا :

حتى انتهيت من البكاء

تركت وجهي يستحم بما بكيت .

إدراك من الشاعر وإحساس بكل التحولات النفسية وسمو الروح وتوقها إلى التخلص من المحسوسات بعد تأملها ذاتها ، فيبدأ رحلة الإفصاح عما يخالج النفس ، وما يهواه القلب، كرغبة تهيأت لها الذات الشاعرة من مواصلة البحث المستمر عن الوجود الحقيقي ، ونمو الذوق والحدس متحررا من قيود الواقع الضيقة ،  بقوله في ديوانه “رجفة المقامات “: (انتهيت من الصمت ).

إنها معاناة الشاعر في تأمله لذاته،  يتأمل الوجود وأسراره،  مبتعدا عن ضغوط ضرورات العيش وتفاصيلها التي تجبر الإنسان على المشاعر السلبية في بعض الأحيان ، منطلقا إلى الوجود الرحب الواسع الذي يحقق للذات المبدعة توازنها النفسي مبحرا في تأمل الأشياء في جواهرها ، فيحلق في فضاء الإبداع بالخيال والصور الإيجابية ، ملتقطا لحظات الصفاء والتجلي . شأنه في ذلك شأن الصوفية محكما ذوقه وحدسه ،  ” ومعنى ذلك أن الصوفي لا يقيم بينه وبين الطبيعة وأشيائها علاقات عقلية ، وإنما الطبيعة عنده مجرد مجمع الرموز ، والصور والإشارات ، وعلاقاتها بهذا كله – قلبية بالمعنى الصوفي للكلمة “[36].

لكننا نفرق بين خروج الذات الشاعرة من الصمت إلى الكلام في مقام الإبداع والتعبير عن لواعج الذات وأفراحها ورغباتها ، تبعا لنموها واقعيا وإبداعيا ، وبين دعوة الشاعر إلى نوع آخر من الصمت وهو الصمت الإيجابي (الذي يتم فيه التواصل) في حالات الوصل في مقامه بعد المجاهدة . يقول في قصيدة وقت الصمت :

جاء وقت الصمت

ودع حروفك ترتخي

واسترخ في لغة الهوى

كي تستريح

كل أشكال الكلام تلوكنا

فاترك لصمتك فسحة

واكتب نجاتك بالرحيل

وسلم رايات الكلام .[37]

إذ يدعو الشاعر إلى الصمت والسكوت ، مخاطبا ذاته، في مقام الوصل، متكئا على الجمل الطلبية في القصيدة (أترك ، أكتب ، سلم) معللا أحيانا ( كي تستريح ، نجاتك ). وعلى خلق الصور المجازية والاستعارية، التي تمكن الشاعر من التعبير عن معانيه،  مثل قوله :  (دع حروفك ترتخي )، و( أشكال الكلام تلوكنا )، مكنيا عن حالة الوصل بدون كلام ، والتي يصبو إليها كل صوفي ( سلم رايات الكلام ). ويفسر أدونيس لجوء الشعراء إلى المجاز في تجاربهم إلى أن شعرية المجاز تكمن في لا مرجعيته ” أي في كونه ابتكارا ، كأنه بداية دائمة، لا ماضي له، وهو ، بوصفه طاقة لتوليد الأسئلة، يجدد الإنسان فيما يجدد الفكر واللغة والعلاقة بالأشياء(…) وهكذا يصلنا المجاز بالبعد الآخر للأشياء – بعدها اللامرئي.”[38] .

إنها أخلاق الصوفي وأحواله ومقاماته، فإذا كانت الأحوال مواهب والمقامات جهد ومكاسب، فالصوفية يرون ” الإنسان بين حالين : الأول : حال المجاهدة ، والثاني : حال تلقي الفيض. إذ الشخصية الخلقية لا تنفك تجاهد الأهواء والشهوات ، ولا تزال موجهة القلب إلى النفحات الروحانية ، فهي في شغل موصول بمواجهة أسباب الصفاء “[39]. ويقول الشاعر أيضا واصفا حاله في المقام في قصيدة الضوء المباغت:

حتى ذاب

وجد الوجد

حين لمست

ورد الورد

حتى زاد الضوء

غطاني قليلا

فانتشيت

وذبت .

حتى حلقت مني الجوارح

فازداد ضوئي

انفلتت إلى مدار العاشقين

وأمسك

بارتعاشات الهوى [40].

هي حالات في مقام الوجد ، ومقام الوصل،  يصفها  الشاعر مع الضوء المباغت الذي ملأ عليه الفضاء حتى تخلص من جوارحه ، ودخل مدار العاشقين ، كما يقول زكي مبارك “فالنفس قد يكون لها في الحال الواحد مئات من الأشكال ، وقد يتقلب القلب في اللحظة الواحدة إلى ضروب مختلفة من الأنس واليقين ، وتلك وثبات روحية لا يعلم تصرفها غير علام الغيوب “[41].

كانت تجربة الشاعر في رحلته الإشراقية تجربة تخلصه من الجسد وما يتبعه ، وتسمو بنفسه إلى المقام العالي ، حتى قال:

فيجتمع الضياء

يشع من أسوار صدري .

هكذا يعبر الشاعر عن أحوال المحبة والتطلع والسمو إلى اللذة والظفر بها، في توتر واشتياق في مدار العاشقين، إنها تجربة صوفية وما تتحمله الذات الشاعرة من معاناة في عيشها والتعبير عنها كتابة ، يقول أدونيس عن هذه التجربة ” لا تقدم التجربة الكتابية الصوفية أفكارا بالمعنى الفلسفي التجريدي، وإنما تقدم مجالات ومناخات ، وهي تسرد ، ولا تعلم ، وإنما توقظ الأشياء وتفجر أسرارها “[42].  ففي هذا السياق يمزج الشاعر في تجربته الإبداعية بين التقاط اللحظات الحياتية بفنية فائقة معبرا عن إحساسه بالزمن وبالتحول الذي تعيشه النفس الإنسانية ، فتغدو القصيدة عنده مستمرة في قطع المراحل تبعا لمراحل الذات المبدعة وتاريخها الواقعي والرمزي النفسي، معلنة رغبتها في التخلص من المحسوس واللجوء إلى عالم روحاني وإلى إشراقاته وكشف أسراره وأنواره . كل هذا في إطار تطور تجربة الشاعر محمد الشحات الفنية التي تمد الجسور بين الشعر الحديث والموروث الثقافي الشعري الصوفي ، وتعبر عن تنامي الذات الشاعرة وتنامي تجربتها ، وخلق عالمها الخاص بلغته وصورها الرمزية المبتكرة ، حيث تنم عن ذوق رفيع وكفاية فائقة في اختيار المعنى الملائم للمبنى في انسجام وتناسق، لقد عرفت مسيرة الشاعر تحولا كبيرا نتيجة نضج التجربة على مستوى حضور النزعة الإنسانية في جل الدواوين السابقة ، إنه مشروع فني إبداعي حرص الشاعر على تطوره.

والقارئ ديوان “رجفة المقامات” يجده يبدأ بالقصيدة المفتتح وينتهي بالقصيدة الخاتمة متممة للأولى ومحققة دائرتها المغلقة على نفسها وعلى عالم الذات الشاعرة في رحلة البحث في العالم الروحاني وما يعتري تلك الرحلة من طقوس وأحوال ومقامات في القصائد نصوص الديوان ما بين البداية والخاتمة ، كل ذلك في وحدة منسجمة عضوية غطت فضاء الديوان، قال زكي نجيب محمود عن الوحدة العضوية  للقصيدة: “لا يمكن أن يقول الشاعر قصيدته إلا وهو في حالة معينة دعته إلى قول هذه القصيدة ، وهذه الحالة عضوية ، أعني تمثل وحدة عضوية انتثرت في شكل أبيات بحكم طبيعة الكلام نفسه ، فليس هناك اللفظ المجمل الذي يخرج الإجمال الداخلي ليمثله في إجمال خارجي . ومهمة الناقد في هذه الحالة هي أن يقوم باستقصاء حلقات السلسلة بحيث تخلق في ذهنه نوع الحالة التي مر بها الشاعر، والتي اضطرته إلى تجزئتها”[43]. وهكذا يمكن القول إن الديوان في انسجام نصوصه ، يمثل وحدة عضوية انتثرت قصائد على الصفحات ما بين دفتيه.

في ديوان “رجفة المقامات” يعيش الشاعر التجربة الشعرية والتجربة الصوفية ، إذ تلتقيان في كون كل منهما تجربة وجدانية ، يقتضي التعبير عنها الخيال الواسع  والحدس في تقريب صور معانيها العميقة ” الشعر بحسب هذه الجمالية ، كمثل النسيم المبثوث  في العالم ، حيث الإبداع انبثاق ، يشيع الحياة في كل شيء ، وحيث تزول الحدود بين الأنا و الآخر ، الذات والموضوع وتتآلف الأطراف “[44] ، ولذلك ائتلفت نصوص الديوان  كانت ثرية الدلالات والإيحاءات ، رقيقة العبارات سهلتها متنوعتها ، تبعا لما تتميز به نفسية الشاعر من رقة الإحساس والشعور وسمو العاطفة ونبلها.

مراكش في 03 أكتوبر 2020.

 

 

 

 

 

 

[1] – زكي نجيب محمود، الفلسفة والنقد الأدبي ، مجلة فصول ، م4،ع1،أكتوبر / نوفمبر ، ديسمبر، 1983، ص15.

[1] – الصوفية والسريالية ، م س، ص 142.

 

 

 

 

 

 

[1] –  صلاح فضل ، علم الأسلوب ، دار الآفاق الجديدة ، بيروت ، ط1،1985،ص275.

[2] –  اللغة العربية ،معناها ومبناها ، دار الثقافة ، الدار البيضاء ، المغرب ،1994، ص 336.

[3] – اللغة العربية معناها ومبناها ، م س ، ص 351.

[4] –  زكي مبارك ، التصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق ، هنداوي للتعليم والثقافة ،مصر،2012،
ص 49.

[5] – اللغة العربية معناها ومبناها ، م س ، ص 351.

[6] –   رمضان البسطويسي محمد، المرايا النقدية   التجربة الشعرية محمد الشحات ،  دار الأدهم للتوزيع والنشر ، مصر ، المقدمة .

[7] –  أبو هلال العسكري ، كتاب الصناعتين الكتابة والشعر، تحقيق؛ محمد على البجاوي، محمد أبو الفضل إبراهيم، دار إحياء الكتب العربية، ط1، ص14.

[8] – اللغة العربية معناها ومبناها ، م س ، ص 32.

[9] – ديوان ” رجفة المقامات ” ، ص5.

[10] – عبد القاهر الجرجاني ، دلائل الإعجاز، ت محمود محمد شاكر ، مكتبة الخانجي ، دون ت ، ص 52.

[11] – المرجع نفسه ، ص 53-54..

[12] – رجفة المقامات ، ص 173.

[13] – المرجع نفسه ، ص 174.

[14] – المرجع نفسه ، ص173.

[15] -المرجع نفسه ، ص 174.

[16] – المرجع نفسه ، ص173.

[17] – الصناعتين ، م س ، ص 173.

[18]   تمام حسان ،اللغة والنقد الأدبي، فصول ، م4، ع1، أكتوبر /نوفمبر / ديسمبر1983.ص 116-117.

[19] –  الصناعتين ، م س ، ص 173.

[20] – رجفة المقامات ، ص7.

[21] – المرجع نفسه ، ص 12.

[22] – التصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق، م س، ص 496.

[23] – المرجع نفسه ، ص 14.

[24] – المرجع نفسه .ص16.

[25] – المرجع نفسه ، ص20.

[26] – المرجع نفسه ، ص19.

[27] – المرجع نفسه ، ص13.

[28] – المرجع نفسه ، ص،8.

[29] – المرجع نفسه، ص11.

[30] – المرجع نفسه، ص19.

[31] – أدونيس ، الصوفية والسريالية ، دار الساقي للنشر ، ط3، ص141.

[32] –  ديوان ” الدوران نحو الرأس الفارغ ” دار الحرية للطباعة والنشر والتوزيع ، القاهرة ،ص13.

[33] –  المرجع نفسه ، ص3.

[34] – ديوان ” يكتب في دفتره ” ، دار الأدهم ، 2018، ص 132.

[35] – ديوان “ترنيمات شاعر قبل الرحيل ” دار الأديب ن للنشر والتوزيع ، القاهرة ، ص5.

[36] – الصوفية والسوريالية ، م س، ص 142.

[37] – رجفة المقامات ، ص 143-144.

[38] –  الصوفية السريالية ، م س، ص 144.

[39] – التصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق ، م س، ص 446.

[40] – رجفة المقامات ، ص 110.

[41] – التصوف الإسلامي ، ص 515.

[42] – الصوفية والسريالية ، م س، ص142.

[43] – زكي نجيب محمود، الفلسفة والنقد الأدبي ، مجلة فصول ، م4،ع1،أكتوبر / نوفمبر ، ديسمبر، 1983، ص15.

[44] – الصوفية والسريالية ، م س، ص 142.

عن madarate

شاهد أيضاً

من اليابان إلى المغرب… مين ميكوز- لبنى منان: قراءة مقارنة – محمد بنفارس

هايجن قرات لهن / لهم محمد بنفارس*     تقديم بعد صدور أنطولوجيا هايكو العالم …

اترك تعليقاً