الدراسات:

الشاعر الساحر أم الشاعر النبي؟
تأملات حول قصيدة الأفق للشاعر المغربي حكم حمدان
كريم بلاد*
لا أعلم من أبي الأغوار ينبثق في نفسي عشق المقاطع الشعرية التي يكتبها الشاعر الساحر حكم حمدان، هل لذلك علاقة بكونه شاعرا ساحرا فعلا، أم أن الأمر يتصل بشيء آخر لم تخبره نفسي بعد ما يهمني، فقصيدته التي نشرها اليوم على حائطه في الفيس بوك على الساعة السابعة وسبع عشرة دقيقة فيها ما أحبه بالطبع، وما التذ به بالسليقة فالماء، والخمر حرمتها على نفسي لأن الله حرمها على نفسي والحكايا، وحبر الصمت، والسراب، والأفق والمرأة، ونكهة البن، كل ذلك مما ألتذ به، وهو العمري – مفاتح المقاطع بحسب ذوقي.
يقول في قصيدته التاج:
لا ماء في سحبي
لا خمر
في دني
كل الرؤى هرمت
من خانها ظني..
///
كل الحكايا
بحبر الصمت
قد كتبت فما تبينت
ما قالته لي عني.
///
وفي السراب يعد الأفق في يده يا أنت خذ بيدي أو حد يدي مني.
///
يأتي الجواب فناجينا من امرأة تذيبني شهوة في نكهة البن.
يبدأ الشاعر نصه بالماء بلا استعارة، وينهيه بالبن مجازا رائقا يتجلى في ذكر البن وإرادة القهوة سائلة، وبين البداية والنهاية توافق، ليس من حيث هذه الصورة الشعرية، بل من حيث السيلان أتكون نفس الشاعر هشة إلى هذا الحد الذي تفضل فيه نوازعه الشعرية أن تنحو منحى الماء والقهوة السائلين؟ ربما يكون ذلك مرده إلى أن الحياة من دونها (لنترك من هي إلى حين) تدفع نفسه لي البحث عن الحياة، والحياة لا تكون إلا حيث يكون الماء، لذلك يا بنيين، نفي الماء من سحبه، وتقي الخمر من دنانه. الشاعر لا يعير بلا خمر، فلتكن حقيقة أو وهما، قد نجد تفسيرا له في اعتبارنا الشعر خمرة تسكر لها النفس نفس الشاعر ونفس المتلقي كما يحدث معي الآن. أنا أيضا أكتب بنشوة الملسوع، ونشوة المخمور الذي لم يعرف مذاق الخمر، غير خمر الكلمة والصمت ومذاق الحبر الأسود الذي يخط الصمت، الصمت الذي منه يكون الوجود. هل الشاعر حكم حمدان” يستحضر قصة يوسف النبي ص. هنا، إنه يفعل برغم أنه لا يعي ذلك، وذاك شأن كل مبدع، وكل شاعر خاصة. لماذا ذكرت يوسف؟ لأني أحبه، ولم أذكر ذلك من قبل، وهو شأني وليس شأن الشاعر، ولا القارئ الذي يكفيه أن يتقاسم معي هذه اللحظة من الوجد. أغرمت النسوة بيوسف عليه السلام، وقد رأينه، وأنا لم أره،
غير أني أحسه في رؤاي التي ينسجها الشاعر معي. قال يوسف بأن أحد السجينين راه رأى رؤيا يعصر خمرا. وفي بيت الشاعر اجتمعت الخمر والرؤى. هناك خمر ورؤيا صادقة، وهنا لا خمر مع الرؤيا التي هرمت، أو بمعنى آخر عجزت عن أن تكون رؤيا تتحقق، لأن الهرم صنو عدم الوجود، أو قرب الرحيل في صمت.
أحب الصمت، ولكن ليس في هذا المقام بالمناسبة أستمع الآن إلى فيروز “أحبك في صمتي]. إن يوسف عليه السلام يرى الرؤيا حقا، والشاعر رؤياه محض ظن، لذلك كله استهل القصيدة بالنفي. غير أنه نفي يمهد للإثبات، وذلك ما سنلمسه لاحقا. قبل ذلك، بقي شيء في نفسي من قصة يوسف عليه السلام، إنها الخيانة التي تجرأت عليها امرأة العزيز بكل وقاحة وشراسة حتى إنها قدت قميصه من دبر ما يكشف على أنها أرادته لنفسها للحظة بكل ما أوتيته من قوة، وليس من غواية، لأن الغواية لا تلعب مع الأنبياء، وتلك سذاجتها وذلك غباؤها الظن الذي لم يرق إلى حقيقة الرؤيا هو ما خان الشاعر وحجب عنه الحقيقة، لكن يا ترى أية حقيقة هذه؟ وهل الشاعر يبحث عن حقيقة ما ؟ أم إن الأمر يتعلق فقط بغواية من الشاعر للقصيدة للكلمة للحبر للحكاية الفاعل هناك امرأة تعاكس نبيا مبجلا، والخيانة هنا من قبل الشاعر يعاكس قصيدة مبجلة، أنثى في مقابل نبي، وشاعر في مقابل أنثاه أريد أن أطرح سؤالا، بيد أني لن أجيب عنه، لأني مضطر إلى إنهاء هذه الورقة التي تشهق نفسي معها وهو : هل الشاعر نبي ؟”
إن حكاية الشاعر هذه لم يطلع عليها أحد، ولم يطلع عليها أحدا، مادامت قد كتبت بحبر الصمت والأكيد أنه حبر يرى ولا يسمع، كالرؤيا ربما والفائدة في الحكاية أن نسمعها. وبرغم ذلك، فهي لم تقل شيئا عن الشاعر، حتى وإن قالت كل شيء. إن الشاعر يجهل حكايته، ولا غرو أن يجهلها، فمتى علم الشعراء بمآسيهم ومتى وعوا ما هم فيه من وجد ووله وعشق وصبابة وجنون وموت و … وهم متى عرفوا ذلك كفوا عن أن يكونوا شعراء يمتازون عنا نحن القراء بالحكايا (عنهم لا لهم) ألم تعلم أيها الشاعر الساحر أنك عندما تحدثنا فأنت تحدث نفسك، وأن حديثك إلى نفسك لا تتبينه ما لم لتذوقه معك ماءً إذا شئت أو خمرة أو امرأة (هي عندي أفضل ما يتذوق) أو فنجان بن مذيبا.
لماذا يتوجه الشاعر إلى الأفق يبحث عن الخلاص؟ أليس على الأرض من يخلصه من غياب الحكاية عنه؟ أم إن الأرض مكتظة، كلها حكايات لم يجد الشاعر من ينصت إليه لكي يذيع حكايته؟ أم ربما سما بها إلى السماء، حيث يمكن لها أن تتجلى رؤيا صادقة، أو امرأة رفرفت روحها في الأفق بالمناسبة المرأة جذابة حتى وهي ميتة إن في السماء الله تعالى. ويده لابد تمتد لا لتأخذ من الشاعر يده، فهي التي يكتب بها، وهي حبره، ولكن لتساعده على أن يكون، على أن يتحلى قرآنا القرآن هنا بمعناه الحرفي: ما يضم ليقرأ، على اعتباري الشاعر شتات يحتاج إلى يد الله لتجمعه حكاية من جديد، وحيثما توجه الشاعر يكون الله، فهو الذي وسع كل شيء، غير أن أجمل مكان قد يمد منه يده اللاتشبه يدا الأفق الرحيب (حسب ظني).
يأتي الجواب في حسبان الشاعر من امرأة، وأنا لم أخالفه، فقد قلت سابقا بأنها جذابة حتى وهي روح بيد الله القد عدت إلى يده تعالى يأتي الفرج فناجين من بن، إنها أكبر لذة تذيب الشاعر، ليس من يد غير يد الفتنة / المرأة التي هي سر مأساته في هذه القصيدة. إنه يهرب منها إليها، ويرجوها ولا يرجو غيرها، ويرضى بالقليل منها. كيف لفنجان من قهوة البن أن يقوم مقام هذا الملكوت الذي يسمى امرأة؟ فيقنع الشاعر من عندها بنكهة ساخنة، إن شهوته هنا وكما يرشف من حافة الكأس يمكنه أن يفعل من حافة شفتيها، إن نفي الحياة في بداية القصيدة تمهيد لإثباتها في نهايتها، الحياة التي لا تكون من غير يد الله التي تتجلى فيها امرأة من رؤيا تحكي بحبر لا صمت فيه عن الشاعر، وله، حتى يتبين أن ليس في أفقه الشرقي غير المرأة نفسها.
الرباط يوم 18 دجنبر 2016م
ناقد من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي