
عمر آيت سعيد*
“…ألم تكن هذه الهجرات نابعة من فلسفة الحاكم الفرنسي ” ليوطي”؟ الذي قال في زمانه “شاب مهجّر يساوي بندقية ناقصة” بمعنى أن تلك الهجرات استهدفت مناطق المقاومة، لإفراغها من الطاقات الشابة وبالتالي تنخيرها وإضعافها. وقد تم هذا بالفعل في مناطق أخرى كالريف ومناطق القبائل بالجزائر.
قُرانا في الجنوب الشرقي تستبطن مناجم من فضة وذهب… وما لا نعلم؛ لكن تنميتها مؤجلة، والمشاريع المبرمجة فيها لا ترقى إلى مستوى ما يطمح إليه الإنسان على هذه البقاع التي سجلت اسمها بالدماء الزكية في التاريخ. فمن منا لا يتذكر معارك”بوكافر” ومعارك ”بادو” ومعارك أخرى؟ صدقت المرأة الحكيمة التي تنحدر من الجنوب الشرقي حينما قالت يوما: “أنهار من فضة تجري تحت أقدامي ومازلت ألبس خاتما من قصدير”.
كلامك عين الصواب أيتها الحكيمة، فوالله هذه قولة تلخص كل شيء. ولم نعد نحتاج إلى مساحيق وبرامج تلفزيونية تسخر منا ومن معاناتنا، فتغرقنا بنقل وقائع وحقائق وأفلام بعيدة كل البعد عن أحلامنا وآمالنا وقيمنا. لقد علمتنا الغربة والشعوب التي تواصلنا معها الشيء الكثير. السّفر والاغتراب مدرسة تعلمنا يوما بعد يوم، فنرى ونبصر باللباب والمقلة ثم نقارن بين تجارب الشعوب، لكي نستخلص ما يترك حزازة في النفس وغصة في الحلق وكمدا في القلب.
صحيح أن المؤسسات العمومية أنجزت برامج وطنية لفك العزل، وحاولت بناء القناطر والمدارس وبعض المستشفيات التي تسير ببركة الممرضين. فقطاع الصحة في واحاتنا يَتَوَلاَّه الممرضون لأن الأطباء غالبا ما اعتبروا الاشتغال بهذه المناطق مثل الخدمة العسكرية، حيث يتهافتون لتعبئة الحركة الانتقالية لمغادرتها في ظرف عام أو عامين على الأكثر، لأنها مجرد مناطق عبور بالنسبة إليهم. فلماذا لا تفكر الدولة في تحفيز الأطباء ماديا ومعنويا ليستقروا في هذه المناطق؟ لماذا لا تفكر الدولة بشكل جدي في توجيه الجالية المقيمة بالخارج وإرشادها؟ لماذا لا تبني وكالات خاصة بهم، تبني معهم مشاريع تعود بالنفع العميم على الجميع؟ لماذا تترك الدولة مجهودات أبنائنا وأحبابنا من الجالية تضيع، وتجعل جاليتنا تقع فريسة سهلة للأبناك؟ فلو اجتمع أربعة أفراد من الجالية على سبيل المثال لا الحصر، لبنوا مشروعا تنمويا يشغل شبان القرية ويساعد على تحريك عجلة الاقتصاد المحلي.

لكن الإرشاد الحقيقي والتوجيه يكادان ينعدمان في سياسة الوزارة الوصية على قطاع الجالية المقيمة بديار المهجر. فالدولة تسهر على إقامة المهرجانات في المناطق الهشة المهمشة تنميتها. فمرحبا بالمواعيد الثقافية التي تتصالح مع مناطقها وتشجع الجمعيات والشباب؛ لكن المهرجانات التي تقام في مداشرنا تفتقر لمشاريع تنموية حقيقية كفيلة بالنهوض بأوضاع شبابنا. فالواقع يكذب هذه المهرجانات فنحن نحتاج إلى مهرجانات للتشغيل ومحاربة اليأس والفقر.
وفي الأخير، نحن نكتب هذه السطور بقلوبنا قبل عقولنا، فمستقبل وطننا يهمنا جميعا، فواحاتنا نريد أن تكون واحات تدب فيها الحياة، نريدها أن تكون مناطق جذب لا مناطق عبور، نريد أن تبنى فيها مراكز لتعلم اللغات الوطنية لفائدة أبناء المهاجرين ولغيرهم ممن يرغب في ذلك، سواء اللغة الأمازيغية أو الدارجة المغربية لكي نربط الأبناء بالجذور. ينبغي ترسيخ ثقافة الاعتراف في السياسات العمومية، فأبناء المهاجرين كلهم طاقات وجب استثمارها لبناء الطاقات الشبابية بالوطن وإغنائها. لا نريد لواحاتنا أن تلفظ أبناءها وتصبح عنوانا للهجرة والنزوح. نريد أن تكون واحاتنا خضراء نزرع فيها الورود من جديد لا صفراء قاحلة. لا نريد أن تكون واحاتنا مرادفا للموت حين يتركها أبناؤها، كما عبر عنه شعراؤنا عبر فترات زمنية مختلفة حينما قالوا:
Tlla lixra mi ur yudir wakal
موجودة الآخرة التي لم يطمرها التراب
Adday ixwu ka tamazirt lmmut
فمن غادربلدته فهو ميت
(مقتطف من قصيدة ”ازلي” من الذاكرة الجماعية)
باحث في الأمازيغية من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي