
مُتْعةُ المُتخَيَّل؛
في (غُصَّةٌ في حُلقومِ مِعْزاةٍ): قِراءةٌ في الأَنْسَاق
إسْمَاعيل محمّد فال هَمُّوني*
تَصدير
الكَلمةُ صِنْوُ الجُرح.- محمّد لطفي اليُوسفي.
الشّخص الذي يَكْتُبُ هُوَ أولاً ذلك الذي لا يتكلّم أَثْنَاءَ الكتابة.- عبد الكبير الخطيبي.
الخطابُ الأكثرُ تماسكاً هو الخِطابُ الذي يَخْضَعُ لأكبر عددٍ من الضُغُوط.- عبد الفتاح كيليطو
الإغواءُ المُنمِّقُ الأَوّلُ لِلْمَكَائِدِ.- نعيمة بنعبد العالي.
القَارئُ عَدُوُّ الكَاتبِ. – عبد الفتاح كيليطو.
إنَّ الحيَاةَ هي التَّحَوّلُ.- عبد الفتاح الغَذّامي.
النّسيانُ مِيرَاثُ الرّيحِ ضِدَّ المَعْنَى؛ يَمْحُو كلَّ أثَرٍ للخُلُود.- إسْمَاعيل همّوني.
تمهيد
تسعى الكتابة، إبداعاً أو خطاباً نقدياً، إلى التّخفي والمُواربة حتى تفتح باب التأويل على مِصراعيه؛ ولأنها – أي الكتابة – تسعى إلى نشر ظلالها، إن لم نقل إنها تهدف إلى التضليل، وإخفاء الأثر، تظل ماضيةً في التخفّي وراء اللغة، ونافذة إلى جوانبها الدفينة في الصّمت؛ من خلال استنادها إلى التخييل أو اللغة المجازية التي تجيد ترويض الواقع، والتبرّأ من الوقائع بتحويرها إلى مدلولات لم تكن مدركةً سلفاً؛ ولا قائمة حقيقية.
والواضح أن فعلها ذاك نابعٌ من “مواجهة العدم وتوسيع دائرة الخلاص”[1] أي أنّ صنيع الكتابة، في قصديته العليا: إعمارُ الكون، وتأسيس حياةٍ عليه؛ وتمديد فرص البقاء مُطوَّلاً لأن على الأرض ما يستحق الحياة.
هذا ما يجعل من الكتابة، سواء كانت تنتمي إلى التفكير النقدي أم إلى الإبداع، حَدَثاً مُحاطاً بهالةٍ من السّحر: سحر الموتِ، وجاذبيته وفتنته[2]. ومن ثمة تدخل الكتابة حالة تجاذبٍ وتقاطبٍ تحاول فيها التستّر وراء الكلمات، مهما وَضُحَتْ، والتخفي وراء المتعة النصيّة التي تهيئها للمتلقي. أي أن سِحر الكتابة شكلٌ من أشكال الافتتان المفضي إلى التسليم بالخطاب المنقول، والمراوغة عن أحابلية، وبلاغته؛ وجاذبيته الحاتمة.
وعليه، فإن رواية (غصة في حلقوم معزاة)[3]، بِطفراتها، وعمقها السّرديّ؛ وجاذبية الأحداث، وسيرورة تناميها تفتح العين على نباهةِ السارد؛ وحذف صنعته، ورفعة لغته السردية الحالية من الحشو الزائد؛ غير أنها، في الوقت نفسه، لن تُصعيه من التحوّط من خدعة الكتابة الأدبية نفسها؛ لأنّ السرد يشتد قيمته، وتزداد رفعته حين تشمخ به لغته إلى مدارج السّحر؛ والذهول؛ وأعتاب غشيانِ اللذة، عندها تمسك الصّنعة بتلابيب القارئ، وتطوّح به في مهبّ الرياح؛ تقلّبه كيف تشاء؛ ثم ترتفع به، وتنخفض حيث تشاء، وهو في نشوة/ غيبوبةٍ لا يعلمُ منتهاها؛ ولا يُدرك عقباها حتى ينبهُهُ الساردُ: أيُّها المسْحُور: أنِ اهْبط؛ لقد وصلنا.
هذا وَصُولٌ مغمُوسٌ في التشفّر؛ فقد جاء القارئ موصولاً؛ لا واصلاً. لأنه ظل سادراً في فتنة المتخيل؛ كما رسمته الرواية بعناية، أو حرصت المعزاة على غصّتها طوال مدّة التّسريد.
ومن شأن هذا التنبيه نفسهِ أن يُساءَل نفسه قبل غيره، لأن تطريز القول على قولٍ سابقٍ، ليس في حقيقته سوى تواطئٍ على الخديعة، وسير على منوال ما اتفقنا عليه، نختلف عليه في كل مرة؛ وعند كل توقيع؛ وننسِفُه أخيراً؛ يُساءل نفسَهُ على النحو الآتي:
لم التحوّط، والحذرُ من سِحر الرّواية؛ والأصل في الإبداع، أن يأتي من خلف الجنَانِ بن رفّتْ به الجنذ وليس التجنيّ؟ وللفصل في الأمر، نقول:
في المتعة: اللذاذةُ؛ والفائدةُ، ولا يسيتُم الإبداعُ إلاّ بما يحقّقه من الإمتاع والإقناع. ولذلك جاءت هذه الورقة فاحصة لميثاق القراءة، والحرص على الصّدق، وقوة الحجة، والإلحاح على الإصغاء إلى النصّ، وحبس نبضِهِ؛ لا إكراه فيه؛ ولا عُسْفَ عليه.
على أديم النصّ وسُطُوحه، يندسُ الكثير من التفاصيل؛ حيث تشتبكُ الوقائع مع الذات؛ ويتداخل الافتراضي والحقيقيّ؛ وتتلاشى الحدودُ بين الموضوع والذات، وتصيرُ الأخليةُ أحصنة الريح تسوق القارئ حيث تريدُ، وتجرّ عرباتها إلى أماكن أشدّ مواربةً؛ وأكثر زيغاً؛ ولا تُرى يسوى الزوايا الغائرة في تموّجات الخطاب.
وتلك بَواطنٌ عميقة تنداح إلى التأويل والتأويل المضادّ.
1- المتخيّلُ ولُعْبَةُ الأنْسَاقِ
للمُتخيّل سلطانُهُ الذي يستحضر الغائبَ في الآن مهما استحال توقّعُه أو التشوق إليه، لأن لهذا السُّلطان من القوة والقدرة على التمثّلِ، وحشيد الرموز، والتشخيصات التي تمدّ تلك الطاقة الحريمّة بما به ينظم فعل السّحر؛ وفاعلية الاستحضار. وله أيضاً الغلبة على تحويل الكائن الماثل للعيان إلى غيابٍ مستديم دون أن يمسّ عرضَهُ أو جوهرهُ.
ومن المتعيّن أن المتخيّل من التقاطع والتماهي بين الحقيقة ودوالها والأنماط الأخرى من التفكير والتعبير في حقولٍ معرفية، بتباينٍ لا خلاف عليه.
وتلك من مكائدِ المتخيل وخطابه حين يتلبّس الأنساق الاجتماعية والفكرية؛ ويداخل فيها التاريخيّ والسيّريّ، والدينيّ؛ والأصوليّ؛ والوجدانيّ، ومَهامِزَ النّظر المُوغلَةَ في الذاتية؛ وغيرها من أصناف الكتابة.
فيختلط المتخيلُ بالممنوعاتِ والمتعالياتِ، ويندسّ في مضمراتها، ومسكوتاتها حتى يتنافذ “ما تجاهر فيه، وما تكتم عليه أشد التكتم”[4].
غير أن المتخيّل نفسه لا تقوى جماليته سوى في اتساقه مع لعبة الأنساق؛ يلوّنها برغباته؛ ويُدِرُّ عليها من سَطَواته؛ ولا يتأتّى له مأتاهُ وذاك إلاّ حين يتساوقُ، إن عَلَناً
أو خفاءً، مع النّسق المصاحبِ لهُ، والمترحّل دوماً مَعَهُ.
فالمتخيّل بحثٌ مستديمٌ عن التأسيس الذي يوطّن النّسق في سياقه الاجتماعيّ، وطقسهِ الدّلاليّ. أي؛ أنّه تفكيرٌ خلفيٌّ صَاعِقٌ يُشَيَّدُ حفرياتهِ داخل الخطاب ذاتهِ؛ بوعيّ
أو بدونه.
فالتباينات والاختلافاتُ تتخذُ من التخييل مَناطَها للاشتغال في طرائق التفكير. فما جاءت به التسميلاتُ والتوصيفاتُ؛ وأشكال الكتابة؛ لم يكن البتةَ مفصولاً عن المخيال الجمعي للغات أو ما جاءت به الألسنُ من توقيفاتٍ أو اصطلاحاتٍ. بل كثيراً ما خالطته المعاربة والتّحايل، والإخفاء حتى يتمّ البناءُ الصّريحُ؛ وظِلالُ الهَنْدسَاتِ الخفية.
من شأن فهم أبيات الأنساق المركوزة في طبائع الخلق، يسْعِفُنا المتخيل في كشفِ اللّثام عنها؛ وإمَاطَةِ الخفاءِ كما سنبيّن.
وبخصوص الكتابة السردية فإن المتخيل حاضنُ الأفكار والرؤية التي تسري في السرد وبنياته. وبالعودة إلى المتن السردي نجد المتخيل متواشجاً مع الأخيلة والأبنية النفسية والتعبيرية بشكل يصعب معه فرز التخييل عن التّسريد. فأيّ سرد هو تشكيل من فُسيفساء تداخل فيها المتخيّل والنّسق معاً.
ففي رواية (غصن في حلقوم معزاة) لعثمان سَيْلوم[5] يتواطأ النّسق أو الأنساق الناظمة للذهنية البدوية/ إنسان الصحراء؛ مع المتخيل المضمر أو المتواتر في النص الروائي، يمسك كلّ منها بناصية الآخر؛ في تعاقب حَميمٍ كأنه تعاقبُ اللّيل والنهار.
تلك هي بعض أعراف الكتابة السردية التي تسعى إلى إدراك كُنهِ: “الأحوال الاجتماعية، ومساءلتها العوالم الحاضنة لها؛ واكتشافها الهويات الفردية والجماعية، وقدرتها على الغوص في الأعماق الإنسانية؛ فضلاً عن استعادة الماضي، واستشراف المستقبل؛ على سبيل التكهّن السرديّ”[6].
يتأتى ذلك عن تداخل لعبة الإنساق الكبرى والمتخيل من خلال شبكة من الدّوال يتداخل فيها الحسيُّ والمفارقُ في تواشج مع الطبيعة/ البيئة البدوية وإنسانها الذي ارتبط بها حياةً ووجداناً، كينونةً وإيحاءاتٍ تؤطر نامُوسَ التفكير؛ والتخييل.
ولعل التصادي بين الغصةِ والحلقومِ والمعزاةِ الذي يصل حدّ التّصايف والملازمة وسَلْمُ والفُيوني والبتول، والفادي وخادم مولانا/ دادة، وحمْدي/ احميدي/ احميتي/ لعلى فال من جهة، وبقية الشخصيات الأخرى في الرواية؛ وهي شخصيات اختلفت مكانتها ومقاماتها عن السابقين رفعة ووجاهة في سُلّمِ التراتبية القلبية المهيمنة في الصّحراء؛ من جهة أخرى.
لعلّ هذا التّصادي أو التضايق هو الصورة المثلى للعبة الأنساق والمتخيل في الرواية؛ وكل تقاطعاتها الفُسيفسائية؛ وغاياتها، ووظائفها”[7].
ومن المفيد التأكيد على أن النّسق “مُضْمر ثقافيٌّ لم يكتبه كاتبٌ فرد؛ ولكنه “انوجد” عبر عملياتٍ من التراكم والتواتر، حتى صار عنصراً نسقياً يتلبّسُ الخطاب ورعية الخطاب من مؤلفين وقراء”[8]. ولأنه يتسلّل إلى الذهنية وتشكيلات الفكر والوجدان بخفاء غير مرئي لأن تنافذه يتم بالتتابع والمراكمات التاريخية المنْدَسيْن بين ثنايا الخطاب؛ فقد ظلّ “يمارس نوعاً من الجبروت الرمزي على الطبيعة المجازية الكلية، ليصبح تورية ثقافية؛ تشكل المضمر الجمعي. ويقوم الجبروت الرمزي بدور المحرك الفاعل في الذهن الثقافي للأمة، وهو المكوّن الخفيّ لذائقتها؛ ولأنماط تفكيرها وصياغة أنساقها المهيمنة[9].
هذه الصورة الحقة التي ترسم التنافذ بين المتخيل والنّسق تمشي بالكثير من الأبعاد والدلالات التي جاءت في الرواية؛ وبانيةً تلافيف متواشجة بين التّسريد والتخييل؛ وفاتحة شهية القارئ للانغماس في مباهج القراءة، ومتعة النص.
وحين يستوي التواتر بين النّسق والمتخيّل تنتصِبُ حبائل المضمرات داخل النّص تتقصد تمرير خطابها الأدبيّ وخلفياته الفكرية جاعلةً من السياق الاجتماعي والتاريخي والثقافي منافذ لها حتى تصل قرارة القارئ الغائرة في عالم المُثَلُ والقيم الرفيعة في تنازع من الأهواء حدّ أسْطَرَةِ الاِنفعالات، و”بَذْخَنةِ” المشاعر؛ في موقفٍ بُطوليّ ساخرٍ أو مُفاخرٍ.
ولأن “الخيال هو المهماز الذي يدفعُ بالكائنات البشرية إلى مزيد من الجُهْدِ الذي لا يكلّ ولا يملّ؛ وذلك بعد أن تشبع حاجاتهم الأوّل”[10]. أي أنّ الخيال ملحمةُ الكتابة السردية؛ وجامز إلى القيم الكبرى المحققة للهيمنة أو الكاشفة للتناقض أو التنافر داخل النسق المركزي.
2- النّسق القبليُّ: النابذُ والمنْبُوذُ
يكتسي النَّسَقُ القبليُّ مشروعيته من القبيلة نَفْسِها التي ليست في النهاية سوى مجموعةٍ بشريةٍ مكوّنةٍ من قِسْمات (فخذات وبطون وأعراش…) ومجموعات اجتماعيةٍ يجمع بينها رابط القرابة الدموية (سواء أكان حقيقياً أم وهمياً) من خلال الانتماء إلى جدٍ مشترك؛ وهذه العلاقة ليست الرابطة الوحيدة التي تجمع مكونات القبيلة؛ فهي تتأسس أيضاً على تعاقد اجتماعيّ[11].
لا يستطيع النسقُ الانفصال عن القبيلة مُرسخاً الدَّمَ النَّقيَّ، والجدَّ الأول الواحدَ، وإنْ تَعَذَّرَ تحقيقهما أو الوصول إليها يتم اختراعهما اِختراعاً أو التواطؤُ ضمنياً على عهْدٍ يتمّ الاجتماع عليه عند الحاجة. فالقبيلة “هي الوحدة النظامية في حياة العربي وفكره”[12]؛ ونسقها هو الناظم للأشياء والكلمات.
ومن ثم جاء النسق القبليّ قائماً على الاصطفاء، والصفاء بغية الممايزة بين “الأصيل” و”الدخيل”. ولتزكية هذا المعطى تم الحرصُ على القرابة الدّموية؛ والدّمِ النقيِّ الذي لا تشوبُهُ الشوائبُ؛ ولا تهوي به وضاعة النُّسب. بل “يرتدّ مفهوم الدّم منْ درجة المفهوم الأساس* في حياتنا الاجتماعية إلى مصاف العادة التي ترتقي إلى مرتبة المعنقد بما هو مفهوم متأصلٌ في كلّ لحظة من حياة الإنسان”[13].
فالنّسق القبليّ، قويُّ النّشأة، أي أن حَيَاتَهُ جاءت منْ نَسبٍ دعويّ خَالصٍ؛ لا تقبل الهُجْنةَ أو التفاعلَ مع “الغريب” إلا للمصلحة العليا التي تصونُ قين القبلية؛ وتحميها من الاِنكسار أو الاِندثار. “ومن هنا صار الاِنتساب حراسةً، فصار لذلك انتماء وهوية”[14].
فالدّم الواحدُ بِنية؛ وفرادةٌ؛ ومُمَايزةٌ، ومَعْيَرَةٌ. وحراستُهُ ضَرورةُ البقاءِ. ومنه تكون القبيلةُ ذاكرةً ووطناً. أيْ “بديلٌ عنِ الأرْضِ والموْطنِ. والانتسَابُ إليها هو توطينٌ للذّات”[15].
وتلك هي قابلية النّسق القبليّ للخصوصية الذاتية التي “لا تنسبُ إلى المكان”[16]؛ ومن ثمَّ لا وجود فيه لغيْره الخُلَّص” من أهلِ الدّم النقيّ؛ والعِرق الذي لا دَسِيسَةَ فيه.
ولعله من فَنَّ التسريد أن نتساءل كيف تواتر هذا النسق القبلي بكل مُضمراته وتجلياته، في الرواية؛ وكيف انتظمت خيُوطُه عملية التّسريد في تواشجٍ مع المتخيّل حدّ الإبداعية المدهشةِ؟
1.2- نَسَقُ النّبذِ والتَّنَابذ
لا تُخفي الرواية ثراء هذا النسق وغناه بكل عناصر التنافض والتفاوت؛ بل إن السارد حين يتم العثور على “سَلْمُ” في العراء؛ خارج القبيلة؛ أي نسقُ اللاّقبيلة؛ نسق الطبيعة (شجرة الطلح/ والمعزاة). وهو بذلك وجودٌ خارج القبيلة؛ لا أحقية لهُ في الانتماءِ أو الاِنتساب.
وجود جاء به المكان؛ والمكانُ لا يمنحُ هويةً ولا مكانةً. إنّه مُصادفةٌ عابرةٌ يخشى منها أكثر ممّا يُسعى إليها. فما جاءَ عابراً، يزولُ سريعاً، ولا أثر له يذكرُ في الخالدين.
“سلمُ” هذا وُجد مفرداً لا أصل لهُ؛ قُرب جذع شجرة الطلح؛ في يوم عاصفٍ؛ لا أحد يعرف من جاء به إلى الفراغ، ولا من أين جاء أصلا؟ إنه الخوف بعينه.
كيف يُطمئن لمن وُجد في قماطهِ ترضِعهُ معزاةٌ، وتظلّه شجرةُ طلحٍ؟ هل هُوَ من بني البشر أم جنس مفارق؟ وإن كان من بني البشر من تكون أمَّهُ؟ إذن: هُو “عارٌ” تمَّ التخلي عنْهُ؛ ولا يمكن تبنيه ولا كَفَالتُه: لأنه مجهولٌ، ونكرةُ أصولٍ؛ بل قد يكون مُنكراً وبُهتاناً لا تَحْتَمِلُهُ خيمة سُؤْدَدٍ وأصولٍ.
ومن هنا ينبغي نبذهُ؛ وتحاميهِ، وإبعادهُ حتى لا يتجرّدَ “المجاريد” من فضائل الأوائل؛ وتشيخ فيهم نخوةُ البداوةِ؛ والأصالةُ الأولى التي لا تَفْتِكُ بها سوى وضاعةِ الأنسابِ، وكثرة الغُرباء.
جاء سلمُ غريباً لا عشيرةُ له “وفي هذه الأرض من لا عشيرة له؛ لا عيش له إلا عيش الطريد”[17]. هنا تُعلِن المفارقة عن نفسها؛ لا حياة للمنبوذ داخل النسق القبليّ؛ فهو تسريدٌ؛ وطريدٌ؛ ومنفيٌّ. كم هو ثقيل على الأرض؛ وضائع؛ وخانعٌ لأن وجوده في النسق القبلي منحة ومنّة “من وجد عشرة تُؤويه فعليه الصّبر على ازدراء أبنائها، وأحقادهم، وظلمهم، ويغيهم”[18] كما يقال الفُيوني/ كافلُ “سَلمُ”
“الفيوني” نفسه مأساة أخرى ممتدةٌ من أعماقِ القَهْر والصَّغَار؛ كيف له أن يكفُلَ من لا نَسب لهُ؟ وهو مجرّدُ “وضيع” لا خُلة تقربهُ من القبيلة سوى صدقه، وخدمته للقبيلة بكل تفانٍ وجدية وَرَّثته المزيد من الابتذالِ، والحكمةِ، والبصيرة النفّاذة؛ وبعضاً من الاحترام، ومع ذلك نذر الفيوني نفسه للعناية ب “سلمُ” فالغريبُ للغريب قريب[19].
إنه النّسق اللاّقبلي حين يقاومُ وينتفضُ؛ بشكل طوعيّ؛ النسقَ القبليّ الجاثم على الصدور. فالفيوني وحرصُه على تربية “سلمُ” يثور، داخليا، على أحقاد النّسق الغاشم، الذي ليس له من الأسلحة لمقاومته سوى صدقِهِ وخدماتِه الجُلّى، وسَلْمُ، لذا/ أو كل تربيّته الأولى للبتول/ المرأة التي تهابه إنشاء القبيلة والتي تعرك خبايا ما يدور في المخيم، بل هي حكيمةُ (لَفريك)؛ إذ حرصت “البتول” على تربية “مسلم” الذي صار طيّعاً ومِطْواعاً بين أيدي نسوة المخيم؛ وتصرخ البتول فيهنّ حين تماسك “سلمُ” أمام فُتوةِ معتدين على ماشية القبيلة أثناء إرواءِ عطش الماشية، في الوقت الذي هرَب فيه أبناء الأعيان مذْعُورين من سطوة المعتدين، وأفلح سلم في استعادة هيبة القبيلة؛ أمام انتكاسة حراسها الأضلاء ! فصاحت البتول ثائرةً: “ابني تربيتي؛ لا يعتدي، أبناؤكنّ وتربيتكنّ من يَفْعلن ذلك: أُمّهات السوء”[20].
لا تختلف خلاصة البتول (أمهات السوء) عن ردة فعل “احميمة” الغاضبة من ابنه “علي سالم” بقوله: “هذا الذي نأملُ فيه أن يتزعم المجاريد من بعدي؛ قُبّعتَ من ولد سوءٍ؛ ابن امرأة سَوْءٍ”[21].
فالسوء قاسم مشترك بين النّسوة؛ وصفة ذميمة تلحق بالنبذ والتنابذ، ومع ذلك هي خصيصة من داخل النسق القبلي ومن جذره الأنثوي. وبذلك دخلت المرأة المحظور؛ ونَفَذت إليه البتول سواءً بسواء مع احميمة.
من الشتمية (السوءُ وأمهاتُه) تمتدّ يدٌ أخرى من اللاّنسق لكسر ثوابت النسق؛ وتلك بداية تحولاتٍ نسعى إلى إدراكها من خلال الرواية وعوَالم السرد فيها؛ لأنَّ صوت المرأةِ سعى إلى “إعادة اللغة المستلبة”[22] مِن النسق المنبوذ.
كشفت الرواية في تجليهما الأول: الغريب عن هشاشة النسق القبلي الذي داخله النبذ والإقصاء لأن التعايش فيه لا يفي بالحرية ولا بالتحرر، بل هو رمزُ العبوديّة، وفائضُ الأحقاد؛ والقهرُ المذلُّ؛ والضياعُ الحتميُّ “انْصِبُوا للغريب خيمةً في آخر المخيّم؛ وليس بين خيامنا”[23]. وإمعاناً في المخالفة مع بقية الخيام ينبغي أن يكون بابُ خيمتهِ موجّهاً “إلى الغَرب”[24]. لكلّ وجهته فهو مُولِّيها؛ لا ينبغي أن تتساوى الأبوابُ، والمداخلُ، والمقامات. حتى “الفقيهُ غريب عنهم (…) فهو يبقى غريباً، والغريب يبقى غريباً؛ مهما قدّروهُ أو أكبوا على يديه تقبيلاً؛ فتقدير الفقهاء عُرفٌ يتوارثوه؛ لكن قلوبُهم تُبْغِض الغريب سواء كان تقياً أمْ فاجراً”[25].
هذا البُغض امتدادٌ صريحٌ للحقد الدفين للغريب في الدّم النقيّ؛ “كثير من أحقادِ الطفولةِ لا تخْبو نيرانها مهما تقدّم المرء في العمر”[26]. إنها اللعنة التي تطارد اللاّنسقي؛ وتسُوقهُ إلى التّبعية “فالغريب يجب أن يبقى تابعاً”[27] مهاناً وحقيراً في الدرك الأسفل من التراتبية الاِجتماعية؛ بل هو مذمّةٌ وعارٌ “لأنّ من لا يخاف العارَ في الصحراء لن يخاف شيئاً آخر؛ بل يجبُ أن يُخاف منه”[28].
لا شيءَ يفزعُ النّسق أكثر من العَار؛ يكاد يَسلُبُه كلَّ مقاعِهِ ومُتَعِهِ. وليس العارُ سوى ضيعة النسق نفسه ليتخلّص من أوهامه؛ أو يُزكّي ترهاته. هكذا يتهاوى نسقٌ برمّتهِ أمامَ كائنٍ هُلاميّ؛ ويتصاغرُ لأن لعْنةً أصابَتْه بعدما كان هو المروِّعُ؛ صار هو المروَّعُ.
هذا وجه الغريب اللاّنسقي؛ الذي جاءت به الرّيح أول مرّةٍ، كشفَ هشاشةَ النّسقِ القبليّ، وترهّلَهُ أمامَ قوة الغرابة؛ وضُعْفِ القرابة.
3- النّسق المأْزومُ: التّحايُلُ والتّوهيمُ
تتجدّد أزمة النّسق القبليّ عند التشكل الأوّلي، أو عند الموتِ؛ ففي حالة التشكي التي ترسي بداية نشأة القبيلة يتم اللجوء إلى التحايل والإيهام من أجل بناء نسقٍ منسجمٍ يتم الإعدادُ لهُ بحنكةٍ كبيرةٍ، بحُججٍ تبدو ظاهرياً؛ قويةً ومتماسكةً، إلا أنها، في العُمق، مختلفةٌ ومصنوعةٌ، بأوهامٍ لا يقبلها الحسُّ الشفيق، ولا النظر البَصيرُ.
أما في حالة الموت، وما يطرأ بعده من الفَقْد، وتكالبٍ على الزِّعامة، تحت ستار مصلحة القبيلة؛ والعصبية (النَّعْرية)؛ فيتدافعُ الطامعون إلى إقامة المآدب والولائم؛ حرصاً منهم إلى جمع المكاسِب والتّسيّد على مصائر النّاس.
ولأن النسقَ القلبيَّ يقوم على “اقتناء السلاح، ومداومة الكفاح، وامتلاك الرقاب”[29]؛ لابد له من زعيمٍ أو وليّ. ومن الصفات المطلوبة في الزعيم الذي تسلّم له قيادة القبيلة ما نصّ عليه السّاردُ بقوله؛ حين مات “ابريهمات” عينُ قبيلة “المجاريد” وكبيرها: “مات أبيرهمات؛ وفقد المخيّمُ زعيمه؛ وحاميّه؛ وقاضيهُ؛ ومعيلَ ضعيفه؛ وكائلَ يتيمه”[30].
بموت إبراهيمات استوتُ القيم المثلى؛ ويعيش المخيم اليُتْمَ الوُجوديّ؛ رجلٌ بِحَجْم أمّةٍ؛ توافرت في الزعامةُ ونُبُلها؛ والرعايةُ وكرمُها؛ والعدلُ والضَّبْطُ المستقيم؛ وموئلُ الإحسانِ؛ وكفالة الأيتام.
فالزعيم من وفّر لأهله: الأمن والاستقرار، والعيش الكريم؛ وحفظ هيبة القبيلة بين القبائل الأخرى. ذاك الذي يستبصر البعيد؛ وهو يرمقُ الحاضرَ دون أن يتغافل عن تالدِ الأيام.
هذا هو حال الزعيم “ابريهمات” الذي “أسرع به عمله؛ فلم يُبْطئ به نسبُه، كأنّ الطبيعة انخبته وجيهاً من وجها، المجاريد؛ وفارساً من فوارسها”[31].
لكن ما وضعية “المجاريد” بعد الزّعيم “ابريهمات”؟
بدأ التكالبُ على الزعامةِ، يريد “احميمة” مكانة أبيه بالوراثة؛ لا بالكفاءة؛ ما دعا “زغمان” [وهو أسنُّ الحاضرينَ، وأرجحُهم عقلاً؛ وأحفظهم لأيام الصحراء عامةً؛ والمجاريد خاصةً][32].
إلى القول:
“أيها الجمع الكريم؛ (…)
نحن لسنا ملوكاً؛ ولا يحكمنا الملوك؛ لم يحدثْ أن كان ابن الوجيه وجيهاً بعد وفاة أبيه؛ إنما يكونُ الوجيهُ وجيهاً بفعله؛ وصنيعه؛ وتفانيه؛ وتضحيته من أجل القبيلة؛ وإعالته للفقير؛ وإعانته للضعيف؛ والمشي في حاجات إخوته؛ والذود عن عِرْضهِ وأرضهِ وماله؛ فيصير الوجيه وجيهاً دون حاجة لتسميته أو الإشارة إليه بالبنيان.
ولا يكون طالباً لها؛ وإنما يتورّط فيها؛ ويَحْمِلُ وِزْرها إلى أن يتوفَّاهُ الله”.
يتضح أنّ “زغمان” حدّد المطلوبَ والمفقود في الآن نفسه في الزّعيم. فلن تكون الزعامة معقودةً إلا لمن باع نفسه لأهله؛ وهو بيع مستحيلٌ وكاسدٌ، لأن التحايلَ صارَ قانوناَ يتمُّ التهافت عليه؛ والاِحتكام إليه مَرْجعاً يُخْرج النّسق عن طوْعيه؛ ويُحْرجُ أحكامَهُ ونَوازلها بين شيعته وأتباعهِ.
ولأن البناء يحتاج إلى حيلةٍ لا تبلى يَعْمد التحايلُ إلى الظهور مجدّداً على هيأة وَليّ، يتمّ التّوكؤ عليه؛ والانتساب إليه.
من هو هذا الوليّ/ الخفيّ
ومن أين جاءَ؟ ومنْ جاء به؟
لن يكون غيره “سَلْمُ الحنين”؛ سلمُ الطريدُ، الشريدُ، الغريبُ الذي مات ملدوغاً؛
“ماتَ سلمُ فيَعَرَتْ المعزُ يُعاراً حزيناً؛
أَحْزَنَ منْ نحيب الثكاني
ماتَ سلمُ فحزنتِ الطّلحةُ التي آوتْهُ
ودمعتْ صمغاً وسقطت أَوْراقها؛
وحزنت إِبلُ المجاريد وغنمُهم، وشحجت البغلةُ شحيج الفراقِ الذي لا لقاء بَعْدهُ.
ماتَ سلمُ دونَ أن تَمْنَحَهُ أقرصةً اليعيش”[33].
تحولٌ مفارقٌ؛ موتٌ سيجعل منْ منبذوذٌ ولياً، لا يُعرف له بدءٌ سوى أنه سليل الرّياح، وشجرةِ الطلح؛ ومعزاةٍ، يُسْلمهُ القدر إلى أن يَتَبَوّأ ما استعصى على “احميمة” وأنجا له؛ بل أضحتْ له كراماتٌ وعلاماتٌ يُعرف بها؛ يقول السارد:
“بعد وضع سلمُ في القبر، استغرب الرجال حركة المعز المضطربة: ويُعَارها الذي لا تيعرُه إلا إذا كان بها ألمٌ؛ وحنين كأنها تُغني بكائية على مقام الصّبا بناي فارسيّ حزين؛ وسمحوا عُواءَ ذئاب الصحراء؛ وكلابها تُعلن خبر وفاة سليمُ، وتعلن الحداد على صبيٍّ أنقذته الرياح؛ وأوته شجرةُ الطّلحِ، وأرضَعَتْهُ معزاة؛ وأنقذته الكلابُ من الضَياع.
قاومت الصحراء من أجل أن يحيا سلمُ؛ لكنّ أهلها لهم رأي آخر”[34].
هلْ يحمل النّسق أزمتَه في ذاته؛ وعناصر فنائه في داخله أم تراهُ، بفعله ذاك، يتجدّد ويواكب التحولاتِ، ويَخْتَلِقُ لها المعادلاتِ، ويجترحُ من ذاته المستحيلات؛ ولو كانت بحجم العجائب والغرائب في ابتكارٍ لا يخلو من دهاءٍ، وتلوينِ للحقائق؟
“لابدّ أنّ سلْمُ فيه شيءٌ من الولاية؛ والأولياءُ الكبارُ لا يعرفون أنّهم أولياء”[35].
أضحى “سلم” ولياً كبيراً ضداً على النّسق؛ سلمُ الذي غيّبهُ ظلمُ القبيلة، وانتبذ منها مكاناً قصياً يعيد فيه ترتيب حياته، إذا به يصير “سلمُ الحنين” الذي ينتسبُ إليه؛ ويتبرك بأهليّته، وكراماته؛ وعَجائب قدراته “فصار المقامُ مقامَ سلمُ الحنين؛ واتفق المقيمون عند الضريح على الاِنتساب إلى سلم الحنين”[36].
يبدو أنَّ التواطؤَ؛ والمخاتلةَ؛ والتحايل شركاء في صناعة الأنساق؛ فكم من نسق قبليّ لا يعلمُ له منشأ، ولا مبتدأ ولا خبرٌ وأضحى بين النّاسِ مَزَاراَ تشدّ إليه الرّحال؛ وتُهوى إليه الذّبائح؛ وتتهافت عليه الوفود من كل فجٍّ عميقٍ؛ وتنسب له الأورادُ والأذكارُ؛ وهو في الأصل نَخْبٌ هواءٌ.
جاء به التوهيم حتى أضحى مقامَ بَرَكاتٍ؛ تُخشى لعناتُهُ وغضباتُه؛ وترفعُ له الأدعيةُ؛ وتعلّق على ضريحهِ المعلّقاتُ والقصائدُ. يقول السّارد:
“ولما يُسأل المقيمونَ عند المقام عن دفين القبر؛
كانوا يجيبون بالقول: إنّه أبوهم؛ ووليهم؛ وسِّدهم؛ وشيخهم؛ ومعلمهم؛ اسمه سلمُ قَدِمَ من بلاد العجم؛ بعد رحلةٍ طويلةٍ من العِلم والعمل والإصلاح رفقة أبيه وإخوته على العهد الذي كان عليه أباؤه الصالحون المصلحون.
وإنّه كان زاهداً في الدنيا؛ منقطعاً للعبادة وفعل الخير؛ يجودُ بكل ما يملك؛ وكانت خلائق الأرض تحبّهُ لأنّهُ كان رحيماً بها؛ حتى الكلبُ لا يذكره باسمه؛ بل يقول: مخلوق الله”[37].
لن يتورّع أبناءُ “سلمُ الحنين” الجدُد عن تجذير نَسبِهم؛ والسّعي إلى إيجاد محل لهم من الإعراب داخل النّسق الذي أضحى يُعرِبُ الغرباءَ والمنبوذين، ويُعْلي مقاماتهم بين النّاس.
ومن لم يجد له تُراثاً يحوزهُ؛ وأبا تليداً ينتسب إليه ضاع أمْرُهُ؛ وأُقْتُلِعت جذوره من الأرض، خاصةً أنّ وضعاً جديداً باتَ حقيقةً؛ وأنَّ التغيير قادمٌ لا مَحالة. فما السبيل إلى إحراز مكانةٍ معتبرةٍ تضمنُ ديمومة “الإعراب الجديد”؛ ولا يطعنُ أحدٌ في مصداقيته وصدقيته.
يقول السارد:
“واجتمع أولاد سَلَّمُ الحنين كيْ يَتَدَاولُوا واسْتجدَّ من أمرِ الصحراء، وتقدّم للكلامِ أعرفُهم بعرب المشرق؛ فقال إنَّ أكثرهم من قبيلة المجاريد ومن يعيش في كنفهم من القبائل.
وهم أقوام ذوو بأس شديد على الحرب؛ بَدْوٌ لا يعرفون المدنَ؛ قساوةُ الطبع؛ شدادٌ على من يخالف لهم أمراً أو رأياً.
على أنّ عرب الشرق يمتدون أيما اعتداد بالأنساب؛ ويستقصون عنها استقصاء هم عنْ سؤالِ الإبل؛ ويحقرون؛ ويؤخرون من لا يحفظون أنسابهم وأيّامهم؛ ومن ليست لهم بطولاتٌ، ويقدّرون ويقدّمون من شَرُفَتْ أَنْسَابُهم؛ وفاخروا بسير آبائهم”[38].
من الوجاهةِ أن يستسعر وجيه أولاد سلمُ الحنين الخَطر؛ ويُعِدّ العُدّةَ لمواجهته؛ والتحايل عليه. إنه الوجودُ بالدسائس؛ فمنْ لا دسيسة لهُ لا وجاهةَ له. تلك هي بداية أزمة النّسق القديم؛ وتحولات الوقت المفتوحة على المجهول..
وليس للوجيه من بُدٍ سوى أن يتوجه إلى ركيزتين لابدّ منها لكل قبيلة هما: الفقيهُ والشاعر. فللفقيه مرجعيتُه الدينية؛ وخلفيته “الزاوية” المعروفة “باحتكار السلطة الدينية وإشاعة عنف الإيديولوجيا”[39] ما يؤهل الفقيه إلى الإفتاء؛ وإقرار ما ليس قائماً أصلاً؛ وإقناع الناس بجدوى سلطانه التأويليّ. ومن ثم كانت الضرورة مُلحّةً للاستناد عليه؛ وتزكيته للوجيه، في مقابل ما تدره عليه مكانته الدينية من مكاسب مادية عينة، وسلطان روحي لا يبلى.
وقد بات من المسلم به أن سلطة الفقيه “سلاح نفاذ يمكنُ أن يصيبَ الظّلمة، وأن يقصر المسافة، وأن يعيد الضّالة إلى أوكارها، وأن يحميَ الدواجن من افتراس الذئاب”[40].
هذه سبيل يتولاها الفقيه، بطلب من الوجيه؛ لاختراق النسق القبليّ، وتكييفه مع أهواءِ ورغبات “الإعراب الجديد”:
[اسمع أيها الفقيه (….)أريدك أن تبحث في كتبك عن شجرة نسب من الأَنْساب العريقة تَنْتَسِبُ إليها سَلمُ الحنين؛ ولا تحتاج أن أخبركَ أنه ذو نيبٍ عالٍ لكننا ضيّعنا مخطوطة النّسب؛ ولا يوجد أحدٌ من نسله يحفظها، لكنّ الأمر الآن مستعجل؛ ويجب أن نتصرف][41].
بدأتِ الخدعة ب (يجب أن نتصرف)؛ وداخلَ الوهمُ الحقائقَ؛ وتطلْسَمَ النّسق. “إن القبيلة مفهوم فاصلٌ بين البقاء أو العدم؛ يعني أنه هو يُعطي الحضورَ أو الغياب عبر سياق انتربولوجي/ أناسي للدّيْمومة أو التحول أو الاِنهيار. ومن ثَمَّ فإنّ القبيلة المحققة للبقاء هي المحققة للحياةِ بحيازتها للأرض والمكان في تواطؤٍ مع السيادة التي تعتبر رمزاً لكل ديمومة”[42].
لا تكتمل الخدعة إلا بالشاعر: ديوان أهل المخيم، حافظ أيامهم؛ وملازم كبائرهم على لسانه تمتد الإشاعات؛ وتطير القصائد لتصير حقائق يتداولها الناس في خلواتهم وجلواتهم، ومجالس طربهم وأنسهم.
هو ومن على شاكلته، من “الذين يحترفون الفنون من موسيقى ومديح شعبي، ويسهرون بشكل يقظٍ على توزيع مقاييس النبل الحسانية؛ لذلك فهم أكثر ارتباطاً بحسّان؛ يتغنون بأمجادهم ومآثرهم مقابل كسبٍ ماديّ”[43].
وكلما زادت العطايا زاد التلفيف، واتسع فتق النسق القديم على الرتق، لأن الجشعَ وليمة لا يتوانى عنها فصيل من الشعراء؛ خاصة من نعتهم وجيه أولاد مسلمُ الحنين ب “اللؤم”:
[اسمع أيها اللئيم (….)أريد منكَ أن تنظم قصائد عصماء عن أولاد سلم الحنين؛ وأسلافهم في العلم والجهاد، وكرم الأخلاق؛ وإكرام الضيف، والانتصار للمظلوم؛ والضرب على يد الظالم.
وتشيعها بين الناس على أنها من محفوظك الذي سمعته يتردّدُ على الألسن في أقاصي بلاد السودان][44].
تتكامل الصفقةُ؛ ويستوي الشاهدان (الفقيه) من جهة، و(الشاعر) من جهة ثانية؛ ويتم خرق النّسق القديم؛ واختلاق آخر، تدريجياً وترغيبا؛ “فالتخويف تجارة رابحة”[45]؛ أي أن وجيهَ أولاد سلمُ الحنين، تربع على عرشهِ مستقوياً بشاهديهِ الموزوِّرين؛ ومدركاً أنّ “كلاًّ فنّا جاء يوماً منْ مكانٍ؛ نحن لسنا أشجارَ طلحٍ نَابِتةً هنا”[46].
4- نِهَايةُ نَسِقٍ: مِنَ الكَيْنُونَةِ إلى البَيْنُونةِ
لم تَعد للنسق جاذبيتُه، وقوته التي انبنت عليها هويته وكينونته؛ إذ بدت تصدعات جديدة تظهر خلف قوته؛ تسعى إلى نهايته، ودفعه إلى المصير المحتوم: “حيث منازل المجاريد، والأفاعي، والضِّباب؛ والإبل الحاقدة؛ والرياح الساخنة؛ والحجارة السوداء”[47].
كينونة آتية من الشرق؛ والشرق، في العرف البدوى “بيت نار”، أيْ أنه لا يستكين، ولا يستقر؛ يتحول من نارٍ إلى نارٍ؛ ومن خطيئة إلى خطيئة، والخطيئة “عالم من المحرمات التي يلقنها أي فردٍ منْ أفراد القبيلة حيث العرف “تابو” له أوجه كثيرة للسلطة الاجتماعية إلى جانب القانون الشرعي”[48].
نهاية المجاريد باتت محقّقةً “تكمن في الصحراء مجالاً منتجاً باستمرار”[49] للنهايات والبدايات معاً؛ وهذا هو الخروج من الكينونة إلى البينونة، أي إلى المفاصلة البائنة، والطلاق اللارجعي عن النسق القديم. وهو ما سيتكلف به نسق البينونة من “إبداع أساليب وأنماط عيش جديدة تتيح التأقلم مع الواقع المنعوت بِالصعب”[50].
يتيح نسق البينونة التأقلم مع التحولات الجديدة بدءاً من الموت بكل طقوسه، فالموت مفارقة عجيبة؛ فهو يقين أولاً؛ وهو ثانياً يقين ينفي نفسه”[51] بنفسه؛ فالموت الذي رحل ب “ابريهمات” زعيم المجاريد، والفُيُوني الذي “مات غيطاً من المجاريد”[52]؛ وماتت “ادليكة” – زوج سُلْمُ –”فاستراحت من أكل الشعير والتمر؛ وشربِ الشاي، ولبْسِ الثوب، ومعاشرة زوج لهُ ضحكةٌ بلهاءُ بين قومٍ قبلوا مقامها بينهم على شرط”[53].
ثمَّ مات “سلمُ” دون أنْ تمنَحَهُ الحياةُ فرصةً للعيش[54]. ثم مات الغادي/ الضايع – بن سلمُ – “ولن يُذكر أنَّ الغادي هو الذي مات في ساحة الحرب”[55]. و”ماتت مزوارة – زوج الغادي – وخلفت صبياً لا تدري ماذا ستفعل به الأقدار”[56].
ويرتقي الموتُ ب (خادم مولانا) إلى الرفيق الأعلى:
“ماتت دادة. ماتت خادم مولانا؛ ماتت حائكة الخيام؛ ماتت المرأة السوداء؛ ماتت المرأةُ التي رفضت البقاء مع أولاد مولاها الذي أعتقها ومات. ماتت بعدما أثرت أن تفرغ آخر شحنةٍ لها من الحياة في حفلٍ بهيجٍ؛ ثمّ فتحت ذراعيها للموت في أبهى حُللها”[57] توديع نسقٍ وكينونته، واستقبال آخر وبينونته. وهذا فارق فارِز سيتضح مع “حمدي بَرْوِيطةَ” انفصالاً تاماً؛ عن النّسق القديم ومحرماته.
1.4- حَمْدي بَرْويطة: الهوية الجديدة
من أين جاء حمدي المختلف خِلقةَ وطباعاً: أشقر، أحدب؛ أَفَحَج؛ يضع يديه خليفه حين يمشي؛ يحب الخياة بشراهةٍ؛ وطعطعةَ الأوربيين، وعُجمة لسانهم؛ وينفر من أبناء جلدتهِ؛ ويتجنب معاشرتهم؛ ولا يملُّ من ترديد أغاني الأوربيين وموسيقاهم في نشوةٍ عارمةٍ لا تنافسها سوى (طُمْطَمَانيتِه)*؛ أي تحريف لسانه ب؛ حمتهم إمعاناً في مشاكلتهم والتشبه بهم.
الأمر الذي حذّرته منه دادة/ خادم مولانا – وزجرته عن “طمطمة الأوربيين؛ [التي] لا فائدة ترجى منها”[58]. ولم يصرفه تحذيرها عن مواكبة الأوربيين، ومخالطتهم؛ ومنادمةِ شرذمةٍ منهم التي لم يسلم من خديعتها ولعنتها له: “أيُّ عربيٍّ لعينٍ شاربت يا أنطونيو؟!”[59]
إلا أن حمدي نفسهُ لا يخفي مرارة وضعهِ النفسيّ والوجودي: “ما أنا بالعربيّ المحض؛ ولست أوربياً بالمحض، ولا بين بين؛ فَمَنْ أنا؟ وإلى أين؟”[60]
سؤال المصيرُ؛ وحيرة هوية؛ لا ثوابت، ولا مستند؛ إنما هي عقباتٌ؛ وعزلةٌ وانفصام؛ وانفصال تشظت معه الذات، واختفت معه القدرة على التأقلم مع “واقع قاس وحياة يسودها العنف والغَلَبة فيها القوةِ والمهارة الحربية”[61].
حمدي أو “أحميدي” أو “احميتي” تعدّدٌ يعلنُ أن الدّم الخالص المحض أضحى وهماً؛ وأن اللحاق بالآخر الغربي خديعة كبرى؛ وأنَّ البينيّة منطقة محرّمة؛ فما السبيل إلى الأنا؟ وما المصير؟ لا سبيل غيرُ الضيّاع؛ فقد أضحتِ الغرابةُ مَلْجأً واسعاً “لحمدي برويطه” وربعه؛ رغم أنه ظل المترجم المطلوب بين الأهالي والطبيب الأوربي؛ وهم الذين يستصغرون فِعَالَه؛ ويحتقرون مساعيه؛ “لكن هاهم يحتاجون إلى احميتي بَرْويطة كي يعرض أمراضَهم على الطّبيب والتي لاحظ حمدي أنها لا تتجاوز بين السرّةِ والركبتين قُبُلاً ودُبُراً”[62].
لم يعد لحمدي بَرْويطة من مَعنى؛ تائه تافهٌ؛ تنافذ إلى عمقه الانفصال؛ مستغلقاً في عتمةٍ مستديم. بَيْدَ أنّ المعنى هو ما أمكنك من ذاتك؛ وسلّمك إلى غيرك من غير اشتباكٍ أو تصاغُرٍ. وأفضَى بك أن تعرفَ حضُور الشيء في ذاته، وفي علاقاته[63].
لم يعد لحمدي برويطة من معنى؛ إنه مَقْصي، ومنفيٌّ، ولا حيز له وجوداً ولا ميتافيزيقا. نفته القبيلة؛ بكل تمثلاتها؛ وأجهزت عليه “القبائلية” بما لها من اعتبارٍ “انحيازي، وعرقي يقوم على الإقصاء والتمييز”[64]. ليعيش رحلة التنكر والإختفاء؛ ما دام المعنى قد تجرّد من أخلاقيته، وتخلى من سموه المجيد. بل سيأخذ “المعنى العنصر دوره هنا؛ ليعيد كتابة الثقافة بطريقته (…)؛ لينسخ المثالي؛ ويضع من فوقه معنى استعلائياً وإقصائياً يكون الظلم فيه أساسياً للنظام المعاشي”[65].
هكذا نُسب “حمدي” إلى “بَرْويطة”، وسيلة النقل المتعارف عليها لتحميل البضائع الثقيل منها والخشن.
إنه “حمدي” “الحمّال” هويةٌ جديدة التي صارت “قيمةً ورؤيةً ملونةً للأشياء؛ والمعاني؛ والسُّلوكيات”[66]؛ ترسخت مع تواتر الأيام والليالي؛ وصارت مقبولة حتى عند “حمدي” نفسه.
إنها بداية نسق التشطّي لقيم البداوة؛ والتحول إلى مدائن الاختلاط؛ وتعدّد الأمشاج؛ والانغماس في الهُجنة.
تلك هي “المدينة المختلطة”؛ وليست “المدينة القبلية”[67] لم يعد لحمدي سوى السُّخط والشتائم لنسق القبيلة: “الوحدة الجذرية لبنية الصحراء”[68]؛ ليرفع السارد عقيرته بالنداء[69]:
“ماتَ حمدي؛ ماتَ حمدي ابن اعلي فال الجنوبي؛
ماتَ احميتي برويطة؛ ماتَ حمدي قتله العتاب؛ قتله الأسى؛ قتله الحزن؛ قتله تخليّ الأوربيين عنه؛ قَتلَهُ كرهُ العرب الأصليين؛ قتلته أذية العرب الوافدين؛ قتلته الحلوى المخشوشة.
ماتَ حمدي ابن الغادي، ابن سلم؛
ماتَ الابن الوحيد من صلب سلمُ الحنين:
قتلته كراهية اعلي سالم بن احميمة المجرودي لجدّه؛
قتلته نبوءة عرافة الكهف”
ضاعَ دمه بين القتَلَة؛ ما زالَ دمه فائراً يُسأل قتَلَتْهُ؛ دمٌ يحملُ سلالة “سلمُ الحنين” والغادي الذي نذر نفسه للجهاد، ووجد نفسه يتيماً من “بريق العز والمجد في عيون المتحدثين عن المجاهدين الذين يقضون في ساحة الحرب ضد الأوربيين”[70].
قتْل مضاعفٌ؛ وهويةٌ متشظية؛ وخديعة ونكران؛ كلّها باعدت بين حمدي وآبائهِ وبين قاتليه؛ ليكون شاهداً على “معنى الشهادة بما هي الحضور والمكاشفة”[71]؛ وليست الشهادة مجرد خَطابةً جوْفاء؛ ولا خطاباً حماسيّاً يَدَغْدِغُ المشاعرَ؛ ويفتح الإيديولوجيا على المكاسب. “لم يجد الغادي من يحمله مخضّباً بدمائه دون تغسيله لأن الملائكة ستغسله في الجنة. لم يجد من يَحملُه في ملابسه الأطهرُ من كلّ الأكفان؛ لم يجد من يضعه في قبره حيث سقط، كيْ يأتي قبرُه يوم القيامة شاهداً على جهاده”[72]. إنه الخذلان؛ وحدها الريح من أنصفت الغادي/ المجاهدَ المغبونَ: “وأتت ريحٌ عاصفٌ (…)؛ بقيت لأيام تعصف في المكان (…)؛ وأقامت كثيباً عظيماً على الغادي وراحلته: أعظم من كلّ القبور”[73].
هذه الريحُ المزمجرةُ النّازفةُ الغَضْبى بما فيها من “أدْزَوْكَيف”[74] تحْتجُّ على الخذلاَن؛ وتنتقم للغادي، وتبني له حضوراً شاخصاً لا يمَسُّه الجحُود، ولا تخطئه العين.
وفاءً من الريح، وكائنات الصحراء الطبيعية، وليس البشرية، “لمْ يجد حمدي وآباؤُهُ من رحيمٍ في الصحراء إلا أشجار الطّلح والمعز”[75]. فتدخل الهوية الجديدة باب المحرمات القبلية؛ وتدشن عهد العودة إلى الطبيعة المبكر؛ إلى المعزاة التي “تفطنت إلى سكون حركة حمدي الأبدي”[76]؛ وهي الأم الحَاضِنة لجده “سلم” في استعادةٍ لافتة لقصة “حي بن يقظان” مع الظبية التي تكفلت به: “وحضنته إلى أن ظل “يرتقي من تفكيره في عالم الكون والفساد إلى التأمل في السماء والقائم بأسره”[77].
ههنا تكون الطبيعةً الأصلَ، والهوية المستعادة: تلك هي هوية الصحراء القائمة على “النباهة؛ والبساطة؛ والمؤالفة بين المكان وكائناته”[78]. بل هي تلك الغصة الحارقة في حلقوم المعزاة التي “ما زالت تُقَطِّعُ صوتها”[79] عند كلّ نجيبٍ.
إنها رواية غاصّة بالتغصيص؛ حافلةٌ باليُعَار؛ لكنها “رؤية الذات في الزمن أو رؤية الوجود”[80]؛ تشد العناية إلى التحولات الكبرى التي مست النسق القبليّ في جوهره؛ وفتحته على أعطابه؛ توكيداً على مُتعة مُتخيلاه؛ وبصيرة معزاته.
أكادير؛ في 19 مارس 2024.
ناقد من المغرب
* – تخصص البلاًغة وتحليل الخطاب (بلاغَة الخطاب الصوفي).
[1] – محمد لُطفي اليوسفي: فتنة المتخيل (3): فضيحة نرسيس وسطوة المؤلف، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2011. (نسخة الكترونية).
[2] – نفسه؛ (من المقدمة).
[3] – د. عثمان سيلوم: غصة في حلقوم معزاة، مطبعة أنفو- برانت/ فاس. ط 1، 2023.
[4] – محمد لطفي اليوسفي: فتنة المتخيل (1): الكتابة ونداء الأقاصي (نسخة الكترونية).
[5] – مصدر مذكور؛ راجع تفاصيله في الهامش (3).
[6] – عبد الله إبراهيم: أعراف الكتابة السردية، المؤسسة العربية للدراسات والنشر. ط 1، 2019، ص: 7.
[7] – نفسه؛ ص: 9.
[8] – عبد الله الغذّامي: النّقد الثقافي، قراءة في الأنساق الثقافية العربية، المركز الثقافي العربي، بيروت، البيضاء، ط.1، 2000، ص: 71.
[9] – محمد الأمين ولد الناقي: الثقافة الشنقيطية مقاربة نسقية حول مدة زمنية من 1630 إلى 1980م. مركز نجيبويه للمخطوطات وخدمة التراث، ط. 1، (د.ت): ص 39.
[10] – عبد الله الغذّامي: القبيلةُ والقبائلية أو هويات ما بعد الحداثة. المركز الثقافي العربي، بيروت، البيضاء، ط.2، 2009، ص: 17.
[11] – رحال بوبريك: زمن القبيلة، السلطة وتدبير العنف في المجتمع الصحراوي، دار أبي رقراق، ط.1، 2012، ص: 9.
[12] – عبد الله الغذّامي: ثقافة الوهم، مقاربات حول المرأة والجسد واللغة، المركز الثقافي العربي، بيروت، البيضاء، ط.1، 1998، ص: 171.
* وردت الكلمة في الأصل ب “الأساسي”، والأصحّ لغوياً ما أثبتناه.
[13] – الأسعد العياري: الدّم في النصوص المقدّسة، المركز الثقافي العربي، بيروت، البيضاء، مؤمنون بلا حدود، ص،ص: (9-10).
[14] – عبد الله الغذّامي: ثقافة الوهم، ص: 173.
[15] – نفسه؛ ص: 174.
[16] – نفسه؛ ص: 174.
[17] – غصة في حلقوم معزاة، ص: 50.
[18] – نفسه؛ ص: 50.
[19] – نفسه؛ ص: 53.
[20] – نفسه؛ ص: 51.
[21] – نفسه؛ ص: 52.
[22] – عبد الله الغذّامي: المرأة واللغة، المركز الثقافي العربي، بيروت، البيضاء، ط.1، 1996، ص: 12.
[23] – غصة في حلقوم معزاة؛ ص: 10.
[24] – نفسه؛ ص: 101.
[25] – نفسه؛ ص: 108.
[26] – نفسه؛ ص: 62.
[27] – نفسه؛ ص: 53.
[28] – نفسه؛ ص: 223.
[29] – محمد ولد عبدي: السّياق والأَنْسَاقُ في الثقافة الموريتانية (الشعر نموذجا)، دار نينوى، دمشق، ط. 1، 2009، ص: 47.
[30] – غصة في حلقوم معزاة، ص: 53.
[31] – نفسه؛ ص: 53.
[32] – نفسه؛ ص: 54.
[33] – نفسه؛ ص: 116.
[34] – نفسه؛ ص: 117.
[35] – نفسه؛ ص: 117.
[36] – نفسه؛ ص: 119.
[37] – نفسه؛ ص: 119.
[38] – نفسه؛ ص ص: 238-239.
[39] – محمد ولد عبدي، مرجع مذكور، ص: 48.
[40] – نفسه؛ ص: 49.
[41] – غصة في حلقوم معزاة، ص: 240.
[42] – إسماعيل هموني: الشرفاء الرقيبات: قراءة في الرؤية والمنهج، بحث منشور ضمن كتاب: الزوايا: بحث في النشأة والتطور؛ قراءة في الإنتاج العلمي والأدبي، ملتقى عيون الأدب العربي، النسخة السابعة، مايو 2016، دورة سيدي أحمد الرقيبي، ص: 139.
[43] – محمد ولد عبدي: مرجع مذكور، ص: 51.
[44] – غصة في حلقوم معزاة، ص: 24.
[45] – نفسه؛ ص: 53.
[46] – نفسه؛ ص: 74.
[47] – نفسه؛ ص: 70.
[48] – ميرال الصحاوي: محرّمات قبلية (المقدس وتخيلاته في المجتمع الرعوي روائيا)، المركز الثقافي العربي، بيروت، البيضاء، ط.1، 2008، ص: 44.
[49] – عبداتي الشّمسدي: آليات بناء القبيلة في الصحراء الأطلنتية، قراءة نظرية؛ ومراجعة في الكتابات الاستعمارية، ضمن كتاب: البنيات الاِجتماعية والاِقتصادية بالصحراء. تنسيق: عبد الكريم مدون، سلسلة دراسات صحراوية، ط. 1/ 2011؛ ص: 93.
[50] – نفسه؛ ص: 93.
[51] – رجاء بن سلامه: الموتُ وطُقُوسه (من خلال صحيحي البخاري ومسلم)، رؤية للنشر والتفريع، القاهرة، ط. 2، 2009، ص: 13.
[52] – غصة في حلقوم معزاة، ص 79.
[53] – نفسه؛ ص: 106.
[54] – نفسه؛ ص: 116.
[55] – نفسه؛ ص: 164.
[56] – نفسه؛ ص: 165.
[57] – نفسه؛ ص: 212.
* – جاء في “القاموس” طُمْطمانينة حِمْيرَ – بالضّم: تشبه لغة العجم لما في لغتها من الكلمات المنكرة؛ وهي إبدالُ اللاّمِ ميماً.
[58] – نفسه؛ ص: 183.
[59] – نفسه؛ ص: 218.
[60] – نفسه؛ ص: 184.
[61] – إدريس نقوري: قبيلة أزوافيصا: مجاهدة وإصرار، مطبعة النجاح الجديدة، البيضاء، ط.1، 2014، ص: 21.
[62] – غصة في حلقوم معزاة، ص: 197.
[63] – إسماعيل هموني: الصحراء: ذلك الكتاب (في سيمياء الصمت)، ثقافة الصحراء، العدد الأول، خريف 2013، تصدرها جمعية أصدقاء متحف الطنطان، ص: 223.
[64] – عبد الله الغذامي: القبيلة والقبائلية، ص: 25.
[65] – نفسه؛ ص: 100.
[66] – نفسه؛ ص: 105.
[67] – نفسه؛ ص: 130.
[68] – نفسه؛ ص: 148.
[69] – نفسه؛ ص: 268.
[70] – نفسه؛ ص: 164.
[71] – الأسعد العياري: مرجع سابق، ص: 78.
[72] – غصة في حلقوم معزاة، ص: 164.
[73] – نفسه؛ ص: 164.
[74] – لعزيزة منت البرناوي: الأصوات والحركات في الحسانية بين الأصل والتأصيل، مركز الدراسات الصحراوية، الرباط، ط.1، 2015، ص: 63.
[75] – غصة في حلقوم معزاة، ص: 268.
[76] – غصة في حلقوم معزاة، ص: 268.
[77] – محسن جاسم الموسري، بثينة الخالدي: الوافي في تراث العرب الثقافي، المركز الثقافي العربي، بيروت، البيضاء، ط.1، 2010، ص: 580.
[78] – إسماعيل هموني: انظر كتاب: الزوايا: بحث في النشأة والتطور. ص: 135.
[79] – غصة في حلقوم معزاة، ص: 269.
[80] – محمد الأمين ولد الناتي، مرجع مذكور، ص: 317.
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي