الوصف الكثيف في العلوم الاجتماعية الثقافة السياسية في الدولة التقليدية المغربية
مغرب الحسن الأول نمودجاً من خلال نص للأنثروبولوجي كيفورد غيرتز
تقديم و ترجمة سفيان حنون*
من هو كليفورد غيرتز؟ ولماذا ترجمة نصه هذا؟ الموسوم ب « مغرب الحسن، حركة وطاقة »؟ وماهي الدلالات و المعاني التي يحملها في طياته؟
– عن هوية كليفورد غيرتز وأهمية نصه هذا عن لحظة في تاريخ المغرب مع حكم الحسن الاول في أواخر حياته:

يعتبر كليفورد غيرتز (1926-2006)، من أبرز الباحثين الامريكيين، وأكثرهم تأثيراً في جيل كامل. نال ميدالية هيكسلي التذكارية سنة 1983، وجائزة الثقافة الأسيوية لفوكواكا سنة 1992، كما شغل منصب المستشار للعلوم الاجتماعية في مؤسسة فورد بإندونيسيا، واستاذاً لعلم الاجتماع في معهد الدراسات المتقدمة ببرينستون، كما يعتبر أيضاً مؤسس المدرسة التأويلية في الأنتروبولوجيا التي تشتغل على الرموز الثقافية. ويعتبر كتابه « تأويل الثقافة [1]» مرجعاً اساسياً في حقل الأنتروبولوجيا التأويلية، التي اعتمدها كمنهج في دراسته للرموز الدينية و الدولة التقليدية في اندونيسيا و المغرب ما بين 1963 و 1971، ومن بينها هذا النص الذي سنترجمه للقراء.
من جهتنا نرى بأن منهج الوصف في العلوم الاجتماعية ليس مجرد اداة تقتصر على تسجيل الوقائع، بل انها عملية بناء نسيج المعاني التي تمنح للوقائع دلالتها داخل سياقها الاجتماعي و الثقافي. فالوقائع لا تُفهم، تبعاً لهذا المنظور من خلال ما يظهر، بل من خلال النظام الرمزي الذي يؤطر الافعال سواء كانت طقساً او حركة او خطاباً او لباساً او سلطة.
يبرز اسهام كليفورد غيرتز في هذا السياق كنموذج تأويلي مستلهم من اعمال الفيلسوف جيلبيرت رايل. اذ يؤكد في كتاب تأويل ثقافة « « Bali, interprétation d’une culture أن مهمة الباحث هي تأويل دلالات الفعل ضمن نسق ثقافي محدد. فمن الزاوية الأنثروبولوجية، لا يمتلك الفعل معناه في ذاته، بل يستمده من خلال نسيج المعاني التي يشارك فيها الفاعلون.
إن الثقافة باعتبارها « نسيجاً من المعاني [2]»، نسجه الفاعلون معاً، تحدد مهمة الباحث في الكشف عن هذا النسيج و تتبع التقاطعات المشكلة له. لذلك، لا يتعلق الامر بوصف الواقع كما هو، أي كما يعطى مباشرةً، مثلما دعت الى ذلك جل التيارات الوضعية فيما يتعلق بالعلوم الفيزيائية، بل يتعلق الامر بوصف كثيف، يكشف عن العلامات و الرموز التي يستعملها الفاعلون لإضفاء المعنى على أفعالهم. فداخل عملية الوصف، يسعى الباحث إلى الوصف و التأويل معاً وبشكل متداخل، كما تتداخل المعاني و الأفعال في الواقع الموصوف.
استلهاماً لهذا الإطار المنهجي سعي الأنثروبولوجي الامريكي الى وصف سيرورة السلطة من خلال تتبع احدى حركات السلطان مولاي الحسن في نهاية القرن التسع عشر، فتبعاً لهذا المنظور يمكن فهم الحركة ليس بوصفها تنقلاً عسكرياً لإخضاع القبائل، بل باعتبارها فعلاً رمزياً كثيفاً؛ ذلك أن أفعالاً من قبيل: البلاط المتنقل، الطقوس السلطانية، الاستقبالات العسكرية، خطاب السلطة و الهيمنة، السيادة و الحكم، كلها افعال محملة بدلالات سياسية – ثقافية تعبر عن مفهوم معين للسلطة. ذلك أن الثقافة مثلها في ذلك مثل شبكة العنكبوت، يقول غيرتز، وتحليلها لا يستهدف البحث عن القوانين كما هو الحال في العلوم التجريبية، بل يستهدف البحث عن المعنى[3].
فبعيداً عن القراءة الخطية للأحداث، واهتمام المؤرخ بالحدث في ذاته، واهماله للحركات و اشكال الاستقبال، والطقوس السياسية و الدينية، وطرق التقرب، وإلقاء التحية، و البنية المورفولوجية للمواكب الملكية، يعتبر وصف حركة السلطان محاولة للكشف عن آلية الحكم و المحافظة عليه من جهة، وكشف شبكة المعاني لهذا الاسلوب الساسي في تثبيت الهيبة وتجسيد البركة.
يعد هذا العمل المترجم هنا لكليفورد غيرتز بمثابة نموذج لاستعمال الوصف الكثيف في العلوم الاجتماعية. فالوصف اداة تستهدف الكشف عن المعنى الذي يمنحه الفاعلون لأفعالهم داخل سياقاتهم الزمنية و الثقافية من خلال تفكيك الدلالات المحلية و اعادة بناء الزمن الاجتماعي و الذهني. إن الوصف الكثيف يعيد للتاريخ كثافته الرمزية، مستبعداً بذلك بساطة السرد السببي للأحداث. وقد كتب هذا النص سنة 1977، وكان الهدف منه مقارنة تلاث أطر تعبيرية و عقدية مختلفة؛ البروتستانتية الانجليزية في القرن السادس عشر الميلادي، الهندوسية الجافانية في القرن الرابع عشر، و الاسلام المغربي في القرن التاسع عشر. لقد كان الدافع من المقارنة بين هذه النماذج الملكية الثلاث هو رصد خصوصية العاهل الكارزمي، كما وصفه ماكس فيبر، وأسلوب ممارسة السلطة باعتبارها سلطة مقدسة، في الدولة التقليدية.
– ترجمة النص:
مغرب الحسن [الاول]: حركة وطاقة[4]
« لا يقوم الحكم بالضرورة على الفضيلة ولا يكون محاطاً بأي كوسمولوجيا حتى ينظر إليه بوصفه قوة في خدمة الصالح العام، فطابعه المقدس يمكن أن يُرمَّز بشكل مباشر. في المغرب التقليدي، أو كما يسميه والتر هاريس « المغرب كما كان »، كان الحكم الشخصي والقدرة على التأثير في وقوع الأشياء كما لو كانت تحدث تبعا لرغبتنا، وكان ذلك العلامة الأكثر يقينًا على النعمة الإلهية. في عالم هيمنة الإرادات على الإرادات، وهيمنة مشيئة الله على كل الإرادات، فلكي تسبح القوة في التعالي لم تكن تحتاج لتجسد في شيء آخر غير ما هي عليه. كان الملوك مثل الآلهة، يرغبون ويطلبون، ويحكمون ويشرعون، يعاقبون ويجازون. إنها مهمتهم، أي أننا لا نحتاج لعذر لكي نحكم. من الطبيعي أن يكون الحاكم قادراً وهو أمر لم يكن سهلاً داخل حقل واسع ومتحرك يشمل المئات من الفاعلين السياسيين كل واحد منشغل بتكوين شبكة حوله لتدعم شخصه. لم يكن للمغرب التراتبية الهندوسية، القروسطوية، ولا نزعة الخلاص الإصلاحية المسيحية لتعظيم العاهل، من بين الصالحين. كان هناك فقط شعور قوي بحكم الله والاعتقاد في أن حكمه سيظهر في العالم في إنجازات بشر حيويين، أهمهم الملوك.
إن الحياة السياسية هي مواجهة بين شخصيات، تظهر من حين لآخر في الهامش لتقاوم الحكم المركزي، وهذا حال الدول الأكثر مركزية. لكن في المغرب، يُنظر لهذا الأمر وكأنه فتنة الحال وخراب الفضيلة، بالمعنى الخالص للكلمة. كان المجتمع صراعيًا يطبعه تسابق الإرادات. هكذا كانت الملكية وهكذا كانت الرمزية التي تعظمها. ليس من السهل التمييز بين المواكب الملكية والغارة الحربية. من الناحية السياسية، كان مغرب القرنين الثامن والتاسع عشر يتشكل من ملكية حربية متمركزة في قلب سهول الاطلس، وسحب من القبائل، منها الخاضعة بشكل متقطع للحكم المركزي، وهي التي تتموقع في الأماكن الخصبة والقريبة منه، ومنها تلك التي لا تخضع لسلطته سوى في مناسبات محددة، وهي شبه مشتتة في الجبال والسهول والواحات المحيطة بالبلاد. من الناحية الدينية، يتعلق الأمر بسلالة شريفة، بمعنى أنها تدعي الانتساب إلى الرسول، وعدد من العلماء وفقهاء القانون، بالإضافة إلى جيش من الاولياء، أحياء وأموات، يتمتعون بقوى خارقة معروفون باسم الاولياء الصالحين. اما من الناحية النظرية، فالمملكة تعد دينية وسياسية، والملك باعتباره خليفة يترأسهما معًا، وتبعًا لذلك فالدولة كانت تيوقراطية. لكن كل هذا لا يمثل نظرية أحد، بما في ذلك الملك نفسه. فهو نموذج مثالي للسلطة، مفقود في الواقع بسبب ظهور شخصيات كاريزمية هنا وهناك. إذا كان للمجتمع المغربي من مبدأ، فقد يكون: لا يمتلك أحد سوى ما يستطيع الدفاع عنه، سواء كان أرضًا أو ماءً أو نساءً أو شركاء تجاريين أو سلطة شخصية. كان الملك يمتلك سحرًا، وبالتالي فقد كان مضطرًا الى للدفاع عنه وحمايته. ينظر للسحر من خلال فكرة أخرى ذات اصول شمال إفريقية: البركة. فقد اعتبرت البركة مرادفة لمجموعة من الأشياء كالمَنَا والكاريزما، إنها « كهرباء روحية ». ولأنها هبة غير طبيعية للسلطة، كان من يتلقاها يستعملها كما يشاء وبشكل طبيعي وبراغماتي لتحقيق أهداف شخصية ودنيوية. لكن ما يعرف البركة أكثر، وما يجعلها تتميز عن باقي المفاهيم الأخرى المتماثلة معها هو أنها فردانية بشدة. إنها ميزة مثلها مثل القوة والشجاعة والحيوية والشراسة، موزعة بشكل اعتباطي. إنها في الواقع كلمة تلخص كل هذه المزايا والفضائل الفاعلة التي تمكن البعض من الانتصار على البعض الاخر. أن تنتصر، سواء في البلاط أو في معركة في الجبل، كان دليلًا على امتلاك البركة، وأن الله منحنك القدرة على الهيمنة. الا أنها قدرة مميتة إذا ما تم إخفاؤها. إنها ليست شرطًا كالنعمة أو طبعًا كالتكبر اللذان يظهران بجلاء من تلقاء نفسهما. إنها حركة الإرادة التي لا توجد إلا من خلال أثرها. مثل كل ما يقوم به الملك، المواكب الملكية تشعر الناس بهذا الاثر، خصوصًا أولئك الذين يتخيلون أن أثرهم شبيه بأثرها. فبشكل دوري أو ظرفي، من خلال برنامج مشكَّل من مقاطع محددة، كانت المواكب الملكية لا تتوقف تقريبًا؛ « عرش الملك سرجه »، يقول المثل، « السماء سترته »، « الخيام الملكية لا تجمع أبدًا »، يقول مثل آخر. لقد كان مولاي إسماعيل أكبر المدافعين والمعززين للسلالة العلوية في نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر. لقد كان الرجل الذي جعل بركته واقعية. لقد أمضى عهده كله تقريبًا تحت الخيام. ففي المنتصف الأول من زمن حكمه، لم يمضِ سنة واحدة في قصره، يسجل أحد مدوني الاحداث. وهكذا كان حال مولاي الحسن( 1894)، آخر ملوك النظام القديم. فقد كان يمضي ستة أشهر من السنة في السفر ليبرهن عن سيادته امام المشككين. ولم يكن للملوك عاصمة واحدة، بل كان البلاط بين المدن الملكية: فاس، مراكش، مكناس والرباط، ولم يكونوا في بيوتهم في اي واحدة منها. ولان الملك كالله، لا يمكنه ان يكون في كل مكان، كان على الاقل، يُظهر ان بإمكانه ذلك. «لا يمكن لاحد ان يكون على يقين ان الملك لن يأتي غداً على رأس جيشه » يقول المثل المغربي. ففي تلك الحقبة، كان الناس الاكثر تشدداً، مستعدين للتفاوض مع ممثلي السلطان، والتوافق حول شروط يقبلها العاهل. كان الملك مثل خصومه متحركاً : « تحرك وستحبط خطط خصومك » « اجلس و سيحبطون خططك ».
البلاط المتحرك يسمى محلة، اي التوقف في الطريق، او حرْكة او تحرك. ان. استعمال هذا اللفظ او ذاك، يتوقف عن القصد من الحركة: اما الجانب الحكومي التدبيري تو الجانب الحربي العسكري. في الحالة العادية، يخيم الملك في مجالٍ ما من بضعة ايام الى بضعة اشهر، ثم ينتقل بعد ذلك الى مجال آخر عبر مراحل، يقيم فيه مدة اطول، لاستقبال الاعيان و القادة المحليين، وكذا لإقامة الحفلات وارسال الحركات التأديبية اذا كان ذلك ضرورياً، وبشكل عام، ليشعر الناس بوجوده. لم يكن ذلك صعباً، ولان المعسكر الملكي كان مثيرا للإعجاب، كان بحراً واسعاً من الخيام و الجنود و العبيد و الدواب والسجناء و العدة الحربية و المساندين لمعسكر. قدر هاريس عدد المشاركين في معسكر مولاي الحسن بأربعين ألف شخص. وقد كان مزيجاً غريباً من الاضطراب اللامتناهي و النظام الكامل، يتعاقبان الواحد تلو الاخر، بشكلٍ سريع. ففي حركة تافيلالت عام 1893 تشكل المجال الملكي وحده من خمسين اوستين خيمة. و في عام 1898 حين كان كل هذا يؤول الى الزوال يتحدث Weisgerber « آلاف البشر و الدواب »، في معسكر مولاي عبد العزيز في الشاوية. يصف Weisgerber ذلك بشكل أقل رومنسية قائلاً :« وكأنها بحيرة واسعة من الوحل المتعفن ». لقد كانت حركة الملك عنصراً مركزياً في حكمه، إذ كانت المملكة موحدة، أي بقدر ما كانت موحدة كانت مملكة. كان البحث عن الاتصال بين السلطة المركزية، ومئات المراكز الاخرى الأقل حظوة، صراعياً في معظم الاحيان. لم تكن المواجهات مع القادة المحليين عادةً عنيفة بالضرورة. Shaar، يذكر المثل الشعبي القائل: « يستعمل الملك تسعاً و تسعين حيلة، ولا تشكل الاسلحة النارية سوى العشر منها ». غير أن الصراع لم يكن يتوقف خصوصاً بالنسبة لملك طموح يريد تأسيس دولة: اشتباك ثم مؤامرة فتفاوض، في توالٍ مستمر. لقد كان انشغالاً مرهقاً، فوحده من لا يتعب من يستطيع الاستمرار. كانت الطاقة تشكل لمولاي اسماعيل و لمولاي الحسن ما كانت تشكله العفة لايليزابيت والعظمة لحيام وروك. طالما يستطيع الملك الاستمرار في الحركة، معاقباً معارضاً هنا، مجازياً حليفاً هناك، يستطيع ان يمنح لسيادته المستمدة من الله مصداقية فعلية، لكن شريطة ان يستطيع الاستمرار.
تلك الاصوات المتعالية المعتادة لعموم الناس إبان مرور الملك « الله يبارك فعمر سيدي » كانت أكثر التباسا مما قد يظهر، « فأن يبارك الله دائما في عمر سيدنا » قد تنتهي بانتهاء القدرة على السيطرة.
كانت الحركة الأخيرة لمولاي الحسن المثال الحق و المرير عن حقيقة هيمنة هذا الشكل من الحكم على وعي المحكومين، كانت حركة رهيبة. كان مولاي الحسن محبطاً بسبب فشل الاصلاحات الادارية و العسكرية و الاقتصادية، مهدداً من كل ناحية من قوى أوروبية، و منهكاً بالمحافظة على وحدة البلاد، بواسطة قوته الشخصية وحدها. لقد قرر سنة 1893 ان يقود حركة كبيرة، قاصداً المكان المقدس لأول مؤسس للسلالة العلوية في تافيلالت، وهي واحة على حافة الصحراء تبعد بمئتي كيلومتر عن فاس في اتجاه الجنوب. لقد كان سفراً طويلاً، صعباً، خطيراً و مكلفاً. ولقد شُرع في السفر رغم الاجماع عن الامتناع عنه. لقد كانت دون شك أكبر محلة لم يسبق لها مثيل من قبل. كان مجهوداً درامياً ويائساً، وسيظهر في النهاية أنه كان كارثي في إحياء الذات.
تشكلت الرحلة من ثلاثين ألف رجل من القبائل الحليفة المنحدرة من سهول الأطلس، يركب غالبيتهم البغال. انطلقت الرحلة من فاس في شهر أبريل، وقطعت الأطلسين المتوسط والكبير في فصل الصيف وبداية فصل الخريف لتصل إلى تافيلالت في شهر نونبر. سُمِح لأوروبي واحد بمرافقة الرحلة. كان طبيباً فرنسياً، وللأسف كان ملاحظاً بائساً، إذ لم يكن هناك أي سرد محلي للحركة على ما يبدو. لا نعرف شيئاً عن هذه الحركة سوى أنها كانت مُرهِقة. إضافة إلى ذلك فقد تجاوزت الحركة عدداً من العقبات الطبيعية التي يصل ارتفاع البعض منها إلى 2700 متر. ولم تكن الطريق سوى ممرات حفرتها قوائم الدواب بين الأحجار. كان عناء عبء الامتعة والخيام والأسلحة كبيراً. وكانت المشاكل اللوجستيكية المرتبطة بتوفير التغذية للناس والدواب عديدة. لقد كانت القبائل البربرية عدوانية وكانت تتخلل البلاد كلها، إذ لا يمكن اتقاء شرها لا بالتهديد ولا بالرشوة ولا حتى بالسلاح. فقد كانت مستعدة لتأتي على الرحلة بكاملها.
بغض النظر عن الأوقات العصيبة التي أخَّرت الحركة بشكل ملحوظ، لم تعرف الرحلة مصاعب كثيرة. كان القادة المحليون يرافقون الحركة برفقة العشرات من أفراد قبيلتهم، وكان الكرم الملكي يشملهم وسط سباق الخيول والطلقات النارية، إذ يتم تبادل الهدايا وشرب كؤوس الشاي و التضحية بالثيران واستخلاص الضرائب، فيتم الوعد بالولاء. تبدأ المتاعب فقط حين البلوغ إلى الأماكن المقدسة وإتمام الصلوات. كان من المحتمل مكوث الملك في الواحة لفصل الشتاء، إلا أن سوء التوقع و سوء تغذية الجيش أبطآ الرحلة بشكل كبير. إضافة الى عوامل أخرى متداخلة، جعلته لا يقضي فيها سوى أقل من شهر. كان الملك قلقا بسبب استعداد بعض القبائل البربرية للحرب خصوصا تلك المنحدرة من الجنوب. كما أن أمر تصفية جسدية بواسطة عملاء فرنسيين من جنوب الجزائر كان رائجا، إضافة إلى أن ضفاف المتوسط كان تعرف مواجهات عنيفة بين المغارب والإسبان تحدثت عنها تقارير ]استخبارية[. لكن الدافع الأكثر أهمية الذي جعل الملك يقرر الذهاب إلى السهول في وقت غير ملائم هو تراجع سلطته؛ لقد رأه هاريس في تافيلالت وقد بلغ الكهولة في سنتين فقط. كان سنه ما بين الأربعين والخمسين سنة. لقد كان مرهقاً مصفر الوجه وقد هيمن عليه الشيب في سن مبكرة. فنفس الشعور لتدارك ما فات الذي حركه نحو الجنوب، هو الذي جعله يتراجع إلى الشمال حينما فشلت رحلته إلى أصوله في استعادة مجده. في جميع الأحوال توجهت الحركة القوية التي تتشكل الآن من عشرة آلاف شخص فقط إلى مراكش في شهر دجنبر. ثلاثة أسابيع من السير نحو الشرق وسط الأطلس الكبير في منطقة أكثر تهديداً جغرافياً وسياسياً بالمقارنة مع تلك التي تم عبورها. لكن فصل الشتاء جعل كل شيئ يشبه التراجع الفرنسي عن موسكو.
في اللحظة التي بلغت خلالها الحركة الى سفوح الجبال بدأت ثلوج فصل الشتاء و الجيش يتسلق الجبل. كان عدد من الجمال و البغال و الخيول المنهكة تتعثر بالثلوج العميقة و تنفق جوعاً، ولم تتبقى سوى جثثها بين الناجين و المجاعة. وأما الناجية منها فكانت تتقدم بصعوبة حاملة القليل من لحم الجثث الميتة. كانت سحب من الغربان و الحِدآن و النسور ترافق الحركة، وكان المئات من الناس يموتون كل يوم، وكانوا يتركون في الثلوج دون دفن، مجردون من ثيابهم.
ما كان ظاهرا في تافيلالت أصبحت أكثر وضوحا، لقد أصبح السلطان كهلا متأثرا ومنهكا بالسفر كان يمتطي جواده الأبيض الكبير متوسلا بالعنان المذهب الأخضر، في حين تتأرجح فوق رأسه المنهك المظلة الملكية الحمراء المخملة. تتبعه أقوام من الرجال والبهائم الميتة تقريبا من الجوع، مجبرين على الظهور بالفرح لأن سفرهم المرعب قد انتهى لكن الجوع والمرض يمنع الفرح من الظهور.
مكت الملك في مراكش إلى غاية حلول فصل الربيع محاولا قدر الإمكان استجماع قواه، غير أن القلق المتجدد بسبب تراجع الوضعية في الشمال، والحاجة إلى حضوره جعلته ينهض لمتابعة السير من جديد ]نحو الشمال]. حين بلغ تادلة، التي تبعد بمائة و عشرين كيلومتر عن مراكش، انهار ومات. كان خبر وفاته سراً بين وزراءه. كانوا يخشون انهيار الحركة بسبب انهيار الملك، فهجوم القبائل عليها أمر وارد، ودعم المتآمرين لمرشح آخر للعرش، وازاحة مولاي عبد العزيز- الذي اختاره مولاي الحسن لولايته ولم يتجاوز سنه آنذاك اثنا عشر سنة- وارد كذلك. ولذلك قرر الوزراء القول ان الملك مريض ويستريح في فضاءه الخاص. وضعت جثته في سرير محجوب بأروقة، وأجبر الجميع على متابعة السير في اتجاه الرباط في حرارة فصل الصيف. كان يُقدم له الطعام ثم يُرجع وكأنه استهلكه. يزوره الوزراء ثم يخرجون مسرعين وكأنهم يعالجون أمراً ما. يتقدم لرؤيته شيوخ القبائل ويقال لهم أنه نائم. وبعد يومين، وحين اقترب الموكب من مدينة الرباط وتجاوز منطقة الخطر، شاعت رائحة الجسد الميت، وكأن الموت تعلن عن نفسها.
أَعلم موالي مولاي عبد العزيز بالخبر بواسطة رقاص، وثم الاعلان عن توليه منصب الملك في المدينة. وبعد يومين من ذلك اصبحت حاشية الملك تتشكل من وزراءه وحراسه الشخصيين فقط، فيحين تفرق الاخرون ودخلوا مدينة الرباط وسط الرائحة الكريهة للموت الملكي.
وصف مولاي عبد العزيز الموكب المروع لوالتر هاريس الذي كتب: « كان وصول السرير الملكي متعجلاً، يتأرجح حاملاً حِمله الرهيب؛ جثة هامدة مند خمس أيام في حرارة فصل الصيف الشديدة، وكان الحراس المرافقين له يضعون ألثاماً على وجوههم، غير انها لم تحميهم من المرض. اصيبت البغال الحاملة للسرير الملكي على ما يبدو جراء الجو الرهيب، محاولة الهروب من حين لآخر ».
هكذا انتهت الحركة وانتهى معها الموكب الذي بدأ مند عام، وانتهت معه عقدين من الركض السريع من جانب لآخر داخل البلاد، للدفاع عن فكرة الملكية الدينية. لقد كانت في الحقيقة نهاية النموذج كله، وذلك لان الملكين اللاحقين -حيث ساد الاول أربعة عشر سنة و الثاني أربع سنوات- من خلال حركات مفككة، في وضعية تتفتت بسرعة. جعل الفرنسيين من الملكين سجينين داخل القصور. لقد كانا ميتين كالحسن، بركاتهما نظرية وعاجزة.
لم يكن ذلك لا حلولاً لفضيلة الخلاص ولانعكاساً للنظام الكوني، لقد كانت كانفجارات للطاقة الربانية التي يوصي بها الملوك المغاربة رعيتهم، لكن حتى أصغر الانفجارات يحتاج لفضاء لكي يتحقق ».
1983 Bali, interprétation d’une culture, Gallimard, [1]
« La description dense », Enquête [En ligne], 6 | 1998, mis en ligne le 15 juillet 2013, consulté le 23 .avril 2019. URL : http://journals.openedition.org/enquete/1443 ; DOI : 10.4000/ enquete.1443[2]
Clifford Geertz, savoir local, savoir global, les lieux du savoir, presse universitaire de France 1986[4], pp. 196-207
مترجم من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي
