كريم التازي وعلامة “marwa”، قصة نجاح تستحق أن تحكى أو المكناسي الذي سعى إلى دمقرطة الموضة النسائية بالمغرب
محمد بشار*
سلسلة متواضعة عن أعلام مدينتي مكناس. أعدها تحت عنوان (علم من مدينتي) وذلك للتذكير بهم وبأهم منجزاتهم.
ولد كريم التازي بالمدينة الجديدة (حمرية) بمدينة مكناس سنة 1966، وبها تلقى تعليمه الابتدائي (بمدرسة جان جاك روسو) والثانوي (ثانوية بول فاليري) بعدها انتقل الى الدار البيضاء للدراسة بثانوية ليوطي.
كريم التازي كان في صباه مهووسا بكرة المضرب التي مارسها في إطار “نادي تنيس مكناس “. هذا الشغف بالكرة الصفراء، ولد لديه الحلم بأن يصبح مدربا لهذا الصنف من الرياضة، لكن على ما يبدو نداء النسيج كان أقوى وأشد حزما.
كريم التازي صناعي عصامي، خبرته المميزة راكمها رويدا رويدا من التجارب المتعددة التي مر منها والمهام التي مارسها. يروي–لمجلة تيل كيل-بأن أول عمل حصل عليه كان بشركة عائلية حيث كان “مكلفا بمهمة لدى المدير العام”. لكن سرعان ما فصل من الشركة.
خلال تجربته الأولى والقصيرة هذه، لاحظ، في قطاع النسيج، غيابا للبنيات التي تعمل على ربط الصلة بين “أصحاب الأمر” – -donneurs d’ordres (أساسا الموزعون الدوليون للملابس الجاهزة) والصناعيين المحليين المغاربة (الذين يقومون –من بين مهام أخرى-بعملية الإنتاج بنظام المناولة – Sous-traitance- طبقا لأوامر هؤلاء الموزعين الأجانب).
انطلاقا من هذه الملاحظة ولتجاوز هذا الخلل، يقول، رأت شركتي الأولى (ASPIH) النور، وكان ذلك سنة 1991، أي في عمر 25 سنة. الشركة كانت عبارة عن مكتب للمراقبة ولربط الصلة في صناعة الألبسة. نشاطه هذا عرف نجاحا سريعا وتجاوبا كبيرا من طرف كبار الموزعين الدوليين. هذا النجاح مكنني، في غضون 3 سنوات، من الحصول على المليون درهم الأول في مساري المهني. ويضيف، من غير المقبول ألا تنجح إذا اجتمعت لديك 3 عوامل:
-أن تكون محاطا بفريق متحد ومتحمس
-أن يكون مشروعك مبتكرا، بمعنى أن يكون المشروع حاملا للجديد
-أن تتوفر لك بيئة ملائمة وظروف واعدة
وبالطبع كل هذا يلزمه كثير من الشغف.

بتعبير آخر، لا شيء في مفكرة كريم التازي لشيء اسمه الصدفة. بالنسبة إليه النجاح يرتبط بالتجديد والتخطيط وحسن الإعداد والعمل الجماعي والتفان.
عمله الذي، كما أسلفنا، كان مرتكزا على نسج علاقات دائمة بين مصنعي النسيج المغاربة والمشترين الأوربيين، والتي كانت ضمنهم شركة Redoute Laالفرنسية، مكنه من التماس مع كل منتوجات صناعة النسيج، ومن الاطلاع على كل المراحل التي يمر بها المنتوج إلى أن يصل الى المستهلك (خياطة، توزيع …).
ما اكتسبه من معارف تقنية وفنية متعددة في القطاع، واحتكاكه الطويل بالموردين والزبناء وبعالم الموضة الفسيح والمتقلب، ولد لديه فكرة خلق ماركة مغربية في شعبة “الموضة السريعة” -fashion-fast-. للتذكير وباختصار شديد، ظاهرة “الموضة السريعة (فاسط-فاشن) بدأت في التسعينات من القرن الماضي وكان وراءها مجموعة من الماركات الكبرى ك: زارا – ماسيمو دوتي – وغيرهما. فاسط-فاشن هي إحدى مكونات صناعة الألبسة التي تستند في قاعدتها على التغيير السريع والمتعدد للألبسة المعروضة للبيع في نفس الموسم. هذه الألبسة تطرح للبيع بأثمنة في المتناول لحث الزبناء وتعويدهم على الشراء المتكرر وتجديد خزانة ملابسهم بوتيرة مرتفعة”.
في الفترة التي اختمرت في رأس كريم التازي فكرة إنشاء “علامة تجارية مغربية” كانت العلامة التجارية الإسبانية “ZARA” هي الأكثر إشعاعا وتميزا في المحيط الوطني. لدى وجد نفسه يأخذها كنموذج. ومنها استوحى “ماركته” التي حرص على أن تكون منسجمة مع ظروف وواقع البيئة المغربية والمستهلك المغربي. هكذا خرجت، في سنة 2003، إلى الوجود العلامة التجارية المغربية الأولى “marwa”، فخر صناعة النسيج المغربية، والخاصة بالملابس النسوية وأكسسواراتها.
اختيار كريم التازي اسم مروة لعلامته التجارية لم يكن اعتباطيا، لقد روعي فيه:
+أن يكون اسما عربيا قحا وبسيطا. لمروة في اللغة العربية معاني عدة منها “حيوية، مرحة”
+ألا يطرح الإسم مشكلا في النطق لغير العرب.
+أن تمكن كتابته بالحروف اللاتينية، من رسم “هوية بصرية” متميزة. وعلى ما يبدو هذه العملية تمت بتوفيق. فالمتأمل للشعار كما هو وارد في الصورة المصاحبة للنص يلاحظ:
Ø تناسقا في الألوان بين حروف الشعار المكتوبة بالأبيض والخلفية ذات اللون الأسود الحاملة للشعار.
Ø جمالية نابعة من البساطة والتناظر -symétrie-بين الحرفين الأولين ma والحرفين الأخيرين wa ، حيث w كتبت على شكل m معكوسة. أنظر الصورة.
بدأت المغامرة الجميلة لكريم التازي بفتح محلين تجاريين، في نفس الوقت، بالرباط والدار البيضاء. لاقت المعروضات باسم العلامة الجديدة إقبالا لافتا من طرف شرائح مختلفة من النساء: طالبات، موظفات، ربات بيوت… وكان ذلك إرهاصا بأن مستقبل العلامة الجديدة سيكون واعدا. تستند مروة في مقاربتها التسويقية على:
– إنتاج ملابس عصرية تزاوج بين الموضة والجودة وتصاميم متنوعة تستجيب لرغبات وأذواق الزبونات المغربيات من فئات مختلفة،
-طرحها في السوق بأثمنة تنافسية في المتناول ومحفزة على الاقتناء وإعادة الاقتناء.
من خلال هذه المقاربة تهدف مروة الى دمقرطة الموضة النسائية في المغرب. وهو الهدف الذي حدده كريم التازي لنفسه منذ البداية. بالنسبة إليه “على الموضة أن تتوقف عن كونها امتيازا”، وذلك بجعل الملابس الفاخرة في متناول شرائح كبيرة من النساء، حتى وإن كن من غير المهتمات بالموضة بشكل مباشر. مروة، على عكس الكثير من شركات الموضة الكبرى التي تعمد الى تصنيع منتجاتها في بلدان عير بلدانها الأصلية، قررت أن تصنع كل منتوجاتها بالمغرب. أضف الى ذلك أنها تستعمل المواد المحلية ولا تعمد الا لاستيراد ما هو غير متوفر في السوق الوطنية. هذا الاختيار يساعد على خلق مناصب شغل قارة في القطاع. فمروة تشغل ما يناهز 3000 عنصر:
+ منها 1200 بطريقة مباشرة في معمليها بالدار البيضاء ومكناس والمتاجر المملوكة لها بالمغرب.
+ وحوالي 1800 بطريقة غير مباشرة.
استطاع كريم التازي أن يؤسس لمدرسة حقيقية للموضة السريعة بالمغرب، ساهمت في تأهيل العديد من المبتكرين في الميدان لصالح مروة. لكن مجموعة من المعاونين-الذين تكونهم مروة-يغادرون بصفة منتظمة للعمل في ماركات عالمية كبرى. هذه الانتقالات بقدر ما تشكل فخرا لكريم التازي ومؤسسته، فإنها تؤرقه لأنه ليس من السهل-كما يقول-أن تبدأ تكوين ملتحق جديد بالشركة من الصفر في كل مرة.
بفضل تسيير محكم، وسياسة تجارية مبنية على معرفة معمقة بالسوق، واعتمادها على موارد بشرية كفؤة ومكونة تكوينا عاليا، تمكنت مروة من التغلغل جيدا في السوق الوطنية. هذا النجاح فتح شهيتها على توسيع نشاطها إلى الخارج. ونظرا لتشابه العادات والتقاليد بين الشعوب العربية، قررت مروة، بداية من سنة 2009، فتح محلات تجارية لها بالدول العربية دون إهمال مشروعها الكبير والطموح بدخول السوق الأوربية وحتى الأسيوية (غير العربية (. مروة، التي تبيع أسبوعيا عشرات الآلاف من القطع من منتوجها وتحقق نموا سنويا من رقمين. تتوفر حاليا على 82 متجرا منها 70 بالمغرب و12 بعدة دول عربية (تونس-الجزائر-الكويت -السعودية -الإمارات –لبنان…).
متاجر تسويق منتوجات مروة هي إما مملوكة لمروة أو مملوكة للغير (شخص ذاتي أو معنوي).
المتاجر المملوكة للغير تسوق منتوجات مروة في إطار نظام ” الامتياز” -franchise La-. إن تبني نظام “الامتياز”، من طرف مروة، كما باقي العلامات التجارية، يمكنها من توسيع نشاطها وتنمية رقم معاملاتها دون حاجة لتعبئة موارد مالية إضافية. فالامتياز، بإيجاز كبير، هو الترخيص من طرف صاحب الامتياز -franchiseur – أي مالك العلامة التجارية، للمستفيد من الامتياز–franchisé– أي مالك المتجر، بتسويق منتوجاته بشروط تحدد في عقد بين الطرفين ومنها دفع نسبة مئوية من رقم المعاملات من طرف “المستفيد من الامتياز” الى “صاحب الامتياز”.
مروة، كما أسلفنا، أنشأها كريم التازي الذي هو رئيسها الحالي، وهي شركة مساهمة يمتلك أغلب رأسمالها وتساهم معه فيها حاليا CAPITAL CDG. عن فتح رأسمال الشركة لهيئات مؤسساتية يصرح كريم لجون أفريك: “لقد أحببت دائما أن يرافقني مساهمون مؤسساتيون (Institutionnels) في مشاريعي. هؤلاء يوجبون عليك أن تكون صارما. وهذا يخلق نوعا من الطمأنينة والإحساس بالأمان لدى معاونينا وشركاءنا وحتى مناولـيـنـا” Sous-traitants.
قوي بتجربته المتميزة وبالمركز الذي صنعه لنفسه بالقطاع والسمعة التي اكتسبها بين صناعييه، ومستندا على برنامج واضح وطموح للنهوض بالقطاع، قرر كريم التازي سنة 2016 أن يترشح لرئاسة الجمعية المغربية لصناعة النسيج والألبسة AMITH. وقد تأتى له ذلك وأصبح رئيسا لها لولاية من 3 سنوات. خلال هذه الفترة تحققت مجموعة من المنجزات المهمة (نمو رقم المعاملات الخاص بالتصدير-دخول المنتوج المغربي الى أسواق جديدة-تخفيف العبء الضريبي-محاربة التهريب…). منتشيا بما تم إنجازه في ولايته الأولى ترشح كريم التازي لولاية ثانية سنة 2019. لكنه اضطر لسحب ترشيحه في نهاية المطاف لأسباب استثنائية، تطرقت لها بعض وسائل الاعلام الوطنية في وقتها (وليس هنا مجال ذكرها). رغم انسحابه، ولتبديد مخاوف صناعيي النسيج وتوجسهم من حدوث انقسام داخل القطاع، بادر كريم التازي الى الإعلان عن تشبته بوحدة القطاع واستمراره مجندا في خدمته ومدافعا عن مصالحه.
كريم التازي رغم استقراره في الدار البيضاء وانشغالاته المتعددة وكثرة تنقلاته وطنيا ودوليا، فان حنينه لمسقط راسه ولمعارفه وصداقاته القديمة لا يضمحل ولا يجف. إنه دائم الحديث عن مدينته وعن الفترة من عمره التي قضاها بها، وعن ذكرياته الجميلة، وعن دفء وصفاء العلاقات الاجتماعية التي كانت تجمع بين الساكنة بغض النظر عن المستوى الاجتماعي والانتساب العقائدي. علاقات لم يكن يشوبها استعلاء أو تفاخر بالممتلكات أو المناصب أو الأنساب. كان التعايش يطبعه التعاون والاحترام. ارتباطه الوثيق هذا بمدينته، يجسده استثماره في معمله للنسيج –رغم بعده عن الدار البيضاء مركز أنشطته-والذي يشغل حوالي 400 مستخدم.
الآن وقد حقق كريم التازي العديد من أهدافه المرتبطة بعلامته النسائية، هل يفكر مستقبلا في الانتقال الى مستوى آخر، الموضة المتعلقة بالصغار مثلا.
إشارة: كامل الشكر للسيد كريم التازي ومعاونه السيد سميح على مساهمتهما معي في إنجاز هذه الورقة.
كاتب من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي
