العوالم الشعرية وآفاقها في تذاوت التصوف والشعر:
قصيدة ” صاعِدًا لا أرْتَوي”
للشاعر الحسن الكامح أنموذجا
عبد العاطي الزياني*
في اللقاء بين الشعر وصبوات التصوف
يُعدّ التصوف رافدًا أساسيًا من روافد الثقافة المغربية، وقد ترك بصماته الواضحة في مختلف أشكال التعبير الأدبي، ويلوح في مغامرة الشعر المغربي المعاصر تأثير التصوف جليًا في عدة جوانب، منها عتاقة اللغة الشعرية التي يعبر من خلالها عن مواجده، ووجع الرموز المشحونة بالإشارات والمثقلة بماء الحال، والموضوعات الروحانية التي تعتمل بها نصوصه. وفي استلهام الشعراء شخصيات صوفية بارزة، مثل ابن عربي والحلاج والنفري وجلال الدين الرومي. بحثا عن المعنى العميق للوجود الذي يمكن ان تحمله تراكيب النص الشعري، وتعبيرا عن الشوق إلى المطلق، وتأملا في العلاقة بين الذات والعالم.
وقد ساهم ذلك في إثراء التجربة الشعرية المغربية المعاصرة، وإضفاء عمق روحي عليها. فالتصوف بكل تجاربه شرقا وغربا منحت الشاعر المغربي المعاصر أدوات تعبيرية غنية، مكنته من التعبير عن تجاربه الروحية والوجودية بأسلوب فني رفيع.
ولقد حملت تجارب الشعر المغربي المعاصر في نسيجها التخييلي الكثير من التأثيرات الروحية والفكرية، وتبدو هذه التأثيرات البارزة بارزة في نصوص كل من بنعمارة وعبد الله راجع وعبد الكريم الطبال وفاء العمراني والرباوي حيث التصوف بأشواقه ورؤاه العميقة في لقاء رحب وليس مجرد تلاقٍ عابر، بل هو تفاعل جوهري يمتد عبر تاريخ طويل من التجارب الروحية والإبداعية.
البعد الصوفي في الشعر المغربي المعاصر
وظف متخيل الشعراء البعد الصوفي في تجارب الشعر المغربي المعاصر من خلال عدة مستويات:
- 1-اللغة والرمزية: استلهم الشعراء المغاربة رموزًا صوفية عميقة مثل النور والفناء والسكر والحجاب والكشف، مما منح نصوصهم أفقًا روحانيًا مفتوحًا على التأويل. ولعل الشاعرة وفاء العمراني بمجموعاتها التالية: أنين الأعالي: نصوص، دار الآداب، بيـروت، 1992.
- فتنة الأقاصي، منشورات الرابطة، الدار البيضاء، 1996.
- هيأت لك، أفريقيا الشرق، الدار البيضاء، 2002
تمثل نموذجا فريدا ظل يراود فتنة الذوق وعنفوان الحال لبلوغ سدرة التجلي الفني، وحرصت في كل نصوصها على جعل الجسد أول الفتح في معراج المعنى، ولم تخف الذات ولهها الجارف برجرجة الحروف التي تتوشى بالكشف.
- التجربة الوجدانية: يتقاطع الشعر مع التصوف في كونه تجربة ذاتية متجاوزة، حيث يسعى الشاعر إلى التعبير عن لحظات التوهج الروحي والاتحاد بالوجود. وسيكون الشاعر عبد الكريم الطبال ممن صارت القصيدة عنده تتراوح في شعره وفي تطوافه بين أغوار ذاته، لا يكتفي بالوقفة هنا دون أن يكون هناك. يقول في حوار معه: “حين أكون في الوهم أكون في الحقيقة، وحين أكون في الخيال أكون في الواقع مُشتتا كريح، مُتفقا مُخْتلفا في الآن، بَحْثا عن شيء غير مفقود، ولكنني لا أدركه وما أدركه أحد. الخلاصة؛ هي أنني مُبْتلى ولا دواء لي مع الشعر إلاه.”[1]
يقول في حوار معه: ” بدأت منذ الطفولة أميل وجدانيا إلى المحتد الصوفي، فالبيت الذي عشت فيه طفولتي كان يؤهلني للاغتراف من نبع التصوف، أو على وجه الدقة الانتباه إلى الأفق الروحاني”[2]
- الموسيقى والإيقاع: للتصوف صلة رفيعة بالإنشاد والسماع، وهو يبدو مودعا في عديد من النصوص الشعرية المغربية التي تعتمد على الإيقاع العميق والجرس الداخلي للكلمات. ويبدو الشاعر محمد بنعمارة نموذجا لذلك المنحى إذ لم تكن القصيدة عنده، مجرد كلمات وأخيلة وصور يلتذ ويفتن في صوغها وتطريزها، لم تكن عنده حبرا يسيل من قلمه، بل كانت دما يسيل من سويدائه وجنانه ولبنعمارة لغة شعرية رائقة وجزلة وشفافة، تحمل نبضه الخاص. لغة استقطرها واستصفاها من وجيب قلبه”[3] يصير التصوف لسان حال الشاعر وسيرة يومه الحافل، ولقد عكست نصوصه الشعرية وعناوينها ذلك المنحى في الكتابة.
- الرؤية الكونية: يعكس التصوف رؤية شاملة للوجود قائمة على الحب الإلهي والتواصل الروحي مع العالم، وهي رؤية نجدها بوضوح في إبداعات شعرية مغربية معاصرة تتجاوز البعد الواقعي إلى أفق متعالٍ.
ولد مثِّل التصوفُ مكونًا جوهريًّا في الشعر المغربي المعاصر، فمن خلاله عبر الشعراءُ عن أسئلةِ الوجودِ والهُويةِ في عصرٍ تطغى عليه المادّيةُ والاغتراب.
فقد استحضرت تجربةَ الحلاجِ ورابعةَ العدويةَ لرسمِ دربِ المعاناةِ الإنسانية، وأقام الصوغ الشعري حوارًا مع ابن عربي، مُحوِّلًا التصوفَ إلى فضاءٍ للتمردِ على القيودِ الاجتماعية. ولم يقتصرُ التأثيرُ على المحتوى، بل تجلّى في البنيةِ الأسلوبية: الانزياحُ اللغوي والتراكيبُ المُكثَّفةُ التي تُحاكي “اللغة السرّية” للصوفية. هكذا صار الشعرُ المغربيُّ المعاصرُ جسرًا بين الموروثِ الروحيِّ وقلقِ الإنسانِ الحديث، مُعيدًا تشكيلَ التصوفِ كخطابٍ ثوريٍ يُواجهُ انهيارَ المعنى في العصرِ الراهن
البعد الصوفي في قصيدة: “صاعدا إليك” للحسن الكامح

الحسن الگامح شاعر عربي معاصر من مواليد المغرب، ويُعتبر صوتًا شعريا في الشعر المغربي المعاصر. يتميز شعره بالانزياح اللغوي السلس الذي لا يداخله غموض مريع، فالعبارة الشعرية في نصوصه التي تترى تظل مشرقة، منذ بداياته اقتبل المنهل الصوفي فعبَّ منها الدفق الصوفي الذي اتخذ من الشعر بوحه اليومي، فقد ظل في اغلب إصداراته الشعرية يستوحي حالات الروح وسباحتها في رحلة الذات من عالمها الأرضي وتشوفها لعلياء الملكوت مما يسهل على القارئ فهم المعاني العميقة التي يحملها شعره مُحافظًا على إيقاعٍ داخلي يُلامس اللاوعي. والقصيدة قيد التأويل والتحليل مقطع من قصيدة: “صاعدا لا أرتوي”
من الاهتزاز العاشر: “صاعدا لا أرتوي” سيرة متصوف 2019 عن مؤسسة آفاق للدراسات والنشر والاتصال، بدهي أن القراءة ليست فعلاً بريئاً. وإن كانت صلتها بالشعر فهذا أمر ذو بال، لأجل ذلك تصير إذن حدثا لا يمكن أن يفتح مجراه إلا داخل حشود من المخاطر تظل تترصده، وحشود من المزالق تظل تجتذبه من المحتمل أن يتردى فيها. فمن المحتمل أن تمارس القراءة النقدية على شعرية النص المدروس نوعا من الحجب، فيما هي تدعي الكشف عنها. ذلك أن شرط تشكل النقد وشرط نهوضه باعتبارها إسهاما في عملية الإبداع إنما هو الوقوع على سر قوة النص المدروس، والوقوف على مكوناته البانية لشعريته وحركاته الحاضنة لهويته، حركات رموزه وصوره وإيقاعه. خاصة والأمر متصل بنص ينتمي إلى الشعر الصوفي الذي يمتلك صيغا شتى إلى الدلالة بسبب طبيعة المتخيل الذي يمتح منه وله تأثير على منبته. ولقد كان الشاعر الكامح منذ فواتح تجربته ينهل من هذا المعين الصوفي، ولعله ذاق عبابا على مهل، دون ان تتخلف الحروف في اعتناق ذاك الذي لايعتنق لتواصل تجربة البوح وتمتين التجربة وتتابعت إصداراته التي اختار لها مفهوم الاهتزاز كصدى لمواجع الذات وهي تبذل الشعر ترياقا لوجه الروح، ولعله تجاوز الأن أكثر من الاهتزاز العاشر.
الملامح الصوفية في النص:
بنى الشاعر الحسن الكامح نصوصه الشعرية منذ استواء تجربته على متخيل يتخذ من الأفق الصوفي مسارا فنيا استودعه أسرار تجربته، ولقد تتالت إصداراته وهي تكاد أن تضيء جوانح الورق بنار الحروف وهي تهتاج وجدا وبوحا عما يعتمل في الخفايا، خفايا الشاعر وهو مأخوذ بما ارتقت بنفسه اللغة، ولعله كشف عن ذلك من خلال الملامح الفنية التالية
- الحوار مع الذات:
اعتمد النص حوارا داخليا بين الشاعر وذاته، وهو أمر شائع في الأدب الصوفي حيث يتم استكشاف الذات والبحث عن الحقيقة الداخلية. وسعى إلى اكتشاف أكثر، لعله يكون برحاء تلهج بكل ما فيه هواجسه، فالذات في مقامها تطلب لقاء بالملكوت وهي تواجه اللقاء بذاتها، رغم تيه عارض تعاود اللقاء بإنيتها:
يقول الشاعر: “تُحاوِرُني الذَّاتُ / وأنا الصَّاعِدُ مِنْ تيْهِ الذَّاتِ”.
إن الشاعر يحاور ذاته في حال الإحساس برغبة الصعود، بشكل واضح وعميق. معبرا عن صراعه الداخلي بين الجحيم والجنة، بين الذات والمطلق، بين العطش والرغبة في الوصول إلى الماء النقي.
يبدأ الشاعر بذكر صعوده من “جَحيم الذَّاتِ” إلى “جِنانِ الرُّقِيِّ وَحيدًا”، مما يشير إلى صراعه الداخلي بين الذات والروح. حيث يشعر بالحرقة والحرمان، فهو لا يجد ماء يروي عطشه أو موجا يطهره. يتقدم حاملا صخرة الأنا على كتفه، مما يرمز إلى عبئه الداخلي الذي لا يستطيع التخلص منه.
يبحث الشاعر بين الغيوم والنجوم عن وجه يشبهه أو ضوء ينيره، مما يشير إلى بحثه عن الهوية والهداية. كما يشعر بأنه موزع بين أشعة الشمس، ولا يستطيع أن يحتوى على شعاع واحد، مما يرمز إلى تفككه الداخلي.
يصف الشاعر نفسه بأنه “النافِر من نفسه” إلى بلاد الغيب، مما يشير إلى بحثه عن الهروب من ذاته إلى عالم الغيب. حيث يشعر بأنه بين جحيم المجهول، محاولا أن يعانق ظلاً ضاع منذ ليالٍ.
يختتم الشاعر قصيدته بذكر صعوده من “مدن العطش” إلى “جنان ربّه”، مما يشير إلى أمله في الوصول إلى الهداية والخلاص. يحدس الشاعر بأنه لا يستطيع أن يستقر إلا في ما يعلقه عالياً، مما يرمز إلى بحثه عن العلا والكمال.
في النهاية، معبرا عن رغبته في الهروب من ذاته إلى عالم الغيب، حيث يشعر بأنه لا يستطيع أن يجد السلام أو الهداية إلا في هذا العالم. انه الإحساس الذي يشعِرُهُ بأنه بين جحيم المجهول، حيث يحاول أن يعانق ظلاً ضاع منذ ليالٍ.
الارتقاء الروحي:
تعكس قصيدة “صاعدًا” للشاعر الحسن الكامح رحلة الارتقاء الروحي والتطور الذاتي، حيث تناول من خلالها صراعه الداخلي ورغبته في الوصول إلى حالة من النقاء الروحي والسمو، فقد عبر عن الصعود إلى “سماوات الخلد”، وهو رمز للارتقاء الروحي والبحث عن الوجود الأعلى.
مثال: “إلى سَماواتِ الْخُلْدِ أقْتَفِي نورَ القَصيدهْ“.
تبدأ القصيدة رحلة الارتقاء الروحي مجسدة بتصوير الشاعر في حالة من المعاناة، حيث يصف نفسه بأنه “صاعدًا من جحيم الذات إلى جنان الرقي”. هذا الانتقال يعكس رغبته في الهروب من الألم والبحث عن السعادة الروحية.
ويظهر الشاعر في حالة من البحث عن ذاته، حيث يسعى للعثور على “وجه يشبهني” و”ضوء ينيرني”. هذا البحث يعكس رغبته في فهم هويته الحقيقية والتخلص من القيود التي تعيقه.
ولقد أكد صوت الذات تجلي الصراع بين الرغبة في الارتقاء والواقع المؤلم، حيث يعبر عن كونه “الموزع بين الذات والقصائد”. هذا الانقسام يعكس التوتر بين الطموح الروحي والواقع المعيش.
ولقد طلب الشاعر من والدته أن “تفك قيدي”، مما يعكس رغبته في التحرر من القيود التي تعيقه عن الوصول إلى النقاء الروحي.
تنتهي القصيدة بتأكيد الشاعر على أهمية الارتقاء الروحي، حيث يعبر عن عدم رضاه عن نفسه إن لم يسعَ نحو “جنان ربي”. تعكس هذه الكلمات إصراره على السعي نحو النقاء الروحي والتوبة.
- التجلي والاستبطان:
يعكس النص لحظات من التجلي الروحي، حيث يتجلى للشاعر نور الحقيقة أو الإلهام يقول: “وقدْ تَجَلَّى لي في البعيدِ”. ولقد جسدت القصيدة تجربة روحية عميقة، يتداخل فيها التأمل الوجودي مع النزعة الصوفية، حيث يصور الشاعر رحلته من جحيم الذات إلى جنان الرقي في محاولة للخلاص والتطهر.
بدأت القصيدة بحالة من الصعود الدائم، حيث يحمل الشاعر صخرة “الأنا” على كتفه، في إشارة إلى معاناة الذات البشرية وصراعها مع محدودية الوجود. يظهر استبطان الشاعر لنفسه في بحثه بين الغيمات والنجمات عن وجه يشبهه، كأنه يبحث عن معنى أو خلاص يحرره من قيوده. هذه الرحلة الروحية تتسم بالعزلة، إذ يسير الشاعر “وحيدًا شريدًا” متجاوزًا ملذات الدنيا، ساعيًا إلى النقاء الروحي، في تجلٍ واضح للفكر الصوفي الذي يرى في التخلي عن الماديات طريقًا إلى الصفاء.
يتكرر في القصيدة استخدام رموز الماء والنار والظل والضوء، في مزيج من الثنائيات المتعارضة التي تعكس حيرة الشاعر بين الانجذاب إلى العالم المادي والرغبة في تجاوزه. ويصل التجلي الروحي مداه عندما يؤكد الشاعر أن الخير لا يكون إلا في “ركوب سفينة الله” والصعود إلى جنانه، حيث تصبح الرحلة رحلة خلاص.
بهذا، تعبر القصيدة عن صراع داخلي بين الأنا والرغبة في الفناء الروحي، حيث يرفض الشاعر الاكتفاء بملذات الدنيا، ويبحث عن سمو معنوي يروي عطشه الأبدي.
الرمزية الصوفية:
تعكس القصيدة رحلة الروح نحو الكمال الروحي. فقد اشتغل الشاعر على صيغ شعرية جعلها رموزًا مثل النور والماء والسماء والظلمات، لتصوير مراحل تطور النفس وتنقّلها بين الظلام والضياء. فالنور يرمز إلى المعرفة واليقظة الروحية، والماء إلى الطهارة والتجدد، أما السماء فهي رمز العلو والسمو الروحي، بينما الظلمات تمثل الجهل والابتعاد عن الحقيقة. في السطرين الشعري “كيف لي أن أغوص في بحر الليالي / عاريًا مما يحيط بي من نجمات”، يعبّر الشاعر عن تحدي النفس في مواجهة الظلمات والبحث عن النور وسط الظلام، مما يعكس صراع الروح في طريقها إلى النقاء والكمال.
يسعى الشاعر إلى معانقة أنفاس الكمال وهو يجاهد صمت الليالي، والنجمات في السماء مضيئات، ولذلك ظل مساره الدلالي متأرجحا بين الاتصال والانفصال، يقبض على الشوق الحار يعلو به إلى معاريج، فيتصل بالنور الهائل، لكنه يخفي خوفه من موت يأكل أيامه، فيمني نفسه بالقبض على بكلتا يديه، ذاته لا تغادر الخلوات إلا ليعود إليها.
الصوغ الفني:
- الصور الشعرية:
سعى النص لدى الشاعر الحسن الكامح إلى اقتفاء طريقته المعتادة، يشد بعضها بعضا متكئة على الصوغ السردي المعتادة في جعل صوره الشعرية تتوالى قوية تعكس التجربة الصوفية، التي يذلها الشاعر وهي تدل على معناها بالمجاز عبر التركيب الإضافي مثل: «بحر الليالي”، و”ظلمات الغيابات“ و”بيْنَ الغَماماتِ التَّائِهاتِ / والنَّجْمات البَعيداتِ“.
يكتسي الليل حالة الظلمة ومسافة من الحقيقة، وللبحر دلالة على اتساع هذا المجهول وصعوبة اجتيازه، إنها صور تشخص الواقع النفسي وتجسد رغبة محمومة للعبور والانسلال إلى الأعالي، ولعله اوغل في قصد الأقاصي (الليالي والظلام والنجمات والغمامات ….)
تبدو الصور الشعرية في النص الصوفي علامات تقيم بين الظهور والحجب، واقتفاء عناصر الألم والخوف والشوق، ينتقي الشاعر معجمه في بناء القصيدة مشدودا إلى ما كان، لا تكتفي صوره الشعرية بوصف الواقع المادي الذي يسعى لمغادرة أجوائه، بل يكون سعيها التعبير عن رؤية باطنية وروحية، ولذلك يبدو أن رغبته الحقة تتمثل في اعتماد رحلة روحية نحو الفناء والانعتاق من سجن المادة، فتحولت صوره الشعرية إلى إشراقات ومضات تنفلت من الملموس إلى ما وراء الغيب. يقول الشاعر في نصه:
- صاعِدًا مِنْ جَحيم الذَّاتِ
إلى جِنانِ الرُّقِيِّ وَحيدًا
والسَّعيرُ يَلُفُّني ولا أرْتَوي
لا ماءَ فِي المَدى يَرْويني
لا مَوْجَ فِي البَحْر يُطهِّرُني
صاعِدًا أحْمِلُ صَخْرَةَ الأنا
عَلى كَتِفِي وبالنَّار أكْتوي
أبْحَثُ بيْن الغَيْماتِ المُشْرقاتِ
عنْ وجْهٍ يُشْبِهُني
عكس المقطع الأول: صَاعِدًا مِنْ جَحِيم الذَّاتِ إلى جِنانِ الرُّقِيِّ وَحيدًا” صورة شعرية، اعتمدت محسن الاستعارة المكنية.، صوّر الشاعر ذاته بـ “جحيم” موحش ومؤلم، وصوّر الرقي بـ “جنان” أي حدائق نعيم. وكما صور الصعود من الجحيم إلى الجنان يوحي برحلة روحية للارتقاء والتسامي.
وتعكس هذه الصورة رحلة السالك الصوفي من حالة النفس الأمّارة بالسوء وهو ما سماه (الجحيم الداخلي) نحو مراتب روحية أعلى وصفاء (جنان الرقي). وتحيل الوحدة في هذا الصعود إلى فرادة التجربة الروحية وضرورة المجاهدة الذاتية.
وفي المقطع “والسَّعيرُ يَلُفُّني ولا أرْتَوي لا ماءَ فِي المَدى يَرْويني لا مَوْجَ فِي البَحْر يُطهِّرُني“: استمر الشاعر في اعتماد اصورة شعرية مبناها الاستعارة المكنية وتشبيه ضمني. “السعير يلفني” يصور الألم الروحي والوجداني كنار تحيط بالشاعر ويبرز أن غياب الارتواء ونفي وجود الماء والموج يمثلان حالة العطش الروحي التي يحسها، وصعوبة إيجاد ما يروي هذه الغلة أو يطهر النفس من أدرانها. يعكس هذا المقطع معاناة الروح المتعطشة للمعرفة الإلهية والأنس منه. ويرمز “السعير” إلى حرقة الشوق والحجاب الذي يحول دون الوصال، بينما يمثل “الماء” و “الموج” الرحمة الإلهية والتجليات التي تطهر القلب وتنيره.
وعلى النهج ذاته استمر المقطع التالي: “صَاعِدًا أَحْمِلُ صَخْرَةَ الأنا عَلَى كَتِفِي وبالنَّار أكْتوي“ اعتمد الشاعر استعارة تصريحية ومكنية. “صخرة الأنا” استعارة تصريحية، حيث مثلت الأنانية وثقل الذات بحجر صلد ينوء بحمله الشاعر. “بالنار أكتوي” تشخص الاستعارة المكنية المعاناة الناجمة عن هذا الثقل كلظى يحرق.
تعكس الصور الشعرية ترحال الشاعر في مسيرته الصوفية المشبعة بالتحديات والمعاناة والشوق نحو الارتقاء الروحي والوصول إلى حالة من الصفاء والقرب.
الخاتمة:
النص الشعري “صاعدًا إلى الخلوات أروي الذات” يعكس تجربة صوفية عميقة، حيث يبحث الشاعر عن الحقيقة الداخلية من خلال الحوار مع الذات والارتقاء الروحي. باستخدام الصور الشعرية القوية والرمزية الصوفية، يعبر النص عن رحلة البحث عن المعنى والخلاص في عالم مليء بالظلمات والتحديات. النص يترك القارئ في حالة تأملية، داعيًا إياه إلى استكشاف ذاته والارتقاء بها نحو النور والحقيقة
ناقد من المغرب
[1] – حوار للشاعر مع الباحث عبد اللطيف الوراري في مجلة القدس العربي يوم الجمعة 2 سبتمبر 2022
[2] – نفسه
[3] – مجلة طنجة الأدبية: نجيب العوفي محمد بنعمارة/لأجل الإبداع والحياة 2016-10-18
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي
