اعترافات رجل: شعر الاعتراف بين البوح والخذلان

زينب ميثم علي*
يقال ان الشاعر لا يكتب إلا ليعبر عن مكنون مشاعره وان من لا يبوح بمشاعره يعترف بها على الورق لتكون في وقت لاحق الشاهد الحي على بوحه المتأخر بعد انتهاء وضياع الفرص، وديوان اعترافات رجل ينطبق عليه هذا الكلام، إذ إننا امام اعترافات متتالية لكل مراحل الحب من بدايات ووجع وخيانات وألم وخذلان وفراق ومرحلة الانتظار والسكون الذي يخيم على حياة المحب بعد ضياع حبه، ليقف ويرثي طلل حبه عله يحظى بذكرى تعيد له أيامه السابقة..
صدر عن دار آراء ديوان اعترافات رجل للشاعر بلال حامد الدرع، وهو عملٌ شعريٌّ يتكون من أربع وتسعين صفحةً تضمُّ ستًّا وعشرين قصيدةً. تتنوع عناوينها بين انتصاف الحب والوجع، لا تعودي، قلوب طائشة، عناق الطهر، تسأليني، كذبة الحب، لعنة الذكريات، لن تشفى مني، مرثية الحب، اعترافات رجل، بلقيس أسطورة الحب والوفاء، ليلة شتائية، ظل امرأة، رسالة إلى امرأة ميتة، حظي الضائع، حوار عميق، اللقاء الأول مصارحة، سكرات حزن، سيدة قدري، تمتمات عاشق، خنجر ملثم، سجن الحب، ممنوع أنا، نبض الأمنيات، وشاح أبيض، وثورة النبض.
تتراوح القصائد بين الاعتراف والتصريح، والتلميح في أحيانٍ كثيرة، حيث يبوح الشاعر بمشاعر الحب وما يثيره من آلامٍ بعد الفقد. يستعرض الشاعر بكاء العاشق على أطلال الحبيبة، ومراحل التشتت والحنين، ليعبر عن الأحاسيس المتنوعة التي يمر بها الشخص العاشق، بدءاً من اللقاء الأول، إلى الفراق والنسيان وما بعده.
يقدّم الديوان رحلة درامية متكاملة، ترصد أطوار الحب في مسارها الطبيعي من اللحظة الأولى للقاء، مرورًا بذروة الوجد والشغف، ثم التصدّع والخذلان، وصولًا إلى الفقد والانكسار، ومحاولات التعافي والتجاوز. في هذا المسار، يبوح الشاعر بمشاعر العاشق على أطلال الحبيبة، ويستعرض لحظات التشتّت والحنين، بما تحمله من تقلبات داخلية تجعل النصوص أقرب إلى يوميات وجدانية مكتوبة بلغة شعرية.
يمزج الشاعر بين الاعتراف المباشر الذي يخلق صلة حميمية مع القارئ، والرمز الشعري الذي يمنح النصوص بعدًا تأويليًا أوسع. أحيانًا يتحدث بضمير المتكلم، فيبدو كأنه يبوح سرًّا للقارئ، وأحيانًا أخرى يتوارى خلف قناع شعري، يتحدث من خلاله بصوتٍ آخر، فيتيح للقصائد حرية التنقّل بين زوايا الرؤية المتعددة. هذا التناوب بين الإذاعة والتخفي يثري التجربة الشعرية، ويمنحها ديناميكية فنية خاصة.
من الناحية الموضوعية، تتراوح القصائد بين الاعتراف الصريح والتلميح الرمزي، لترسم صورة متعددة الأبعاد عن الحب فهو مرةً شغف يرفع الروح إلى ذرى النشوة، ومرةً جرح غائر يترك أثرًا لا يزول. وفي هذا المزج، يظهر الحب كقوة مزدوجة الوجه يمنح الحياة ويضيء الروح، لكنه في الوقت نفسه يحمل بذور الفقد والخذلان.
كما يطرح الديوان أسئلة وجودية عميقة أهمها هل يمكن للحب أن يستمر رغم الفراق؟ كيف تشكّل التجارب العاطفية ملامح شخصياتنا بعد الانكسار؟ وهل الذكريات خلاصٌ للروح أم لعنة تقيّدها؟ هذه الأسئلة لا تأتي في شكل أجوبة مباشرة، بل عبر صور شعرية وتأملات متفرقة، تدعو القارئ لمراجعة تجاربه الشخصية، فيغدو شريكًا في النص لا مجرد متلقٍّ.
فنيًا، يعتمد بلال حامد لغةً سلسة، مشبعة بالصور الشعرية والاستعارات البصرية والوجدانية. في نصوصه تتحول المشاعر إلى مشاهد محسوسة فالحزن يصبح كائنًا حيًّا، والذكريات أشباحًا تلازم العاشق، والشوق نارًا تشتعل في تفاصيل الحياة اليومية. لكل قصيدة طابعها الفريد من حيث الإيقاع الداخلي واللغة، مما يجعل الديوان متنوعًا وغنيًّا بالتجربة الجمالية.
إن الطابع العام للديوان هو طابع اعترافي-وجداني، ينهل من عمق التجربة الإنسانية ويحوّلها إلى شعر يزاوج بين الصدق العاطفي والبعد الفني. فالقارئ يجد نفسه أمام نصوص تلتقط اللحظات الهشّة، تلك التي يلتقي فيها الجمال بالألم، والحب بالفقد، فيتحول النص إلى مساحة للتأمل الوجداني والفلسفي.
من حيث العنونة انتصاف الحب والوجع توحي هذه القصيدة بمحبوبٍ بقيت له آثارُ حبٍّ موجع.
اما في قصيدة لا تعودي فيطلب من محبوبته ألّا تعود، مهما كانت لها في قلبه من معزّة. ولعلّ ما قاساه في بُعده عنها، أو ما تركته في نفسه، جعله لا يتمنى عودتها.
قلوب طائشة يوحي هذا العنوان بأنّ الطيش لم يكن من قلبه وحده باختياره هذا الحب، بل من كليهما معًا؛ إذ استعمل صيغة الجمع (قلوب) لبيان أنّ كلا الطرفين كان طائشًا باختياره الآخر.
عناق الطهر يشير إلى أنّ المحبوبة ومكانتها مقدّسة لدى الشاعر، بدلالة لفظة (الطهر) التي استعملها لوصف حالة العناق التي جرت بينهما.
تسأليني لفظةٌ تترك علامات استفهام عديدة من المحبوبة لحبيبها، وكأنها تعنون القصيدة باستفهام معلّق.
كذبة الحب يصل فيها الشاعر إلى يقينٍ أنّ الحب كذبة، وأنّ ما يمرّ به من مراحل ليس سوى أوهامٍ وترهات، وألفاظٍ يُخدع بها كلُّ حبيبٍ في مصيدة الحب.
لعنة الذكريات يصف الشاعر أنّ ما يتبقى من كل علاقة هو الذكريات، ويصفها باللعنة، أي أنّها لن تفارقه ما لم تحصل معجزة تخلّصه منها.
لن تشفى مني يصف الشاعر غروره، إذ يؤكد أنّ محبوبته لن تشفى منه ولن تتخلّص من حبه، وإن طال الأمد.
مرثية الحب يقدّم الشاعر رثاءً وتأبينًا لحبٍّ انهدم صرحه، فراح يبثّ آهاته على ما تبقّى من معالم هذا الصرح.
اعترافات رجل يصف ما ينتابه من مشاعر، ويبثّها كآهات واعترافات لا يخجل من كشفها.
بلقيس أسطورة الحب والوفاء يستعمل الشاعر قناعًا أدبيًا، إذ يستحضر شخصية بلقيس زوجة الشاعر نزار قباني، ويقارن بينها وبين محبوبته؛ أما أوجه التشابه فهي الوفاء والحب.
ليلة شتائية يصف بها برودة المشاعر التي حلّت بهذا الحب، فأحالته ليلةً شتائيةً مظلمة.
ظل امرأة قصيدة لامرأة لا وجود لها إلا في خيال الشاعر، بدلالة كلمة (ظل). شبّهها بما عاشه من قصص قديمة لامرأةٍ سرعان ما تلاشت بمجرد أن انبلج الضوء.
رسالة إلى امرأة ميتة تشير إلى أنّ المخاطَبة لا تسمع، ربما لموت مشاعرهما وعاطفتهما معًا، لذا خطّ قلمه هذه الرسالة لتأبينها.
حظي الضائع يشير إلى الفرص التي لم يُحسن استثمارها، ولم يغتنمها، فراح يؤبّن حظّه نادبًا تلك الفرص.
حوار عميق يوحي بأنّ لا أحد يفهمه؛ لأنه لا يبوح بألفاظه لمن هبّ ودبّ، بل تحتاج قصيدته إلى قارئٍ حصيف حتى يدرك فحواها.
اللقاء الأول مصارحة تصف ذكريات لقائه الأول بمحبوبته ومصارحتهما المتبادلة.
سكرات حزن يشير العنوان إلى أنّها آخر أمارات الحزن، بدلالة لفظة (سكرات)، أي أنّ بعدها سيزول كل شيء.
سيدة قدري يصف الشاعر أنّ محبوبته أجمل أقداره.
تمتمات عاشق يتغنّى الشاعر بمحبوبته، ويتمتم باسمها أينما حلّ وارتحل.
خنجر ملثم يصف الشاعر الحب كخنجرٍ قاتل باغته، بدلالة لفظة (ملثّم) التي توحي بأنه لم يره وهو يباغته.
سجن الحب يصف الشاعر الحب كسجنٍ لا خروج منه. وحتى إن حدث الخروج بعد انقضاء زمن طويل، فسيخرج المسجون مثقّلًا بآثار التعذيب التي تعرّض لها في هذا المكان، وقد سُلب جزءًا من شخصيته حتى إنه لم يعد كما كان قبل دخوله.
ممنوع أنا يصنّف الشاعر نفسه بالمنع، وربما يشير بذلك إلى شعوره بعدم استحقاقه شيئًا في بُعده عن محبوبته.
نبض الأمنيات يشير إلى أنّ غايته مع كل نبض أن يظفر بمحبوبته.
وشاح أبيض لا يكف الشاعر عن إسناد علامات الطهر لمحبوبته، ويظهر ذلك جليًا في هذا العنوان.
ثورة النبض يشير إلى أنّ كل نبضٍ داخله يثور عليه، وعلى قراراته المتأرجحة بين الابتعاد والاقتراب من الحبيبة
ديوان اعترافات رجل مجموعة شعرية عن الحب، وأطلس عاطفي يرسم تفاصيل التجربة الإنسانية في أبعادها المتناقضة الشغف والخذلان، الذكرى والنسيان، النور والظلال. بفضل لغته الشفافة وصوره الشعرية الغنية، ينجح بلال الدرع في تقديم عمل يجمع بين حرارة التجربة وعمق الرؤية، ليضع لبنةً مميزة في صرح الشعر العربي المعاصر، ويمنح القارئ تجربة لا تُنسى، تلامس القلب والعقل معًا.
المصدر: اعترافات رجل، بلال الدرع، در أراء، ط1,بغداد 2024 .
كاتبة من
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي