
عين الحسناء للأديب الإماراتي حارب الظاهري
إخلاص فرنسيس*
ونحن نسير في أزقّة الحياة، نلتقي بعضهم، ويَلتقينا البعض، تبدأ التحايا بالعيون، وتنتقل إلى كلمة نُعرِّف بها أنفسنا. نُكحّل مسامعنا بالأسماء، نلفظها وكأننا ننادي بها قدّيسين، ومرّاتٍ أخرى كأننا ندفن حبيبًا. على تراب الرواية، تتّضح لنا الأسماء التي مرّت بنا، وتعلَق في ذاكرتنا، فنحكي عن قصصها. أسماء بلا وجوه، بلا أجساد، مجرّد مجموعة من الحروف: سين، صاد، عين، ألف، نون، حاء، وباء؛ حقيقة كالشمس، لا يمكن أن يُخفيها الورق، وإنْ تعمّد الكاتب إخفاءها. تبرز كما صوت الليل، كما خرير السواقي، كما القمر في اكتماله، وكوردةٍ وسط الأشواك، في عزف القلم، وفي هجعة السكينة.
الحياة لا تنتهي بالموت، ففي يقظات الحلم يقيم مَن رحلوا. الموت اغتراب، وسكون، واجتراح حكايات يطمئن إليها الكاتب، ويُناجي بها والدته، يدندنها كنَبض حسناءٍ، ولحن حلم لم ينتهِ. في ظلامٍ دامس، يرسم ملامح الشوق لمن “توشّحت دموعها وجهها الخرافي الجميل”.
حارة الحميراء، وما طرأ عليها — أو لم يطرأ — من تغيّرٍ منذ عشرين عامًا، باستثناء غياب الأب، ذاك الغياب الملحّ في تيه الحياة، الذي يترك فراغًا يملأ حياة البطل، بينما هو نفسه يملأ مكان الغائب. هناك، حيثُ دور الرجل في المجتمع الشرقي، ودور المرأة، حيث كانت المرأة في المجتمعات الريفية لغزًا مُحيِّرًا، داخل حارة قليلة البيوت، مجتمعٌ مغلق، ضيّق الأفق، الكل يرقب الكل، ولا مكان للاختباء.

“الناس هم فصول الحياة ونشوة مراحلها الأسطورية”، ولعلّ رواية عين الحسناء للأديب الإماراتي حارب الظاهري، هي فصل من سيرة الكاتب، أو ربما من سيرة سكان حارة الحميراء.
أسلوب حارب الظاهري يتميّز بمزجٍ فريد بين البساطة والعمق، وهو أقرب إلى النثر الشعري، لا سيّما في تصويره للطبيعة، أو غوصه في المشاعر العاطفية العميقة. يعبّر عن عالمه الداخلي بصدق شفاف، محافظًا على صدقه السردي، وإن لجأ أحيانًا إلى شيءٍ من المبالغة الفنية التي تخدم جمالية التعبير دون أن تمسّ بجوهر الحقيقة. تنساب كلماته بسلاسة تُشعر القارئ بالألفة والجاذبية. لغته آسرة، “ساحرة، عبقة، وفيها لدغة شعرية حلوة” تُضفي على السرد نكهةً خاصة.
رواية عين الحسناء إماراتية بامتياز، تنقل المتغيرات التي طرأت على المكان الذي عاش فيه الكاتب، وعلى التحوّلات المجتمعية، وتستعرض مكونات المجتمع الجديد، في بلدٍ بات يستقطب جنسياتٍ متعددة، أبرزها الجالية الهندية.
كلّ مدينةٍ تُخبئ في زواياها حكاية عشق، لا تُروى بالكلمات فقط، بل تنبعث من حجارة الجدران، من وقع الخطى في الأزقّة، من نظراتٍ عبرت ذات يوم ولم تعد. هكذا هي مدينة العين، كما تتجلى في الرواية، مدينة تتكلم بلهجة أهلها، وتكتب سيرتها عبر حيّ “الحميراء”، الذي كان يومًا حيًّا شعبيًّا نابضًا بالحياة، ثمّ غدا وجهًا مدنيًّا يحمل ملامح التحديث والتغيير.
يقول درويش: “غلبتك يا موت جميع الفنون”. وقد برع الظاهري في استحضار هذا البعد من خلال نظرية تداخل الفنون، حيث تتداخل الأدب، والموسيقى، والرسم، والمسرح، في تجربةٍ جمالية متكاملة، تغذّي فيها الفنون بعضها، وتُجسّد وحدة الإبداع الإنساني وتكامله عبر الحواس المختلفة. الفن بأشكاله كافة هو حارس الروح ومرآة الزمن، رحلةً أدبيةً امتزج فيها السرد بالشعر، والوصف بالرسم، لتتشكل أمامنا لوحة نابضة لتحولات المجتمعات الخليجية منذ سبعينيات القرن الماضي.
لقد رسم الكاتب لوحةً تتشكّل من الشعر، والرسم، والفن التشكيلي، والسرد، والتصوير الوجداني، وموسيقى الريح، وألوان الحنين، ليقول إنّ الجمال كامنٌ في روح المكان. البيوت ليست مجرد مبانٍ من حجر وإسمنت، بل نَسْجٌ من الحواس والذكريات؛ أوعيةٌ صامتة لكلّ ما دار ويدور فيها. فيها خطّطنا ملامحنا الأولى، وتكوّن وعينا، وتشكلت اللغة، وانبثقت الدهشة، وتفتحت العين على العالم. في الزوايا البسيطة، في رائحة الجدران التي اختزنت مواسم المطر، في دفء البلاط تحت شمس الظهيرة، نمَت فينا الأحلام، والخيال، والخوف، والحب الأول. ذلك الشعور الغامض الذي لا نعرف اسمه، لكنه كان يزورنا بخجلٍ في أزقّة حارة الحميراء، حين يمرّ أحدهم فنرتبك دون أن نعلم السبب.
الأماكن التي شهدت أعوامنا الأولى لا تغادرنا، حتى إن فارقناها. إنّها تُشكّل فينا طبقات خفية من الشعور، واللغة، والانتماء. علمتنا كيف نُطلّ على العالم من خلف الستائر، كيف نخاف من ظلّ، وكيف نطمئن لصوت الأم.
البيت القديم ليس فقط مكانًا نسكنه، بل مكانٌ يسكننا. يشبه ذاكرةً معمارية تتنفس وتنمو معنا. وعندما نغادر تلك البيوت، نظل نحملها فينا، في الحنين الذي لا يهدأ، في الصور التي تلمع في المخيلة دون سابق إنذار.
“نحن نبني بيوتنا، ثم تبنينا هي”، كما قال تشرشل. والمباني التي شكّلت طفولتنا لا تحتوينا فقط، بل تُكوِّن وجداننا، تطبع فينا الإحساس بالطمأنينة، وتمنحنا ألفةً مع العالم من حولنا. في ظلّها الأول تشكّلت مفاهيمنا عن الذات، والانتماء، والحماية، والحنين، والحب، والخوف.
المباني القديمة ليست أطلالًا، بل بوصلةٌ داخلية تشير دومًا إلى حيثُ بدأت الحكاية. هي ذاكرة تنبض، وحكاية لا تنتهي، لأنها حفظت الحبّ الأول، والضحكة الأولى، والحنين الذي يرافقنا ما حيينا.
رواية عين الحسناء ليست مجرّد سردٍ لتحوّل عمراني، بل تأمّلٌ في تحوّلات الذات، في صمت الروح أمام الجمال، وفي نظرة المدينة إلى نفسها من خلال أنوثةٍ غامضةٍ، وماضٍ لا يزال حيًّا في الذاكرة، وإن تبدّلت ملامحه.
في الرواية، لا تكون البطلة فتاةً فقط، بل مدينةٌ كاملة تتزيّن بملامح من الماضي، وتتشكل بأحلام الحاضر. وتبقى “عين الحسناء” — تلك الفتاة التي تلوح في خيال البطل — لغزًا مدهشًا، يتردّد صداه في مجتمع عربي محافظ، حيث ظلال الخجل تسبق النظرات، وحيث الأنثى ليست فقط موضوع حب، بل معضلة وجدانية وفكرية تحرّك الأسئلة أكثر مما تمنح الأجوبة.
لغة الظاهري تشبه غناءً داخليًا شفيفًا، تأمليًا، يراهن على الإيقاع الداخلي للكلمة، ويجعل من النصّ نصًا يمكن أن يُقرأ بصوتٍ عالٍ كما لو كان قطعة موسيقية. هي لغة تُمجّد التفاصيل الصغيرة، النظرات، الارتباك، ظلّ الليل، أول حب، وأول دهشة، لتقول إن الحنين ليس شعورًا فرديًّا عابرًا، بل بنية وجودية.
رواية عين الحسناء ليست فقط توثيقًا لتحوّل حيّ أو مجتمع، بل هي عمل أدبي يعيد الاعتبار لـ” للذاكرة الجمعية لأهمية التراث” بوصفه خزانًا للهوية، وللمرأة بوصفها مرآة للتحوّلات الداخلية، وللكتابة بوصفها وسيلة لإنقاذ الزمن من الفقد. إنها نصٌّ مفتوح على الذاكرة، وعلى الحلم، وعلى الشعر، وعلى سؤال الوجود الذي لا تكفي الكلمات لتفسيره.
وفي الختام، لقد تجلى أمامنا كيف أن الكلمة لم تعد وحدها أداة حكي، بل صارت فضاءً يلتقي فيه الأدب مع العمارة، والحنين مع التصوير، والموسيقى الخفية مع إيقاع التغير الاجتماعي. شهادة حيّة على تداخل الفنون، حيث تتآزر الكلمة مع الصورة والمشهد مع الإحساس، لتصنع نصًا يحتضن الذاكرة ويحميها من النسيان.
ناقدة من لبنان
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي