الرئيسية / الأعداد / الشاعر محمد عنيبة الحمري – إدريس الملياني

الشاعر محمد عنيبة الحمري – إدريس الملياني

 

الشاعر محمد عنيبة الحمري

إدريس الملياني*

 

_1_

 

لَمْ يُخْطِئِ الْمَوْتُ طَرِيقَهُ

كَأَنَّهُ عَلَى مِيعَادِهِ  مَعَهْ

عَانَقَهُ

وَتَبِعَهْ!

..

أَسْلَمَ رُوحَهُ لَهُ

شَوْقاً إِلَى إِبْحَارِهِ

مُغَادِراً “سَاحِلَهُ”

وَمُشْرِعاً قِلَاعَهْ!

..

كَمِ ارْتَوَى بَحْرُ الْقَصِيدِ

بِنَجِيعِهِ وَسَوَّى مَيْلَهُ

مُتَرْجِماً أَشْوَاقَهُ

مُقَوِّماً إِيقَاعَهْ !

..

مُجَلْجِلَ الضَّحَكَاتِ سَاخِراً

مِنْ رَعَشَاتِ الْمَكَانِ

وَانْكِسَارِ الْأَوَانِ

وَمِحَنٍ تَكْتُبُهُ مُوجِعَةْ!

..

لَمْ يُلْفَ إِلََّا شَاعِراً

بِالْحُبِّ مَهْزَلَةِ الْحَيَاةِ

وَالْمَوْتِ الَّذِي طَالَمَا

أَفْزَعَهَا وَأفْجَعَهْ!

……………….

_2_

 

جمعتنا “دروب الحي”  التي تعرفه في  أعالي “السعادة” نسراً يغني مع الشاعر السوري عمر أبو ريشة:

أصبح السفح ملعباً للنسور، فاغضبي يا ذرى الجبال وثوري

كان يرى من بعيد واقفاً في أعالي التل أمام سينما السعادة، متطلعاً إلى السفوح، فنلوح له بالنزول أو يلوح لنا بالصعود ، إلى لقاء الأصدقاء وتحاب الكتاب والمبدعين الشباب اليافعين الرائدين الراشدين والصحابة التابعين.

الشاعر الصديق محمد عنيبة الحمري، رفيق الشعر والعمر والحياة، ابن الحي،  المحمدي، ودرب مولاي الشريف، وكاريان سانطرال، الشهير بجمال النضال ونضال الجمال، رائد العمل الإبداعي والفعل الاجتماعي، في تلك الحقبة الستينية الخصبة بالعطاء والعناء والغناء الرومانسي والحماسي، تحت ظلال شجرة الزيزفون المعروف عنها أنها تزهر دائما ولا تثمر أبدا، ولكنها في بادئ الشعر وفجر الحرية والاستقلال أزهرت وأثمرت فقط بجمال ونضال جميع أنواع الإبداع والإمتاع والإشباع والإرواء الطبيعي  والديوان الإنساني.

الشاعر عنيبة الحمري، المحارب الساموراي_ الذي يضع نفسه في الخدمة، اليمني التليد، والمغربي العتيد، والديونيزوسي العنيد، الكائن السبئي  الليلي، المضيف إلى لياليه السرية السحرية  قيماً فائضة جديدة.

ولكنه في لياليه المؤتلقات المؤتلفات الفائقات ألفَ ليلة ونيّفاً  يصير عنبيّاً على لذة أسلافه من سلاطين وأقيال حمير وسبأ ومعين. وفي جميع تلك الأماكن الباشلارية الجمال لم ير إلا واقفاً على أطلال مدينة “الدار البيداء” ملوحاً بيدين متعجبتين ومتسائلتين ومجيبتين “ما أطيب العيش لو أن الفتى حجر” ولم يقترف من جميع الخطايا الجميلة والغَواية الرشيدة إلا في الاتجاه السليم والصحيح المسار بصوته المجلجل الضحكات كالمهلهل الشاعر الجاهلي الجمالي في واحاته وساحاته الليلية الأثيرة الكثيرة.

منذ أيام الطلب بكلية الأدب، بفاس، وقبل ذلك، بمعهد الأزهر، بالدار البيضاء، وهو على العهد وفي بما وعد، شاعراً وإنساناً، لم ينقض عهداً ولم يخلف وعداً وما بدل تبديلا: شاعر مبدع وصديق رائع وجليس أنيس ونديم ممتع لا يرى منه نكر كفتيان صدق _كما قال أبو نواس_ مع الحياة والشعر والناس. و ” ماذا يردد كل الصحاب سوى أغنيات العذاب”؟ وفي دواوينه ما يكفي دليلا ويشفي غليلا.. وهي كلها كما توحي بذلك عناوينها نفسها أناشيد معزوفة بأوتار الروح هاجسها الوحيد كان_ ولا يزال_ أن تغَنّي حياة الشعر والناس وتغْنيها.

 

إلا أن الشاعر في كل وليد جديد ” ترجمان أشواق” حرى وحميمة وأحزان قديمة ومقيمة يعزفها بألحان وتنويعات جديدة. هي نفس الأحزان المؤرقة والمعتقة كالخمرة في الأقباء والقوارير مختلفة الأشكال والألوان موزعة النغمات وموقعة الكلمات على آلات عزف فريدة. وما الذي تغير من دهشات الزمان كي تتغير “رعشات المكان”؟!

لم تزل دار لقمان على حالها، تزهر ولا تثمر كشجرة الزيزفون والميلاد والأزهار الاصطناعية لا روح فيها ولا طعم ولا رائحة!

إحساس الشاعر “بأن الأراضي وإن رحبت لتضيق بمن ليس يملك إلا الخيال”.

الطريف المعروف عنه العزوف عن إلقاء الشعر وإجراء الحوارات وكثيرا ما كان يقدم منشوراته “للقراء الكرام” هدية وإذا سئل عن ذلك كان يرد بضحكته المجلجلة الساخرة الساحرة التي يغبط عليها مازحا : إنها يا صاحبي مجرد ريكلام!

وحين يخلو إلى نبضه الداخلي “مثلما قد يستريح المحب إلى قلبه” _ يفتح أمامه مفكرة صغيرة، جدا، لا تفارق جيبه، كان يود إصدار كتاب في حجمها الذي بالكاد يتجاوز راحة اليد، أو على شكل حجاب “الحصن الحصين” ويشرع في تدوين ما يمليه عليه بياض الأيام والليالي  منتشياً  بهكذا تعب عبثي العذاب: “كلما لامني صاحبي تهت في عبثي علني أنتشي بالتعب” و “حين تنفلت الرغبات نؤبن وقت العتاب” و “يعاتبك النائمون دواما وأنت إلى الفجر تقتنص اللحظة العابرة” و “حينما تستريح متاعبنا ننتشي كمدا ونحيل صبابتنا للشجن”!

 

وما هذه الجملة الشعرية المختارة التي أثبتها على ظهر الغلاف: “لم يكن ظمئي موجعا ، فاكتفيت بشرب السراب” إلا قرينة كبرى تدل على انتشائه الدائم بتعب الشعر العذب واكتفائه الذاتي “بهذا البياض” سكناً وعنواناً، يكشف هو الآخر عن تلك المفارقة التي تميزه شاعرا وإنسانا: بين نصه الإبداعي الراشح بالحرائق والسراب، وشخصه الاجتماعي الطافح بالمؤانسة والإمتاع. وهما معا تختزلهما هذه المقولة الشعرية التي أسر بها يوما للشاعر ابن زيدون في ديوانه ” رعشات المكان”:

الشعر عذب ولكن صاحبه في العذاب!

 

وهي حتما تصدق على حال ومآل أي شاعر! أليس كذلك؟

 

وفي سيرة الشاعر الإبداعية وتجربته الاجتماعية ما يوحي بأنه كان يمارس نوعا من النقد الذاتي الشعري، على عادة شعراء الغرب في تقييم الذات، أو سنة الشعراء العرب في هجاء الزمن الرديء و “البكاء على الدمن الخاليات”  كما يقول في قصيدة “وقت” ومن قرائن أخرى كثيرة، كسقوط الحقوق المحفوظة للمؤلف وغياب الفهرس وترقيم الصفحات وغيرها من العتبات والعتمات النصية، التي قد يكون القصد منها ممارسة النقد الذاتي الشعري، تماما كأبياته الساخرة التي كان يعلق بها على بيع الشعر وأزمة توزيعه:

فهم الناس كان شراءهم بقعاً

وكان الهم عندي نشرَ أبياتي

تباينت المقاصد فانكوى بعض

وبعض عاش في أوج المسرات

أحبائي انبرى للبيع معظمهم

فلا نسخ ولا عادت مبيعاتي!

وله بالمناسبة في مجال ارتجال الشعر مواقف ومخاطبات و ومقاربات وشهادات أدبية كثيرة كلها كلام موزون، ولو شاء لجعل كل كلامه نظما موزونا و”معبوراً على عينك ميزانك الذهبي في صناعة أشعار العربي!

وطوال تلك السنوات الحافلة بالمؤانسة والإمتاع، والالتياع والارتياع،  لم يكف الشاعر يوما عن ملء بياض الصفحات والاضطلاع بعبء الإنفاق عليها وتوزيعها هدية فوق ذاك،  بالرغم من ضيق ذات يده البيضاء، وفاء للقصيدة المغربية التي له فيها موطئ قدم راسخة واحتفاء بصداقة “الشعراء” الذين خصهم بقصيدة طريفة، كانت عبارة عن كولاج شعري، سمى فيها عددا كبيرا من دواوينهم الصادرة تباعا منذ مطلع الستينيات. واعتمد أشعارهم شاهدا في كتاب له عن اجتهاداته وتقعيداته العروضية بعنوان ” في الإيقاع الشعري” وقد حرص على “أن تكون النصوص الأساسية للإيقاعات الشعرية نصوصا للشعراء المغاربة رغبة في إطلاع طلبتنا على النصوص الشعرية المغربية_ خاصة الحديثة منها_” و “تحقيقاً لطموح التعريف بالشعر المغربي”.

وكان حريصا أيضا _لحسن حظه_ على حفظه في غرفة الإيداع القانوني، حتى لا تمتد إليه أيادي قراصنة الكتب “الديداكتيكية”، ممن كشف عن سرقاتهم الموصوفة في عدة مقالات تربوية. فضلا عن رحلته الاستطلاعية التي قام بها في ديوان العرب بحثا عن “أخبار الشعراء” على غرار جدنا الصولي، عاد منها بمعرض أدبي رسم فيه بالكلمات كثيرا من البورتريهات التي تمتع بقدر ما تفزع عن إعدام الشعراء وذوي العاهات وأصحاب المهن الحرة والألقاب.

وما ذلك غريبا على حفيد ابن بطوطة و”الكائن السبئي” الحمري الذي ينحدر من شجرة أنساب يمنية، وطالما ترحل كالدرويش المتجول في أقاليم الليل والنهار عازفا تغريبة بني هلال المعاصرين الذي أصيب قديما مثلهم بداء الأحبة “والمصاب بداء الشروق تكذبه شهب غارب” رثى المصلوبين منهم ويسمي “هذا البياض رثاء” أبحر في الشوق وتستبد به “رغبة في السفر، سالكاً بالبكاء طريق المتاهة” يستعير “من كل البلابل أغنية للحنين”  و ” يرتوي من صراع الأحبة أنشودة للحنين” أصغى لنبض الرعشات في جراح المكان و هذا ” الزمان عسير فما ينطوي في سماه انشراح” وإذا كان “الحب مهزلة القرون”، “فتلك مساحة وهم وهذي متاهة حب”!

ومن الجدير بالإشادة أن الشاعرة الشامية عائشة الباعونية قد أخصبت تجربته الشعرية بمعجمها الصوفي الولود، منذ أن بدأ الاشتغال بتحقيق ديوانها “فيض الفضل وجمع الشمل” وقد عمق المعجم الصوفي الشعر وعتقه وحققه لدى الشاعر أو “أعتقه” التصوف كما قال لي الصديق الشاعر حسن نجمي!

ورب نقمة في طيها نعمة : كان يطمح لنيل شهادة جامعية فتكسر غصن الطموح ليفوح برسالة في الصبابة والحب!

وفي “رعشات المكان” يخرج الشاعر بالشعر من مقولته القديمة :”الحب مهزلة القرون” ومن معارضته الشهيرة لنزار قباني: “الشعر كان لأكدح الطبقات” ثم يسلس له القياد. ينقاد الشاعر العاشق للشعر البِياتريسي وجهة ودليلا يغتسل في مطهره الدانتوي وينتقل فيه بين جحيم النعيم ونعيم الجحيم و ذو العقل والشعر يشقى!

ولا يزال داخل هذا البياض “مستجيراً بوصل الليالي وعز الأرق” يرتدي ” حرقة الذوبان” ويستعين ” بالحروف ضمادا يؤجج ذاك الحريق” و “يذوب حنيناً إلى لحظات الختام” وقد “يتداعى الظلام وتبقى الشجون مدى العمر منتصبة”! فهل بعد هذا دليل على أنه لم يتعب من الأسماء ولا من تسمية الأشياء!

وإذا كان في مجاميعه طالما سمى الحب مهزلة القرون والشوق للإبحار ومرثية للمصلوبين وداء الأحبة ورعشات المكان فإنه في الألفية الجديدة أبى إلا أن يترك التسمية للقراء : “سَمّ هذا البياض”. لكن، حالما نعبر العتبات الخارجية البيضاء، يرتدي المتن اللون البني ولا يبقى أي بياض إلا على صفحة الغلاف الداخلي. وحتى بياض العناوين الناتئة لا يرى للعيان آلا بإمعان النظر. كذلك البياض الذي يلوح في بعض الصفحات على شكل رموز محفورة  تكاد لا تبدو من الأرضية البنية إلا بالعدسة المكبرة أو المجهر، مما حدا بأحد الشعراء الظرفاء إلى التعليق عليها مازحا: هذا الديوان لا خوف على الشاعر من تزويره كالنقود الورقية!

فالبني إذن ” أو شبهه” سيد الديوان بل طاغيته المستبد بما عداه من الألوان.

ولو دعانا الشاعر إلى تسمية “هذا البني” بدلا من “سَمّ هذا البياض” لما حاد عن عادته اليومية في اختيار ألوان الشراب، مادام يعشق البني أكثر من أي لون آخر، خاصة عندما لا يستبد به الظمأ الموجع إلى الارتواء من حميا القصيدة حد الانتشاء بتعبها العبثي والاكتفاء الذاتي فيها ” بشرب السراب” وذلك ما يوحي به على الأقل إدمانه على احتساء القهوة ” نصاً نصاً” حسب الطلب القهوجي الشائع ولا يؤثرها إلا هكذا ممزوجة بقليل من الحليب الذي يجعل لونها أشبه بالبني تماما كلون الديوان الذي قال عنه سميه الشاعر محمد بوجبيري: ” نقرأ على بياض بطعم البن”!

أما ذلك البياض الثعلبي الماكر فهو قليل مثلما هو كذلك في تجربة الشاعر : إلا أنه كثير الكمون والتماهي في معاني القصائد التي تحيل كلها على غياب الحضور وحضور الغياب “.

وقد ذكرت منها في مقال طويل عن “سم هذا البياض”:

1_ بياض الهالة المكللة هامة السيد المسيح عليه السلام ،لكن، على شكل “ومضة قد تكون نهايتها في عشاه”.

2_ بياض ضياء الليالي والشموع غير أنه يلوح” بعيدا عن كثب” كبصيص من الأمل والحلم والشغف والانتظار، لا نتبين فيه الخيط الأبيض من الأسود :”لو بغير الضياء له شغف كف عن حلمه واحترق، مستجيراً بوصل الليالي وعز الأرق” و “الشموع على وتر الجرح تعزف نغمتها الذائبة” وقد ” يتداعى الظلام وتبقى الشجون مدى العمر منتصبة”!

3_بياض زبد الموج والكفن واللجين إنما على صورة مناحة كثيرة الألوان، في مشهد دموي وجنائزي حزين: “يرتدي الغسق المتورد من دمه حللا للمناحة تسكب في البحر من كفن لبياضه عمق اللجين”!

4_بياض البكاء على “المشيب الذي يتراءى على الظلمات ضياه”!

5_ وأخيرا بياض الرثاء أو رثاء البياض الذي آثره  الشاعر عنوانا: “سم هذا البياض رثاء، فكل المسالك في رحلة العمر لا تنتهي بانتفاء الشجن، واستعن بالحروف ضماداً يؤجج ذاك الحريق”!

فالبياض إذن كالعدو الودود أو الصديق اللدود، ما من صداقته بد، كما قال أبونا الطيب المتنبي : ومن نكد الدنيا على المرء أن يرى عدواً له ما من صداقته بدُّ!

وكثيرا ما يحيل على الحرقة والذوبان وغياب الضياء والشباب ويدل عليه بكاء الطبيعة الميتة والصامتة الباكية الوسنى :”حين تبكي الطبيعة من وسن” ورثاء العمر والمسالك والممالك كلها والوقت المغربي على الأقل إن لم يرث العوالم كلها: “نؤبن وقت العتاب كأن العوالم من زمن غائبة” وأينما حل هذا البياض وارتحل لا يرتدي إلا الموت الأبيض والقتل الأحمر، إن لم يكن إحدى علامات قيام الساعة كما في الحديث الشريف :”لا تقوم الساعة حتى يظهر الموت الأبيض والأحمر”! وقد أبى لسان العرب الجميل والطويل إلا أن يؤول الأبيض بالموت الذي يأتي فجأة دون مرض يغير لونه والأحمر بالقتل لأجل الدم! ترى، ماذا كان ابن منظور سيقول عنهما لو قيض له العيش بيننا في خيام المدن ومدن الخيام أو في “capitale de la douleur » “عواصم الألم” البيضاء والخضراء وكل الألوان؟ ربما كان يعني بهما الجيش الأبيض والأحمر ليس إلا؟ أما تلك الخيمة البيضاء فلسان العرب الطويل يلهج باسمها بكرة وأصيلا!

وهو بالتالي ليس إلا بياض السواد الحدادي الحزين، يشمل العمر والمسالك والممالك والطبيعة الميتة والزمان الذي ” لا ينطوي في سماه انشراح” ويعم “أرضنا التائهة” كلها البيضاء والسوداء على حد سواء!

وأما ذلك المزج بين الأنا والذوات فهو قديم في تجربة الشاعر، يرجع إلى مطلع الستينيات، منذ أيام الطلب الثانوي والجامعي والالتزام، الواقعي الاشتراكي، برزايا القضايا الكبرى حيث كان الشاعر ترجمان أشواق جماعية، لاسيما في ديوانه البكر “الحب مهزلة القرون” الذي يفصح عن موقفه من الحب الرومانسي ومفهومه للشعر الحماسي ، من خلال إحدى قصائده الشهيرة باسم “همسة” عارض بها “الرسم بالكلمات” لنزار قباني يقول فيها:

الشعر ليس لذاته ومصيرها، بل ذاته ممزوجة بذواتِ

ومنها هذا البيت الذي كان ذائع الصيت في رحاب كلية الآداب:

كل القصائد في الغرام هزيلة،  والشعر كان لأكدح الطبقات!

وكذلك كانت بوصلة الشعر واضحة المسار ربما لدى جمهرة الشعراء جميعاً، من الرواد الراشدين إلى اليافعين من الصحابة والتابعين، الذين كانوا كلهم أو جلهم أبناء وأحفاد ذلك “الجيل- والجبل الموتور” على حد التعبير النقدي لأستاذنا الأديب محمد برادة والتعبير الشعري لأستاذنا الشاعر أحمد المجاطي – المعداوي. وطالما احتموا من الرمضاء بالنار، تحت ظلال شجرة الزيزفون التي تزهر دائما ولا تثمر أبدا، ولا تزال أشواكها تدمي القلوب، تماماً كحظ البستاني الذي يطل علينا من ديوان “أشواك بلا ورد” للشاعر الراحل في القلب محمد بندفعة قائلا عن ذلك “الجيل، والجبل الموتور” بضمير المفرد والجموع:

أنا البستانيُ الأشواكُ حظي

إذا غيري جنى زهر الربيع!

وذلك الشعر الذي لا يملك أي شاعر غيره سكناً وعنواناً، كالمعادل الموضوعي الذي يملأ الأرض الخراب بالخصوبة والجمال أو يغمر “أرضنا التائهة” على حد تعبير شاعرنا الحمري “ببياض الرثاء” حداداً على قيامة المسيح والمهدي الذي يأتي ولا يأتي، إلا كما قلت أنا أيضاً بلا تواضع ولا فخر :”ولا مَهْدِيُّ إلّا جَاءَ سَفَّاحاً وسَفَّاكاً”! وهلمّ شَرّاً وشِعراً وشُكراً!

 شاعر من المغرب

 

  

 

 

     

  

عن madarate

شاهد أيضاً

الحرف الكبير والزوج الصغير: حين تنتقم الكاتبة من المثقف العاجز عن الكتابة – عمر أيت سعيد

عمر أيت سعيد*   من رحم الأدب العالمي، اخترنا لكم رواية “مارسيلا لاكوب“، في قراءة …

اترك تعليقاً