
كتاب: النص القرآني وآفاق الكتابة لأدونيس
إسماعيل هموني
أن تجالس كتابا؛ معناه؛ أن تعيش الترحال… والسفر… والمتعة… وأناقة التفكير. مجالسة الكتاب فتح في العتمات؛ وسعى في اللامعلوم حتى تتبين الخيوط، أبيضها من أسودها. حين تسمع للكتاب، فأنت تسمع التعدد؛ وترى بأذنك ما لا تراه عينك. ترى جيشا من التفكير مدججا بالمعاني التي عكفت عليها لن تجمعها بوحدك. على حد التخوم تجد ما فاتك من الفواصل؛ وتقبض ما ظل هاربا من وعيك. حين تتخطى تلك التخوم يتربص بك اللاوعي فتغشاك عوالم التخييل ولا ترى سوى ما غمغم فيك وأنت طفل؛ ولا تسمع سوى من تراسل فيك وأنت أبعد من طفولة.
أن تقرأ كتابا، تستعيد الأصوات التي انطمرت في شقوق غائرة؛ وتسترد اللحون التي دهستها الألسن حتى تشابهت كالحجر.
ههنا نجلس لنقرأ؛ ندع الكتاب يقودنا إلى حيث يريد؛ نشخص بأبصارنا؛ نتبعه ونحن نتحسس وعينا؛ ندرك المسافات الفاصلة بيننا وبينه؛ وندغم أشكال الوعي التي تتفارز في صيغ التواشج أو التوالج من الأساليب؛ وأفانين التبالغ الجمالية.
عندها فقط؛ ندرك / نعلم أننا نقرأ، وأننا في جلسة لا تنتهك حرماتها إلا صمتا؛ وأنفاس صاعدة نحو الأعالي؛ وأخرى هابطة نحو أعماق في قاع الوقت.
كأننا في صلاة مقدسة؛ متمرسة بالخشوع؛ والامتثال النقي لصوت القداسات. نعيش النداء؛ ونقيم في الاصطفاء؛ ونولد مرات في البهاء.
نأتي من المستقبل؛ ونحن نقبض يد الحاضر غير خائفين ولا خائبين…
كتاب: النص القرآني وآفاق الكتابة لأدونيس

- كتاب مشاكس
مازال القرآن الكريم مثار قراءات عديدة؛ فلسفيا و فكريا ؛ إدراكا منها أنه كتاب مفتوح على التأويل ؛ وحمال أوجه . ومع ذلك فإن الكثير من هذه القراءات تحاول اختلاجه أو اختراقه في تعالق بين النص الإلهي والنص البشري .
مازال أدونيس يعمل فكره بحثا عن ( كتابة) مفارقة تقترب أو تبتعد عن القرآن الكريم ؛ في مسعى منه إلى بدايات الكلام؛ وأصوله الأولى؛ ومفارقاته داخل مدونات الثقافة العربية رواية ودراية.
قد نختلف مع الرجل أو نتفق ؛ لكن لن نغمطه حقه في حفره، من داخل المقدس بحثا عن نفسه أو عن نفيه الدائم داخل اللغة .
تلك قراءة شاعر نبيه يرى في نفسه ( مفردا بصيغة الجمع) أو ( جمعا بصيغة المفرد) .
من أقواله أصغيت إلى هذه الشذرات:
في الكتاب (…..).
إنه فن آخر من القول ؛ وفن آخر للقول . فن في الكتابة ؛ وفن في تكوين النص. كأنه نوع من فكر الكتابة يتبطن نوعا من كتابة الفكر. أو لنقل : إنه بوصفه نوعا من كتابة المطلق ؛ نوع من مطلق الكتابة. إنه الكتابة المطلقة لكتابة المطلق. (ص: 30)
■ تولد الكتابة؛ وفي ولادتها ذاتها تولد قاعدتها . (ص:42)
■ هو بوصفه كتابا ؛ يلغي مفهوم الكاتب الفرد . كأنه يقول : الكاتب جمع لا فرد . (ص:49)
■ أتعلم أن الكتابة بعد ؛ وأن الكتابة الأكثر بعدا هي الأكثر قربا . أتعلم أن للوقت جرسا وأنه لا يرن رنينه الموقظ ؛ المغير على النحو الأكثر جمالا وعمقا ؛ إلا في الشعر. أتعلم هذه الحيرة الخالقة : هل أخلق الفراغ بالشعر ، أم منه ، أم فيه، أم عليه، أم معه؟ أتعلم أن الكلام هو الذي يعطي للحياة المعنى ؛ وأنه لا يكون قادرا على ذلك إلا إذا كان نوعا من الإماتة ؛ ونوعا من الموت.
- ● قراءة ممتعة●●
ناقد من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي