
مسرحية عرس الظلام: الفرجة المخمورة
كريم بلاد*
شَهِدْتُ في الفترة الأخيرة من الموسم الثقافي الحالي مجموعة من العروض المسرحية بمدينة أكادير، لعل أبرزها:
- مسرحية البحث عن الآخر، لفرقة بصمات المسرح، إخراج الفنان إبراهيم رويبعة؛
- مسرحية شغف، لفرقة البساط للدراما، من تأليف وإخراج محمد أيت الحساين؛
- مسرحية عرس الظلام، من تأليف الفنان علي الداه، وإخراج الفنان يونس رونا، صاحب مسرحية رماد التي لفتت انتباه النظارة خلال الموسم الماضي، في الفترة نفسها.
مسرحية “عرس الظلام” واقعة نصية، تحولت بفضل رؤية الفنان “رونا” إلى عمل مسرحي، سيبقى موشوما في الذاكرة، لمجموعة من الاعتبارات، سنقف عليها بعده، هذه الرؤية عملت على التصرف في النص الأصلي، وخلخلة بنيته بناء دراميا، بما يوافق رؤية المخرج إلى الحدث الرئيس الذي تمحورت حوله القصة في المسرحية، الحدث الذي بني انطلاقا من شخصية رئيسة، هي شخصية المختار التي لعبت في اتجاهين، على مستوى القصة، علاقته بالسيدة حنان، التي أنجب منها لا شرعيا ابنهما عليا، وعلاقته بالسيدة سهام التي أنجب منها أيضا ابنته آمال. اشتبكت القصة على مستوى خدمة السيدة حنان في بيت السيدة سهام فتوطدت العلاقة بينهما، وتقربت الابنة من الابن، الشاب من الشابة، فقررت السيدتان تزويجهما، من دون علمهما بأنهما أخوان، وثم توقف العرض وانتهى.

للفرجة التي قدمت من خلال العرض المسرحي “عرس الظلام” اعتبارات، تعود إلى:
أولا: قدرة شخصية واحدة على خلق الفرجة خلال جريان العرض المسرحي من بدايته إلى نهايته، دون أن يكون في حاجة إلى من يسنده، الفرجة التي وسمتها بالمخمورة؛
ثانيا: قدرة الديكور على تخصيب الفعل المسرحي بشكل لافت للانتباه، من حيث ثباته وعدم تغييره، وفي الوقت نفسه، تمثيل مختلف الفضاءات التي جرت فيها الأحداث؛ بحيث عمل الديكور على تمثل الطابق الرابع من بقية طوابق العمارة التي جرت فيها الأحداث الرئيسة، كانت هناك أرضية خشبية إضافية مائلة بزوايا معينة، تمكن النظارة من تبين ما يقع عليها، متمايزا عما يقع دونها، وكانتا اثنتين، واحدة تشخص شقة السيدة سهام، وثانية تشخص شقة المختار في الطابق الأرضي، لعبت الإنارة دورا بارزا في إظهار التفاوت بين الشقتين، وما يجري فيهما من أحداث متزامنة أو متفاوتة، وما عزز ذلك الإنارة التي تسقط عموديا على الشخصيات في الشقتين، حجبت منها الأشرطةُ المعلقةُ السطوع، وخفَّتِ الإنارةُ بما يحيل على زمن الليل؛
ثالثا: توازن حضور الشخصيات في قصة العمارة، وتقابلها؛ بحيث لم تتوقف الفرجة المخمورة منذ بداية المسرحية إلى نهايتها، وواكبت مختلف التحولات التي عرفتها الشخصيات وهي تبني معالم جديدة في كل مرة من قصتها. فقد شاهدنا المختار غير صاح، يشرب، ويعيد، يتدخل عندما تدعوه شخصية إلى فعل ذلك، ويواصل الشرب عندما تنتقل الفرجة إلى الطابق الرابع، بين شخصيتي حنان والسيدة، وبينهما وحارس العمارة السيد عمر. الذي يمكن عده صلة الوصل بين الفضاءين وبين القصتين وبين الصراعين.

ومعلوم أن مسرحية “عرس الظلام” كتبها باقتدار الفنان علي الداه، وهو مبدع يكتب بطريقة الكبار، فهو “سيناريست” متمكن من أدوات الكتابة وتقنياتها، وهو فنان مبدع في المسرح والفرجة الهزلية، كما أنه روائي بصم الساحة الثقافية بعمل روائي مستفز، هو “طابا نوار”[1]، وله مسرحية “احتفال بالموت”[2]، كما كتب سيناريو الفيلم التلفزي “التكريم” الذي أخرجه الفنان حميد زيان…
يتبع…
[1] صدر عام 2015م.
[2] صدرت عن الهيئة العربية بالشارقة سنة 2012.
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي